السودان في اليوم العالمي للقانون القانون في مواجهة الفوضى

شيماء تاج السر، المحامية

 

في الثالث عشر من سبتمبر من كل عام يقف العالم وقفة تأمل ومراجعة أمام مبدأ سيادة القانون؛ الذي يشكل حجر الزاوية في بناء المجتمعات المستقرة وضمان الحقوق. بالنسبة للسودان تأتي الوقفة هذا العام مثقلة بآلام الحرب المستعرة منذ أبريل 2023، وبمشاهد انهيار مؤسسات العدالة، وبتقارير دولية موثقة عن انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان. بينما يغرق السودان في أزمة حقوقية خانقة، أصبح القانون في كثير من المناطق مجرد نص مكتوب بلا جهة تنفذه أو تحميه.

اليوم العالمي للقانون: مناسبة عالمية وتحدٍّ سوداني خاص

اليوم العالمي للقانون مناسبة دولية تهدف إلى تسليط الضوء على أهمية سيادة القانون ودورها المحوري في تحقيق العدالة والسلام والتنمية المستدامة. ويؤكد اليوم أن القانون ليس مجرد نصوص وتشريعات، بل منظومة متكاملة تتطلب مؤسسات فاعلة ومستقلة قادرة على حماية الحقوق وإنفاذ العدالة.

إن الاحتفاء بهذه المناسبة في السودان يتخذ هذا العام طابعاً مختلفاً، إذ تأتي هذه الوقفة في ظل حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام خلفت دماراً هائلاً في البنية التحتية القانونية والقضائية، وانتهاكات واسعة النطاق للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الصراع أضعف بشدة سيادة القانون ومؤسسات العدالة مما قوّض آليات الحماية الأساسية للمدنيين. وتقول لي فونغ ممثلة مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في السودان إن حجم ووحشية الانتهاكات الموثقة حطمت حياة الملايين، وأدت إلى أكبر حالة طوارئ إنسانية ونزوح جماعي في العالم.

سيادة القانون في السودان: مسار متعثر وإرث من الإفلات من العقاب

يمثل مبدأ سيادة القانون في السودان قضية شائكة ومعقدة، إذ يتشابك مع تاريخ طويل من عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية والصراعات المسلحة. ويؤكد السودان في المحافل الدولية التزامه بهذا المبدأ، حيث أعلن في بيانه أمام اللجنة السادسة للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2025 أن سيادة القانون تمثل أحد الركائز الأساسية للحكم الرشيد وللنظام الدولي القائم على العدالة والمساواة بين الدول، مشيراً إلى استمرار جهود الحكومة لمراجعة وتطوير القوانين الوطنية لتتسق مع المعايير الدولية.

غير أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع العملي تظل واسعة. فوفقاً لمؤشر سيادة القانون الصادر عن مشروع العدالة العالمية احتل السودان المرتبة 134 من أصل 142 دولة على المستوى العالمي في عام 2024، والمرتبة 33 من أصل 34 دولة على المستوى الإقليمي في أفريقيا جنوب الصحراء، وقد انخفضت الدرجة الإجمالية لسيادة القانون في السودان بنسبة 2.6% في مؤشر ذلك العام. وفي عام 2025 تفاقم هذا التراجع بشكل أكبر، فقد صنّفت منظمة مراسلون بلا حدود السودان في المرتبة 156 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي. كما سجلت تقارير حقوقية متعددة أن السودان يعيش أسوأ أزمة حقوقية مع الانهيار الكبير في مؤسسات العدالة المحلية.

وقد بذلت الحكومة السودانية بعض الجهود التشريعية لمعالجة هذا الوضع. ففي نوفمبر 2025 أعلن وزير العدل عبد الله محمد درف أن وزارته أنهت تعديلات على 17 قانوناً للمواءمة مع المبادئ الدستورية والاتفاقات الدولية والإقليمية التي صادق عليها السودان، كما عُقد في مدينة كسلا مؤتمر “العدالة وسيادة حكم القانون” تحت شعار “نحو دولة القانون والمؤسسات”، بمشاركة واسعة من الأجهزة العدلية والقضائية والمستشارين القانونيين. وقد أكد الوزير في كلمته أمام المؤتمر أن سيادة حكم القانون تمثل الركيزة الأساسية لبناء دولة القانون المستقرة والمتطورة لمجتمع تحميه العدالة.

غير أن هذه الجهود التأسيسية تظل محدودة الأثر في ظل استمرار الحرب وتفكك مؤسسات إنفاذ القانون. فالصراع الذي اندلع في منتصف أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أدى إلى تدمير واسع النطاق للأجهزة العدلية والقضائية، حيث تعرضت المحاكم والنيابات ومراكز الشرطة لعمليات نهب وتخريب، مما جعل من المستحيل على ملايين السودانيين الوصول إلى العدالة. ويقول نائب رئيس القضاء السوداني د. منير محمد الحسن إن عمليات النهب والتدمير التي تعرضت لها الأجهزة العدلية لن تثنيها عن القيام بدورها في إقامة العدل وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان، لكن الواقع يشير إلى أن هذه الأجهزة أصبحت عاجزة عن توفير أي حماية قانونية للمواطنين.

كيف انتهك القانون في السودان؟

في ظل هذا المشهد برز الكثير من أنماط الانتهاكات التي تكشف حجم خروقات القانون في السودان، وتوضح كيف تحولت حياة المواطنين إلى ساحة لانتهاك أبسط حقوقهم القانونية والإنسانية.

الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، العبث بأقدار الأبرياء

يُعد الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري من أكثر الانتهاكات انتشاراً في السودان منذ اندلاع الحرب، وتمارسه أطراف النزاع المختلفة من جيش وقوات دعم سريع وميليشيات متحالفة معها دون أي اعتبار للضمانات القانونية الأساسية التي تكفلها القوانين الوطنية والمواثيق الدولية. وتشير تقارير هيومن رايتس ووتش إلى أن هذه الممارسات تشمل القمع والاحتجاز التعسفي والاستهداف الإثني إلى جانب التعذيب وسوء المعاملة وحرمان المحتجزين من حقوقهم الأساسية بما في ذلك الحق في محاكمة عادلة.

في واقعة موثقة تعكس بشاعة هذا الانتهاك رصدت لجنة العدالة تعرض ثلاثة أشقاء عبدالرحمن ومحمد وبدري إبراهيم بدري لانتهاكات جسيمة شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري على يد طرفي النزاع في السودان. فقد اعتقلت الخلية الأمنية التابعة للجيش عبدالرحمن في مايو 2025 من منزله في أم درمان قبل أن يتم إخفاؤه قسرياً داخل موقع بكنيسة، ثم نُقل لاحقاً إلى سجون مختلفة حيث استمر إخفاؤه لمدة 11 شهراً قبل الإفراج عنه وهو في حالة صحية ونفسية متدهورة.

وفي السياق ذاته اعتقلت قوات الدعم السريع شقيقه محمد في أغسطس 2025 من مدينة بارا بولاية شمال كردفان حيث أُخفي قسرياً قبل نقله إلى مدينة نيالا ولا يزال مصيره مجهولاً حتى الآن. كما اعتقلت الشقيق الأكبر بدري في الشهر نفسه من منطقة أم قرفة بشمال كردفان ونُقل إلى مدينة نيالا، حيث يُحتجز في ظروف تفتقر للحد الأدنى من المعايير الإنسانية دون توفر معلومات عن وضعه حتى اللحظة.

وفي نموذج آخر على استخدام القانون كأداة للقمع وثقت لجنة العدالة اعتقال الناشط منيب عبد العزيز في ديسمبر 2025 من مدينة دنقلا دون إبراز أي مذكرة قانونية صادرة عن جهة مختصة، في مخالفة صريحة للضمانات الإجرائية الأساسية التي تكفلها القوانين الوطنية والتي تحظر تقييد الحرية إلا بأمر قانوني مسبب. وتكشف الواقعة عن نمط ممنهج من استخدام الإجراءات العدلية كأداة للتضييق وتقييد الحريات، حيث أُعيد تدوير احتجازه عبر فتح بلاغات أشد خطورة دون الاستناد إلى وقائع جديدة أو أدلة مستجدة في ممارسة تمثل شكلاً من التحايل على القانون لتمديد الحبس التعسفي.

وتشير التقارير إلى أن ما يُعرف بالخلايا الأمنية، وهي تشكيلات تضم عناصر من أجهزة أمنية وميليشيات موالية للجيش، تقف خلف جزء كبير من هذه الانتهاكات، وتعمل عبر مراكز احتجاز رسمية وغير رسمية تشمل قواعد عسكرية ومنازل خاصة بعيداً عن أي إشراف قضائي. وفي ولاية الجزيرة وحدها وثّق مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان للكثير من حالات الاعتقال تعسفي خلال الفترة من أبريل 2023 وحتى سبتمبر 2025 بالإضافة إلى أكثر من 160 حالة اعتراف قسري وأحكام قاسية بحق 950 معتقلاً شملت السجن المؤبد والإعدام.

انتهاكات حرية التعبير والصحافة: تكميم الأفواه تحت غطاء القانون

يمثل انتهاك حرية التعبير والصحافة في السودان نموذجاً آخر على الانتهاكات التي تمارس في ظل غياب سيادة القانون. فالصحفيون والإعلاميون والناشطون والمدونون أصبحوا هدفاً مباشراً لأطراف النزاع الذين يستخدمون التشريعات والقوانين كأداة لإسكات الأصوات المستقلة وتكميم الأفواه. وتشير إحصاءات لجنة العدالة إلى أن عام 2025 شهد تصاعداً خطيراً في الانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي في السودان حيث قُتل 14 صحفياً وإعلامياً، كما شملت الانتهاكات 6 حالات إخفاء قسري و4 حالات اعتقال طويل الأمد، و9 حالات اعتقال واحتجاز تعسفي مؤقت، إلى جانب 4 حالات ملاحقات قضائية في نمط يعكس استهدافاً ممنهجاً للعمل الصحفي.

وتكشف تقارير نقابة الصحفيين السودانيين عن تصعيد نوعي في الانتهاكات حيث ارتفع مجمل الانتهاكات منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023 إلى 590 حالة مع تصاعد الخطورة والانتشار الجغرافي بشكل ملحوظ في عام 2025 وتبرز مدينة الفاشر كواحدة من أخطر بؤر الانتهاكات بحق الصحفيين في ظل القصف المتواصل وانعدام الأمان والانقطاع شبه الكامل للاتصالات والإنترنت مما أعاق عمليات التوثيق وقيّد قدرة الصحفيين على نقل الوقائع وخلق بيئة معتمة يُرجّح أن ما تم توثيقه لا يمثل سوى جزء محدود من حجم الانتهاكات الفعلية.

وفي ظل هذه البيئة القمعية أثارت التعديلات الجديدة على قانون مكافحة جرائم المعلوماتية مخاوف واسعة في أوساط الصحفيين والمدونين وصناع المحتوى، حيث حملت عبارات فضفاضة يمكن استخدامها لتقييد حرية التعبير والنشر وتداول المعلومات وتعزز تكميم الأفواه. وقد منحت هذه التعديلات التي صادق عليها مجلس الوزراء في أكتوبر 2025 سلطات أوسع لجهات إنفاذ القانون بما في ذلك التفتيش الإلكتروني وضبط الأجهزة والمحتوى الرقمي، وأعطت النيابة سلطات تقديرية في ملاحقة الجرائم المعلوماتية حتى دون إذن قضائي عاجل. إن ما يثير المخاوف بشكل خاص هو إدخال تعريفات موسعة للجرائم الإلكترونية وعبارات فضفاضة متعلقة بهيبة الدولة وحماية الأمن القومي وتهديد السلم الاجتماعي حيث يمكن استخدامها ذرائع لتجريم وملاحقة الصحفيين والناشطين والسياسيين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي.

وتضاف إلى ذلك الانتهاكات التي طالت الصحفيات بشكل خاص حيث وثقت لجنة العدالة تعرضهن للاستهداف المركب الذي شمل الاعتقال والتشهير والتهديد في ظل قيود اجتماعية وأمنية إضافية فاقمت من هشاشة أوضاعهن وقلّصت فرص الوصول إلى الحماية والدعم، كما رُصدت 8 حالات انتهاكات عابرة للحدود طالت صحفيين سودانيين في دول اللجوء، إضافة إلى 19 حالة تهديد وخطاب كراهية وحملات تشهير.

انتهاكات القانون الدولي الإنساني في النزاع: جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية

يُعد النزاع المسلح في السودان نموذجاً صارخاً على انتهاك القانون الدولي الإنساني، حيث ارتكب طرفا القتال الجيش السوداني وقوات الدعم السريع انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتشير بعثة تقصي الحقائق المشكلة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى أن طرفي الحرب ارتكبا انتهاكات صارخة للقانون الإنساني الدولي شملت قصف المناطق السكنية والبنية التحتية والقتل خارج القانون والهجمات بدوافع عرقية والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

وتبرز أحداث مدينة الفاشر كنموذج صارخ على هذه الانتهاكات. فبعد حصار استمر أكثر من 540 يوماً سقطت المدينة في أيدي قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر 2025 لتشهد بعد ذلك فظائع وانتهاكات ذات دوافع عرقية شملت – وفقاً لخبراء الأمم المتحدة – عمليات قتل بدوافع عرقية وتعذيباً وإعدامات ميدانية واحتجازاً تعسفياً للمدنيين واستخداماً واسعاً ومنهجياً للاغتصاب وأشكالاً أخرى من العنف الجنسي والجنساني كسلاح في الحرب وهجمات على المرافق الصحية بما في ذلك قتل المرضى والجرحى. وثقته أيضاً جمعية ضحايا التعذيب في جنيف نقلاً عن شهادات ميدانية موثوقة.

وفي السياق ذاته كشفت تقارير هيومن رايتس ووتش عن انتهاكات واسعة بحق المدنيين في مناطق سيطرة الجيش السوداني، حيث احتُجز مدنيون بزعم تعاونهم مع قوات الدعم السريع خاصة في المناطق التي استعادها الجيش استناداً إلى الهوية الإثنية أو الانتماء السياسي. كما وثقت المنظمة احتجاز معتقلين بمعزل عن العالم الخارجي ما حال دون معرفة أسرهم بمصيرهم أو التواصل معهم، مع تسجيل حالات إخفاء قسري إضافة إلى ضعف الرقابة القضائية وحرمان المحتجزين من الوصول الكافي إلى محامين، فضلاً عن تسجيل وفيات داخل مراكز الاحتجاز نتيجة التعذيب وسوء المعاملة.

وفيما يتعلق بأوضاع النساء سلطت تقارير المنظمات الحقوقية الضوء على احتجاز مئات النساء بتهم تتعلق بالتعاون مع قوات الدعم السريع استناداً إلى خلفياتهن الإثنية أو أماكن إقامتهن، مع صدور أحكام بالإعدام بحق ما لا يقل عن 25 امرأة. كما وثقت منظمة العفو الدولية تعرض نساء وفتيات لعنف جنسي مرتبط بالنزاع بشكل واسع ومنهجي إلى جانب عمليات نهب وتدمير لممتلكات ذات طابع مدني في انتهاك للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتشريد جماعي للمدنيين، حيث لجأ العديد منهم إلى دول الجوار في ظروف بالغة الصعوبة.

انهيار مؤسسات العدالة وكيف تحول القانون إلى ضحية؟

في خضم هذه الانتهاكات يعاني نظام العدالة السوداني من انهيار شبه كامل مما فاقم من حالة الإفلات من العقاب التي تغذي مزيداً من الانتهاكات. وقد أشارت ممثلة مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في السودان إلى أن الصراع أضعف بشدة سيادة القانون ومؤسسات العدالة مما قوّض آليات الحماية الأساسية للمدنيين، محذرة من أن المساءلة هي التحدي الأكثر إلحاحاً لكسر الحلقة المفرغة من الإفلات من العقاب التي غذّت دورات العنف في السودان.

