أزمة التأسيس في السودان.. التفكير في ما بعد حرب 15 أبريل

بقلم: وليد عنبوور

 

 

تتجلى الحرب في الوجدان الجمعي بصفتها أعتى فجيعة شهدها تاريخ السودان الحديث. غير أن الغوص الجدلي في جوهرها يكشف عن وجه آخر للأزمة يتمثل في كونها لحظة انكشاف تاريخية أسقطت أوهام القدرة على الاستمرار في ترميم المعمار القديم، ووضعت الدولة والمجتمع أمام استحقاق تأسيسي لم يعد ممكناً تأجيله. فإيقاف الحرب يظل الأولوية، حمايةً للمدنيين ووقفاً للانهيار واستعادةً لشروط الحياة.

غير أن قيمة هذا الإيقاف ستظل محدودة إذا جرى التعامل معه باعتباره نهاية للأزمة، لأن اللحظة التي ستلي صمت المدافع ستفتح مواجهة سياسية وفكرية حول طبيعة الدولة التي ينبغي أن تخرج من هذه الحرب، وما إذا كان السودان سيعود إلى إنتاج النموذج القديم عبر تسوية بين مراكز القوة، أم سيمضي نحو تأسيس جديد يقطع مع أنماط المركزية والهيمنة ويؤسس لدولة فيدرالية مؤسسية قانونية قائمة على تعاقد اجتماعي يعترف بالحقيقة المركبة للتنوع السوداني.

 

وقف الحرب لا يعني نهاية الأزمة

 

الحرب ليست طريقاً إجبارياً إلى التغيير، ولا يمكن اعتبار المأساة الإنسانية التي صنعتها شرطاً لميلاد الدولة الجديدة. فقد كان يمكن للسودان أن يدخل مسار الإصلاح عبر أدوات سياسية ودستورية وشعبية سلمية، غير أن الحرب كشفت حدود النموذج القديم وأظهرت التناقض المتراكم داخل بنية الدولة والمجتمع، وأثبتت أن استمرار معالجة أزمات السلطة والثروة والسلاح والهوية عبر التسويات المؤقتة وإعادة توزيع المواقع بين النخب لن يؤدي إلى استقرار قابل للحياة، الأمر الذي يجعل مرحلة ما بعد إيقاف الحرب لحظة تأسيسية مشروطة بقدرة السودانيين على تحويل الانكشاف الذي أحدثته الحرب إلى عملية تعيد تعريف الدولة والمواطنة والسلطة والثروة والعلاقة بين المركز والأقاليم.

 

دولة الاستقلال.. أزمة تأسيس لم تُحسم

 

يتصارع مساران سياسيان وتاريخيان حول طبيعة الدولة التي ينبغي أن يقوم عليها السودان؛ الأول يسعى نحو تأسيس جديد يقوم على القطيعة السياسية والمؤسسية مع هندسة الدولة المركزية القديمة ومنطقها الهوياتي الأحادي والهيمنة على القرار والثروة والمضي نحو دولة فيدرالية مؤسسية قانونية ناجزة مبنية على تعاقد اجتماعي يعترف بالحقيقة المركبة للتنوع السوداني. والثاني محكوم بالعقلية المركزية وبمصالح البنية السياسية والأمنية والاقتصادية التي راكمت امتيازاتها داخل الدولة الوطنية، وهو يدفع باتجاه المحافظة على قواعد توزيع القوة القديمة مع إجراء تعديلات محدودة تسمح بإعادة تشغيل النظام من دون المساس بجذور اختلاله. وبين الاتجاهين توجد قوى اجتماعية وسياسية ستظل مطالَبة بتحديد موقفها من طبيعة الدولة التي ستنشأ بعد الحرب، لأن ترك المسألة لمراكز القوة وحدها سيعيد إنتاج النتيجة ذاتها.

 

إن محاولة فهم التجليات الراهنة عبر أدوات التفسير السياسي لا تعدو كونها إمعاناً في التعامي عن طبقات التراكم التي أدت إلى هذا الانفجار الشامل. فالأزمة التي تمسك برقاب المجتمع والدولة ليست نتاج تعثر فجائي في الآليات الديمقراطية أو انسداد عابر في مسارات التفاوض بين النخب الحاكمة، وهي تمتد في عمقها الجدلي لتطال الشرعية التأسيسية التي قامت عليها الدولة الوطنية منذ لحظة الاستقلال.

