وداعًا عبداللطيف… يا صديقي النبيل!!

بعلاء الدين محمد عبدالرحيم

 

استيقظت اليوم متأخرًا، لأجد أمامي خبرًا لم أكن مستعدًا له؛ رحيل صديقي وزميلي القديم عبداللطيف عثمان محمد صالح. قرأت الخبر أكثر من مرة، وكأنني أبحث بين كلماته عن خطأ يعيد الرجل إلى الحياة. فبعض الناس حين يرحلون لا تستوعب غيابهم بسهولة، لأنهم لا يسكنون الذاكرة في مكان واحد، بل ينتشرون فيها على امتداد سنوات طويلة من العمر.

عرفت عبداللطيف في كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم، في سنوات تشكّلنا الأولى. كنت يومها بعيدًا عن السياسة، بينما كان هو حاضرًا بقوة في ساحاتها، مفكرًا، ومناضلًا، ومتحدثًا مؤثرًا، يمتلك قدرة لافتة على التحليل والإقناع. وحين بدأت في سنوات الجامعة الأخيرة أقترب من السياسة وأسئلتها، كان عبداللطيف من أولئك الذين تعلمت من حواراتهم وتحليلاتهم الكثير، وأسهموا، ربما دون أن يعلموا، في تشكيل جانب من وعيي السياسي المبكر.

ثم فرقت بيننا دروب الحياة؛ مضيت أنا إلى أمريكا، ومضى هو إلى قطر، حتى جمعتنا الدوحة من جديد عام 2008 بعد سنوات طويلة من الغياب. وهناك رأيت عبداللطيف في مرحلة أخرى من حياته؛ صاحب الخبرات الواسعة في الاقتصاد والإدارة والاستثمار، ثم الرجل الذي اتجه بقلبه وروحه إلى التصوف، حتى أصبح من شيوخه وأهل الذكر فيه. تغيرت مسارات الرجل، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير فيه؛ ذلك العقل المتقد، والحضور الآسر الدافئ، والقدرة المدهشة على الحديث والتحليل، ولطف المعشر الذي كان يسبق اسمه وكأنه كتب له أن يكون من اسمه نصيب.

وكان عبداللطيف، فوق ذلك كله، عقلًا اقتصاديًا سودانيًا فذًا. حمل خبرته لأهل السودان ومن أجل أهل السودان، ليضعها في خدمة وطنه خلال الفترة الانتقالية، وكان في قلب تجربة محفظة السلع الاستراتيجية؛ فكرةً وتخطيطًا وتنفيذًا وإدارة. وحين كتبت مؤخرًا عن تلك التجربة ودافعت عنها، عادت بيننا أحاديث طويلة أعادت إليّ عبداللطيف الذي عرفته قديمًا؛ حاضر الذهن، غزير المعرفة، شديد الثقة فيما يعرف، ومهمومًا بالسودان وقضاياه. ويا للمفارقة المؤلمة.. كانت آخر أحاديثنا تدور حول الكتابة. كنت ألح عليه أن يعود إليها، لأن رجلًا يحمل كل هذه المعرفة والتجربة لا ينبغي أن يحتفظ بها لنفسه. وكان يقول لي إن التصوف ومسؤولياته أخذت كثيرًا من وقته، لا أنها أبعدته عن الفكر أو الكتابة. ولأنني كنت أعرف أنه لا يجد دائمًا الوقت للرد على رسائلي، قلت له؛ لا تكتب لي.. سجّل صوتك فقط. فقد كنت أحب حديثه، وأستمتع بطريقته في السرد والونس. ولم يخطر ببالي لحظة أن تلك التسجيلات التي كنت أنتظر المزيد منها ستصبح بهذه السرعة بعضًا من آخر ما تبقى لي من ذكراه.

اليوم لا أعزي أسرة عبداللطيف وحدها؛ أعزي إخوته وأهله وأحبته، وأعزي مشايخه ومريديه، وأعزي زملاءنا وأصدقاءنا في جامعة الخرطوم، وكل من عرفه في السودان وخارجه، وكل من تعلم منه أو عمل معه أو جلس إليه واستمتع بحديثه. وأعزي السودان في رجل كان يستطيع أن يمنحه أكثر لو أمهله العمر. وقبل هؤلاء جميعًا أعزي نفسي في صديق وفيّ، جميل الروح، لطيف المعشر والحديث، صاحب عقل لا يمر بك دون أن يترك فيك شيئًا. وداعًا يا عبداللطيف… ما أقسى أن يصبح الصوت الذي كنت تنتظر رسالته ذكرى، وأن يتحول حديث الأمس فجأة إلى شيء تحفظه لأن صاحبه لن يرسل حديثًا آخر.

وإلى أسرته الكريمة أقول؛ يحق لكم، رغم فداحة الفقد، أن ترفعوا رؤوسكم فخرًا بعبداللطيف؛ فقد ترك وراءه سيرةً طيبة، وعلمًا نافعًا، وأثرًا جميلًا في كل من عرفه. نحن عرفناه صديقًا وزميلًا ومفكرًا وإنسانًا نبيلًا، وأنتم عرفتم منه ما هو أجمل وأقرب. فافخروا به كما نفخر نحن به، وليكن عزاؤكم أن الرجال يرحلون، لكن السيرة الجميلة لا ترحل.

اللهم إن عبداللطيف قد أفضى إليك، وأنت أرحم به منا؛ فاغفر له وارحمه، واعفُ عنه وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل ما قدّمه من علم ومعرفة وخير في ميزان حسناته. اللهم آنس وحشته، ونوّر قبره، واجعله روضةً من رياض الجنة، واجزه عن أهله وأصدقائه ووطنه خير الجزاء، وألهم أسرته ومحبيه وتلاميذه وإخوانه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.

“يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكَ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *