بورتسودان: (ديسمبر)
وفقاً لتقرير حديث نشره موقع “إنكستيك ميديا Inkstick Media” في 17 أغسطس الجاري، فإن الحرب المستعرة في السودان لم تعد تقتصر ضحاياها على المواجهات المباشرة، بل برزت أزمة سلاسل الإمداد المقطوعة كـ”قاتل صامت” يفتك بالملايين بعيداً عن جبهات القتال. وتقول المنصة الإعلامية الدولية، المتخصصة في شؤون السياسة الخارجية والأمن العالمي، إن حياة المدنيين أصبحت رهينة بقدرة السلع الأساسية، من أدوية الأنسولين ومستلزمات غسيل الكلى إلى الغذاء والمساعدات الإنسانية، على دخول وعبور البلد الذي مزقته النزاعات وقطعت أوصاله الجغرافية واللوجستية، حيث بات انهيار الشبكات غير المرئية التي تضمن وصول هذه الاحتياجات هو المحرك الخفي للمأساة الإنسانية المتفاقمة.
وتجسد قصة الدكتورة فاطمة محمد عمر، أستاذة اللغة الإنجليزية المتقاعدة من ود مدني، هذا الواقع المرير. فبعد أربعة عقود من التعايش مع السكري، وجدت نفسها تواجه الموت ليس بسبب ندرة الأنسولين فحسب، بل بسبب انهيار البنية التحتية للكهرباء التي تحفظ برودته وفعاليته، وانسداد الطرق التي تربطها بمراكز التوزيع. هذا الانهيار اللوجستي، الذي حول التفاصيل اليومية البسيطة إلى أدوات للموت، أدى إلى مضاعفات صحية خطيرة طالت الكلى والبصر، مما يؤكد أن الحرب في السودان تُختبر عبر الضروريات التي تتناقص تدريجياً حتى تتوقف عن الوصول تماماً، تاركة الملايين في مواجهة مصير مجهول.
وفي ظل هذا التفكك، تحولت مدينة بورتسودان إلى العاصمة الإدارية واللوجستية الفعلية والمنفذ الرئيسي الوحيد الذي يربط البلاد بالعالم الخارجي، حاملة عبئاً يفوق طاقتها الاستيعابية مع انتقال البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية إليها. ومع ذلك، فإن وصول الشحنات إلى الميناء لا يضمن وصولها إلى مستحقيها، إذ تظل المسافات بين بورتسودان والولايات المتضررة محفوفة بالمخاطر الأمنية والتعقيدات البيروقراطية. ويشمل هذا التضرر كافة القطاعات الحيوية، حيث يؤدي انقطاع الكهرباء إلى تلف الأدوية الحساسة، بينما يتسبب حصار الطرق في ارتفاع جنوني لتكاليف النقل ونقص حاد في السلع الأساسية، مما وضع البلاد على حافة مجاعة وشيكة وعجز كامل في النظام الصحي.
ويختتم التقرير بالتحذير من أن استمرار هذا العجز اللوجستي، وتكدس الإمدادات في الموانئ بسبب النزاعات الميدانية، يهدد بتحويل السودان إلى بؤرة لأكبر أزمة إنسانية في القرن الحادي والعشرين. إن التحدي الراهن يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار ليصل إلى ضرورة استعادة “شرايين الحياة” وتأمين ممرات إنسانية آمنة، لضمان ألا يظل المدنيون رهائن لخرائط عسكرية لا ترى فيهم سوى أرقام عابرة، وللحيلولة دون استمرار هذا القاتل الصامت في حصد الأرواح التي نجت من الرصاص لتسقط ضحية للجوع والمرض.
هذه التطورات جعلت من “اللوجستيات” سلاحاً استراتيجياً يتجاوز في تأثيره المواجهات العسكرية المباشرة، إذ أصبحت القدرة على التحكم في مسارات الدواء والغذاء هي الأداة الفعلية لممارسة السيادة وفرض النفوذ على الأرض. وهذا بدوره حوَّل الأزمة الإنسانية إلى ورقة ضغط سياسي تعيد هندسة مراكز القوى، وتجعل من “شرايين الحياة” ساحة للصراع على شرعية تمثيل الدولة أمام المجتمع الدولي.
ومن ناحية أخرى، فإن ارتهان بقاء الملايين على قيد الحياة بمسارات إمداد عابرة للحدود أو بتسهيلات لوجستية خارجية يعزز من تآكل السيادة الوطنية، ويفتح الباب أمام تدويل الأزمة بشكل أعمق تحت غطاء العمل الإنساني، مما يجعل من استعادة وحدة السودان الجغرافية والسياسية في المستقبل مهمة بالغة التعقيد في ظل تلاشي النظام الفيدرالي.