فالدولة السودانية الحديثة تشكلت مؤسساتها المركزية داخل هندسة تاريخية بدأت مع الحكم التركي المصري، ثم أعيد تنظيمها وتوسيعها في ظل الحكم الثنائي المصري البريطاني، وانتقلت أجزاء أساسية من هذه الهندسة إلى الدولة الوطنية بعد الاستقلال من دون أن تسبق ذلك عملية تأسيس دستورية واجتماعية تعيد صياغة الدولة وفق طبيعة المجتمع السوداني وتنوع أقاليمه ومكوناته. فتحولت المركزية من أداة لإدارة الدولة إلى وسيلة لإعادة توزيع القوة والثروة والفرص وفق ميزان غير متكافئ، واستمر التهميش البنيوي في إنتاج مسافات سياسية وتنموية وثقافية بين المركز والأقاليم، بينما ظلت الدولة عاجزة عن صياغة عقد اجتماعي يجعل المواطنة أساساً للحقوق والواجبات ويضع الانتماءات الأولية داخل إطار وطني جامع.

 

لم تكن المشكلة في مجرد انتقال مؤسسات الدولة الاستعمارية إلى الدولة الوطنية، فقد تركز الخلل في العجز التاريخي عن إعادة صياغة تلك المؤسسات وفق حاجات مجتمع متنوع ومتعدد الأقاليم والهويات، وفي تحول الدولة بعد الاستقلال إلى ساحة لإعادة إنتاج علاقات القوة الموروثة عبر أدوات وطنية جديدة؛ فأصبحت السلطة المركزية مصدراً لتوزيع الامتيازات، والموارد العامة مرتبطة بدرجة القرب من مراكز القرار، وتحولت التنمية إلى أداة لإعادة ترتيب النفوذ السياسي، وظلت قطاعات واسعة من المجتمع تنظر إلى الدولة باعتبارها جهازاً يأتيها من المركز أكثر مما هي مؤسسة مشتركة تعبر عن إرادتها ومصالحها.

 

يتطلب التشريح المعرفي لهذه اللحظة الاستثنائية مفارقة الخطاب الانفعالي والتوصيف الإخباري المائع والذهاب مباشرة لتفكيك البنية التي جعلت الحرب ممكنة؛ لأن إنهاء القتال كحدث عسكري يظل ضرورة لا غنى عنها، لكنه لا يساوي إنهاء الأزمة السياسية والاجتماعية التي أنتجت قابلية الدولة للانفجار، فوقف إطلاق النار يجب أن يكون المدخل الذي تنتقل عبره البلاد من إدارة الحرب إلى إعادة تأسيس الدولة، لا التسوية التي تسمح لمراكز القوة بإعادة ترتيب مواقعها ثم العودة إلى القواعد نفسها. ولذلك فإن التحدي يكمن في بناء مسار سياسي يضمن أولاً إيقاف الحرب وحماية المدنيين، ويمنع تحويل السلام إلى مجرد هدنة مؤقتة بين جولات من اقتتال أشد ضراوة وأوسع نطاقاً.

 

يتضح قصور اختزال الحل في وقف إطلاق النار في كونه يتعامل مع إنهاء القتال باعتباره الغاية النهائية للحل، بينما تفرض التجربة السودانية التمييز بين وقف الحرب وبين حل الأزمة؛ فوقف إطلاق النار هو الشرط الأول لاستعادة الحياة العامة وفتح المجال أمام العمل السياسي، لكنه لا يستطيع وحده أن يعالج اختلالات الدولة التي جعلت السلاح منافساً للمؤسسة السياسية، والموارد مصدراً مستقلاً للقوة، والهوية أداة للصراع، والقانون عاجزاً عن فرض قاعدة واحدة على الجميع. لذلك فإن المرحلة التالية لإيقاف الحرب يجب أن تتجه إلى إعادة تعريف الدولة والسلطة والمواطنة عبر معمار استراتيجي جديد يقطع مع موروث الدولة المركزية القهرية. تتكون أركان هذا التعريف الجديد من صياغة مفهوم متقدم للمواطنة الحاضنة للتنوع بعيداً عن أوهام الهيمنة الأحادية، وإعادة بناء العلاقة بين المركز والأقاليم على أسس فيدرالية حقيقية تمنح المجتمعات المحلية حق إدارة شؤونها واستثمار مواردها وفق صيغة عادلة لتقاسم الثروة والقوة، إلى جانب إعادة تأسيس القطاع الأمني والعسكري ليكون عقيدةً وبنيةً حارسةً للسيادة الوطنية والدستورية، لا طرفاً في الصراع على السلطة.

 

من اقتصاد الحرب إلى إعادة توزيع السلطة والثروة

 

تقوم الأزمة السودانية على أربعة مستويات بنيوية متشابكة تجعل من المستحيل معالجتها عبر المسكنات الجزئية. المستوى الأول يرتبط بنشوء هندسة أمنية وعسكرية مشوهة، والعجز التاريخي عن إنتاج احتكار وطني مشروع لوسائل العنف، وما ارتبط بذلك من عقلية سلطوية موروثة من الحقبة الاستعمارية، وهو اختلال جعل السلاح أحد مكونات التنافس على الدولة بدلاً من أن يكون خاضعاً لها. بينما يرتبط المستوى الثاني ببنية الاقتصاد الريعي والاستخراجي التي نشأت حولها شبكات مصالح سياسية وأمنية وتجارية تتجاوز حدود المؤسسات وتضع الموارد والمجتمعات المحلية في مواجهة مراكز القوة.

ويتصل المستوى الثالث بالهيمنة الثقافية والآيديولوجية التي ظلت تصادر حق المكونات الوطنية في صياغة هوية جامعة تعبر عن الوجدان العريض لمختلف الأقاليم. بينما يتصل المستوى الرابع بتآكل شرعية المؤسسة القضائية والقانونية واستبدالها في أوقات كثيرة بأطر سياسية وعرفية تحمي الإفلات من العقاب وتكرس التمييز البنيوي ضد قطاعات واسعة من المجتمع.

 

إن إصرار القوى التقليدية والإقليمية والقوى ذات العقلية المركزية على صياغة اتفاقات سطحية تعتمد الترقيع الهيكلي والهروب إلى الأمام سيعني بالضرورة تحويل هذه الحرب الكارثية إلى مجرد هدنة مؤقتة بين جولات من اقتتال أشد ضراوة وأوسع نطاقاً؛ إذ إن التغاضي عن استئصال الجذر العفن لمفهوم السيطرة والتهميش يمنح القوى المضادة للتأسيس مهلة زمنية لإعادة بناء شبكاتها وتجديد مصادر قوتها. كما أن اختزال المرحلة الانتقالية في ترتيبات اقتسام السلطة بين النخب سيعيد إنتاج الدولة باعتبارها غنيمة سياسية، ويترك قضايا المركز والأقاليم والموارد والجيش والعدالة معلقة إلى جولة لاحقة، بينما تحتاج الدولة إلى معالجتها باعتبارها مكونات تأسيسية لا ملفات تفاوضية قابلة للتأجيل.

 

إن معركة بناء الدولة الشاملة تعني هدم البنية السياسية والمؤسسية والاجتماعية التي أنتجت الاختلال على كافة المستويات وإعادة بنائها من الصفر على قواعد جديدة؛ وليس المطلوب مجرد تغيير السلطة داخل البنية القائمة، المطلوب إعادة بناء البنية التي تنتج السلطة، لذلك فهي لا تعني استبدال مركزية قديمة بمركزية جديدة، أو إحلال نخبة بأخرى داخل البنية ذاتها، لكنها تعني إعادة تأسيس الدولة على قواعد سياسية ودستورية ومؤسسية جديدة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تصبح المواطنة أساس الشرعية السياسية، ويصبح الدستور تعاقداً عاماً يحمي التنوع ويحدد مستويات السلطة، وتتحول الفيدرالية من تقسيم إداري للأقاليم إلى توزيع دستوري فعلي للقرار والموارد، وتصبح المؤسسة العسكرية والأمنية خاضعة للسلطة الدستورية، ولعقيدة وطنية موحدة تحرس السيادة ولا تنافس المجتمع السياسي على احتكار الدولة.

 

وتحتاج إعادة بناء العلاقة بين المركز والأقاليم إلى تجاوز النموذج الذي يحصر السلطة الفعلية والموارد والقرار في مركز واحد. فالفيدرالية الحقيقية لا تعني مجرد إعادة تسمية الولايات أو نقل بعض الاختصاصات الإدارية من العاصمة إلى عواصم الأقاليم، وتتعدى ذلك إلى امتلاك المجتمعات المحلية سلطة دستورية حقيقية في إدارة شؤونها وتحديد أولوياتها التنموية، مع نظام مالي اتحادي يضمن عدالة توزيع الموارد ويمنع تحول الثروة إلى أداة لإدامة النفوذ السياسي، لأن استمرار المركز في التحكم المنفرد في الموارد سيعيد إنتاج أسباب الصراع حتى لو تغيرت أسماء المؤسسات والحكومات.

 

ويمثل اقتصاد الحرب أحد أكثر الملفات حساسية في عملية التأسيس؛ لأن أي اتفاق سياسي يترك شبكات السيطرة على الموارد ومصادر تمويل الحرب خارج دائرة الإصلاح سيمنح مراكز القوة القدرة على تمويل نفسها بعيداً عن الدولة. لذلك يصبح إخضاع الموارد الطبيعية والقطاعات الاستخراجية والتجارية لرقابة قانونية شفافة جزءاً من إعادة بناء السيادة الاقتصادية، حتى لا تظل الثروة مصدراً للصراع على الدولة بدلاً من أن تصبح أساساً لإعادة إعمارها.

 

ما بعد الحرب: إعادة تأسيس الدولة أم إعادة إنتاجها؟

 

كما أن إعادة تعريف المواطنة لا يمكن أن تقوم على استبدال هوية أحادية بهويات محلية مغلقة، لأن أزمة الدولة السودانية لا تُحل بإعادة توزيع الإقصاء، وتقتضي المعالجة إقامة دولة تستوعب التنوع باعتباره حقيقة تأسيسية لا استثناءً سياسياً، وتمنح المكونات ضمانات دستورية متساوية، وتفصل بين الانتماء الاجتماعي والحقوق السياسية، وتمنع تحويل الأصل الإثني أو القبلي أو الجغرافي إلى معيار للشرعية أو المواطنة.

 

وتظل العدالة وسيادة القانون جزءاً مركزياً من هذا المسار، لأن الدولة التي تعجز عن محاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات ستظل عاجزة عن إنتاج شرعية جديدة، ولذلك فإن إعادة بناء القضاء والنيابة والمؤسسات العدلية ينبغي أن تكون جزءاً من الانتقال نفسه، بما يضمن إنهاء الإفلات من العقاب وحماية الحقوق واستعادة ثقة المجتمع في قدرة الدولة على تطبيق القانون بعيداً عن النفوذ السياسي والعسكري.

 

إن التأسيس المطلوب بعد الحرب لا يمكن أن يكون اتفاقاً جديداً بين مراكز القوة وحدها، لأن اختزال الدولة في تفاوض النخب المسلحة والسياسية كان جزءاً من المشكلة، ولذلك فإن عملية إعادة بناء الشرعية تحتاج إلى مشاركة أوسع تشمل الأقاليم والمجتمعات المحلية والقوى المدنية والمهنية والنقابات والنساء والشباب المعبرة عن ثورة ديسمبر والمجموعات التي تحملت الكلفة الأكبر للحرب. فالعقد الاجتماعي الجديد لا يمكن أن يكون وثيقة تنتجها مجموعة محدودة من المتفاوضين ثم تفرض على المجتمع، بل هي عملية سياسية تعيد للمواطن موقعه مصدراً للشرعية وشريكاً في تحديد شكل الدولة ومستقبلها.

 

يقود التحليل المنطقي لمآلات المواجهة الراهنة إلى الاستنتاج بأن إيقاف الحرب يظل المدخل الضروري، غير أن استدامة السلام ستتوقف على ما إذا كانت البلاد ستستخدم المرحلة التي تليه لإعادة بناء القاعدة المؤسسية للدولة أم ستكتفي بإعادة توزيع السلطة بين القوى التي تملك القدرة على فرضها. فالمطلوب تجاوز تأجيل التأسيس إلى أجل غير معلوم، وتحويل الانتقال الذي يبدأ بإيقاف الحرب إلى مسار تأسيسي يعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والثروة والسلاح والمواطنة والقانون، ويؤسس لشرعية جديدة تنبع من الحماية والمواطنة والعدالة والسيادة الشعبية.

 

إن لحظة ما بعد الحرب ستكون لحظة فاصلة بين مسارين متناقضين، مسار يعيد تشغيل المعمار القديم بعد إجراء تعديلات على واجهته، ومسار يتعامل مع الانهيار الذي كشفته الحرب باعتباره دليلاً على الحاجة إلى إعادة تأسيس الدولة على قاعدة مختلفة. في المسار الأول ستظل أسباب الحرب قائمة تحت سطح السلام، بينما يفتح المسار الثاني الطريق أمام دولة تشاركية تقوم على المواطنة المتساوية والفيدرالية الحقيقية وسيادة القانون واحتكار الدولة المشروع لوسائل العنف والتوزيع العادل للسلطة والثروة، فتكون نهاية الحرب بداية للسلام وإعادة بناء الدولة، لا مجرد توقف مؤقت للعنف قبل دورة جديدة من الانهيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 Comment

  1. حقيقي لا بد من مفهوم بوعي لي ما هي الدوله وفهم الحقوق والواجبات كركيزه أساسية ويندرج تحت ذلك الدوله ومؤسسات ه وعلى رأسه العالمين