وقد أدى تدمير المحاكم والنيابات ومراكز الشرطة إلى حرمان ملايين السودانيين من حقهم في الوصول إلى العدالة مما جعل الكثير منهم عرضة للانتهاكات دون أي وسيلة للانتصاف. وفي هذا السياق أشار نائب رئيس القضاء السوداني إلى أن عمليات النهب والتدمير التي تعرضت لها الأجهزة العدلية لن تثنيها عن القيام بدورها.

وفي ظل هذا الفراغ القانوني تلجأ بعض الجهات إلى آليات دولية لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات. فقد أكدت الأمم المتحدة أنها تعكف حالياً على توثيق وجمع المعلومات اللازمة حول الانتهاكات التي استهدفت المدنيين في السودان خلال الحرب المستمرة المتواصلة تمهيداً لاتخاذ إجراءات قضائية دولية. كما أن المحكمة الجنائية الدولية – بناءً على إحالة من مجلس الأمن – مُكلفة بالتحقيق في الجرائم المرتكبة في دارفور، وسط دعوات متزايدة لمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات بغض النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم.

بين نصوص القانون وواقع الفوضى

في اليوم العالمي للقانون يقف السودان في مفترق طرق خطير؛ فمن جهة هناك إرادة رسمية معلنة لتعزيز سيادة القانون وإصلاح التشريعات وتطوير مؤسسات العدالة، كما تجلى في مؤتمر كسلا وتعديلات القوانين المختلفة. ومن جهة أخرى هناك واقع مرير تتحكم فيه الحرب والفوضى، حيث تنتشر الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وحيث أصبح ملايين السودانيين محرومين من أبسط حقوقهم القانونية والإنسانية.

إن استعادة سيادة القانون في السودان ليست مجرد مهمة قانونية أو قضائية، بل هي عملية شاملة تتطلب وقف الحرب أولاً، وبناء سلام مستدام، وإعادة بناء مؤسسات العدالة المدمرة وضمان المساءلة عن الانتهاكات التي ارتكبت. فالقانون ليس مجرد نصوص وتشريعات، بل الإطار الناظم للعلاقات والضامن للثقة بالمؤسسات والمحفز لبيئة تمكِّن الإنسان والاقتصاد من النمو والازدهار، ولكن في السودان اليوم هذا الإطار منهار وهذه الثقة مفقودة وهذا النمو مستحيل في ظل استمرار القتال.

وفي اليوم العالمي للقانون، القانون الذي لا يُنفذ ولا يُحترم هو مجرد حبر على ورق وأن سيادة القانون في السودان لن تتحقق إلا بوقف الحرب وإعادة بناء مؤسسات العدالة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وضمان المساءلة الكاملة عن الجرائم المرتكبة فالقانون ليس ترفاً فكرياً بل هو شرط أساسي لبقاء أي مجتمع وكرامة أي إنسان وفي السودان حيث يدفع المدنيون ثمن الإفلات من العقاب فإن استعادة سيادة القانون ليست خياراً بل ضرورة وجودية.

إن الطريق إلى العدالة في السودان طويل وشاق لكنه ليس مستحيلاً. فالتاريخ يخبرنا أن الشعوب التي رفضت الخضوع للفوضى وأصرت على الاحتكام إلى القانون هي وحدها التي تمكنت من بناء دول مستقرة ومجتمعات مزدهرة. والسودان بتاريخه العريق وثقافته الغنية وشعبه الصامد قادر على تجاوز هذه المحنة، بشرط أن يضع القانون فوق الجميع وأن يقطع مع ثقافة الإفلات من العقاب التي غذت دورات العنف لعقود في اليوم العالمي للقانون تبقى هذه هي الرسالة الأهم لا سلام بدون عدالة ولا عدالة بدون سيادة القانون.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *