البروفيسور حسن”.. قصة ملهمة تكسر قواعد اللجوء

القاهرة: (ديسمبر)

 

أمام طاولة خضار صغيرة بشارع السلطان أبو سليم بمنطقة فيصل، كان يجلس العم حسن سيد أحمد لقرابة ثلاث سنوات يعمل على بيع الخضار كمهنة بديلة امتهنها بعد اللجوء إلى مصر. ولحسن تعامله الذي عرف به مع زبائنه وسكان الحي والمصلين بالمسجد، نجح في خلق علاقات واسعة في محيطه. وهكذا غيرت الحرب حياة أستاذ الفيزياء والعميد السابق لكلية التربية جامعة الخرطوم؛ البروفيسور حسن سيد أحمد، رئيس الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم المنتخب في فبراير 2023.

فبعد اندلاع الحـرب في السودان، واضطرار الملايين من السودانيين إلى اللجوء إلى مصر، وجد الأستاذ الجامعي بروفيسور حسن مثله وعدد كبير من الخبرات السودانية، نفسه أمام واقع جديد فرضته عليه الحرب، فعمل في بيع الخضار بالقرب من أحد المساجد في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة، دون أن تمنعه مكانته العلمية والأكاديمية الكبيرة التي قضاها في التدريس بالجامعات السودانية.

 

وداع القاهرة

كان شغف الأستاذ بالتدريس حاضراً، وحنينه إلى قاعات الدراسة يلازمه وسط هذا الواقع الظالم عندما قرر أن يدفع بسيرته الذاتية رفيعة المستوى، استجابة لإعلان توظيف منشور على الإنترنت. وخلال هذا الأسبوع نشر أحد أقارب البروفيسور حسن مقطع فيديو مصوراً من داخل ذات المسجد بفيصل يظهر مجموعة من المصلين يودعون البروفيسور الذي اعتادوا رؤيته بائعاً للخضار أمام المسجد، استعداداً لمغادرته القاهرة إلى ألمانيا التي اختارته أستاذاً لتدريس الفيزياء بإحدى جامعاتها، بعد إجراءات إكمال تعيينه عبر السفارة الألمانية بالقاهرة.

 

“مبروك ألمانيا”

وجدت قصة البروفيسور حسن تفاعلاً واسعاً في وسائل التواصل الاجتماعي من الجانبين السوداني والمصري، كأنها شهادة جاءت في هذا التوقيت لتثبت أن اللاجئين ليسوا جميعهم كما تصوره الميديا. ونشر الصحفي المصري سليم عزوز منشوراً عبر حسابه على فيسبوك هنأ فيه ألمانيا والبروفيسور السوداني حسن سيد أحمد بعد اختياره للعمل في إحدى الجامعات الألمانية متسائلاً: “لماذا لم تستفد مصر من الأستاذ حسن خلال وجوده فيها قبل أن تكتشف ألمانيا كفاءته وتستعين به؟ وكم من كفاءة سودانية موجودة في مصر اليوم لكنها لم تجد بعد من يكتشفها أو يفتح لها المجال؟ فليس كل من دفعته الضرورة للجوء هم من نفايات الدول”. وأشار عزوز إلى أنه بحث عن حسن في الصحف السودانية ليكتشف أن الرجل الذي عرفه أهالي منطقة فيصل باسم العم حسن هو أستاذ للفيزياء وعميد لكلية بجامعة الخرطوم قبل أن تدفعه ظروف الحرب للجوء لمصر والعمل بائعاً للخضار.

وانتقد عزوز التعامل مع اللاجئين باعتبارهم أرقاماً تُرسل إلى الأمم المتحدة وملفات أمنية، داعياً الجهات المختصة والسلطات المصرية إلى التعرف على أصحاب التخصصات والخبرات بينهم والاستفادة منهم كلٌّ في مجاله، معتبراً أن هذه الكفاءات يمكن أن تمثل قوة ناعمة ورصيداً إضافياً للدولة المصرية، وأن تكون مهمة وزارة التعليم العالي ووزارة البحث العلمي استقبال أساتذة الجامعات منهم، ومهمة نقابة الصحفيين التعرف على الصحفيين منهم، ومهمة نقابة المهندسين استقبال المهندسين، واستفادة وزارة الأوقاف من الأئمة من بينهم.

 

إضرابات وهجرة

قصة البروفيسور حسن سيد أحمد واحدة من مئات القصص والنماذج الملهمة للكفاءات السودانية التي تحدت ظروف الحرب وما ترتب عليها من لجوء ونزوح، ولاتزال التحديات كبيرة أمام استئناف العملية التعليمية من مقار الجامعات التي شهدت تدميراً واسعاً، بجانب ضعف الأجور وتدهور الأوضاع المعيشية والأمنية لأساتذة الجامعات الذين يقودون إضراباً من أجل تحسين بيئة العمل والأجور. وبحسب تصريح سابق للقيادي بلجنة أساتذة الجامعات الدكتور فضل الله مصطفى، فإن الأستاذ الجامعي بدرجة “بروفيسور”، يتقاضى حوالي 518 ألف جنيه سوداني شهرياً ما يعادل نحو 100 دولار، وهو مبلغ لا يُغطي تكاليف المواصلات، وسط تقارير تتحدث عن هجرة الآلاف منهم إلى خارج البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *