“مسرح البنات”.. عروض سودانية تفتح مساحات للحديث عن الألم والاختيار وتجارب النساء

كمبالا: (ديسمبر)

 

في مساحة جمعت بين الفن والتجربة الإنسانية، شهدت فعاليات مهرجان مسرح البنات تقديم عروض مسرحية تناولت قضايا وتجارب مختلفة للنساء، وحاولت الاقتراب من المساحات التي غالباً ما تبقى بعيدة عن النقاش أو التعبير المباشر.

ومن خلال خشبة المسرح، انتقلت قصص النساء من التجربة الشخصية إلى مساحة أوسع للتأمل في الجسد والذاكرة والاختيارات والضغوط الاجتماعية، وفي الوقت نفسه إلى قضايا ترتبط بحياة النساء السودانيات في اللجوء، بما في ذلك العمل والأمومة والرعاية والتأقلم مع واقع جديد.

ومن بين العروض التي قدمت مسرحيتا «نقطة سطو جديد» للمخرجة سجدة حسن حمد، و«ساعة رملية» للمخرجة محاسن أحمد، حيث تناول كل عرض جانباً مختلفاً من تجارب النساء، وإن التقت المسرحيتان عند مساحة مشتركة تتعلق بالمرأة وما تحمله من أسئلة وأعباء وتجارب.

 

“نقطة سطو جديد”.. حين تتحول التفاصيل الصغيرة إلى عبء على الجسد والذاكرة

 

ينطلق عرض «نقطة سطو جديد» من حياة امرأة سودانية تُدعى «عزيزة»، تحمل في جسدها وذاكرتها تراكمات من الألم والضغط والخوف، إلى جانب أحلام مؤجلة لم تجد طريقها إلى التحقق.

 

وتتحول «النقطة» في العرض إلى رمز للأشياء الصغيرة التي قد تبدو عابرة في حياة الإنسان، لكنها لا تختفي بالضرورة، بل تتراكم مع الوقت. نقطة دم، نقطة عرق، نقطة دمعة، وغيرها من التفاصيل التي تتجمع تدريجياً حتى تتحول إلى حمل ثقيل على الروح والجسد.

 

ولا يقدم العرض حكاية عزيزة باعتبارها قصة فردية فقط، وإنما يستخدم تجربتها لطرح أسئلة أوسع حول حياة المرأة، وجسدها، وذاكرتها، والاختيارات التي تملكها أو تُحرم منها، إضافة إلى حقها في أن تسأل نفسها: ماذا أريد؟.

 

ويأخذ المكان المسرحي في «نقطة سطو جديد» بعداً رمزياً أيضاً؛ إذ ينتقل الجمهور إلى فضاء يشبه غابة مخيفة، تحيط بها سيقان الأشجار الطويلة، ويحضر فيها الإحساس بالتوهان والموت. ويأتي هذا الفضاء في محاولة لإظهار تشابك مراحل حياة المرأة والتجارب التي تمر بها، وكيف يمكن للألم والخوف أن يتركا أثراً مستمراً في الجسد والذاكرة.

 

وتضع المسرحية أمام الجمهور قضايا غالباً ما يصعب الحديث عنها بصورة مباشرة، من بينها الضغوط الاجتماعية التي تواجهها النساء، والأحلام التي قد تضطر المرأة إلى تأجيلها أو دفنها تحت وطأة تلك الضغوط.

 

وبحسب المخرجة سجدة حسن حمد، يهدف العرض إلى إعطاء صوت لما يبقى مسكوتاً عنه في حياة النساء، وفتح مساحة للحوار حول حق المرأة في الاختيار والتعليم وتقرير مصيرها وحياتها، وكذلك حقها في التعبير عن مشاعرها وتجاربها دون خوف أو وصاية.

 

ولا تسعى المسرحية، وفق رؤيتها، إلى تقديم إجابات جاهزة للجمهور، بقدر ما تضعه أمام «النقطة» وتدعوه إلى التفكير في حجم التفاصيل التي يمكن أن تتراكم داخل الإنسان قبل أن تتحول إلى عبء، وفي اللحظة التي يمكن أن يتحول فيها الصمت الطويل إلى صوت مسموع.

 

وهنا تصبح «النقطة» أكثر من مجرد رمز داخل العرض؛ فهي تمثل تراكم التجارب الإنسانية الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها الآخرون، لكنها تترك أثراً عميقاً في حياة المرأة، وتعيد طرح سؤال العلاقة بين ما تعيشه المرأة في الداخل وما يسمح لها المجتمع بالتعبير عنه في الخارج.

 

“ساعة رملية”.. أمهات سودانيات في اللجوء بين العمل والرعاية ومحاولة التأقلم

 

وفي جانب آخر من فعاليات مهرجان مسرح البنات، تأتي مسرحية «ساعة رملية» للمخرجة والصنايعية محاسن أحمد، لتقترب من تجربة مختلفة للنساء، هي تجربة الأمهات السودانيات في اللجوء إلى أوغندا.

 

ويركز العرض على الحياة اليومية للأمهات السودانيات في اللجوء، وما تحمله من تحديات مرتبطة بمحاولة بناء حياة جديدة في بيئة مختلفة، وسط مسؤوليات أسرية واجتماعية لا تتوقف بمجرد الوصول إلى مكان آمن.

 

وتظهر في هذه التجربة أسئلة التأقلم مع واقع اللجوء، والبحث عن فرص العمل، وتوفير تكاليف الحياة والإيجار، إلى جانب مسؤولية رعاية الأطفال وكبار السن، وهي مسؤوليات قد تصبح أكثر تعقيداً عندما تواجه الأسرة ظروفاً اقتصادية واجتماعية جديدة.

 

وتضع «ساعة رملية» تجربة الأم السودانية في اللجوء ضمن سياق إنساني أوسع، لا يتعلق باللجوء وحده، وإنما بالأسئلة اليومية التي تواجهها المرأة وهي تحاول الحفاظ على أسرتها وفي الوقت نفسه البحث عن مساحة لنفسها وحياتها ومستقبلها.

 

ومن بين الزوايا التي يفتحها العرض أيضاً المقارنة بين تجارب الأمهات السودانيات والأمهات الأوغنديات، والنظر إلى المساحات المشتركة بينهن، رغم اختلاف الخلفيات والظروف. فمسؤوليات الأمومة والرعاية والحاجة إلى العمل وتوفير احتياجات الأسرة يمكن أن تخلق نقاط التقاء بين نساء يعشن تجارب مختلفة.

 

وتأتي أهمية هذه الزاوية من كونها تنقل النقاش من الحديث عن اللاجئات باعتبارهن مجموعة تواجه ظروفاً استثنائية فقط، إلى النظر إليهن كنساء وأمهات لديهن احتياجات وطموحات ومسؤوليات يومية، ويحاولن التعامل مع واقع جديد وإعادة ترتيب حياتهن في ظل ظروف لم يخترنها.

 

كما ترتبط المسرحية برحلة صناعة العرض نفسها، التي امتدت لنحو عام من التدريب المكثف في مجال صناعة العرض المسرحي، باعتبارها مشروع تخرج من الأكاديمية. وهي رحلة منحت التجربة مساحة للتطور والعمل المستمر وصولاً إلى العرض أمام الجمهور.

 

ومن خلال «ساعة رملية»، تصبح الأمومة في اللجوء موضوعاً يمكن النظر إليه من زوايا متعددة: مسؤولية الأسرة، الحاجة إلى الدخل، تحديات السكن، رعاية الأطفال وكبار السن، ومحاولة إيجاد نوع من الاستقرار وسط حياة متغيرة.

 

خشبة واحدة.. تجارب مختلفة وأسئلة مشتركة

 

ورغم اختلاف الموضوعين اللذين تقدمهما المسرحيتان، تلتقي «نقطة سطو جديد» و«ساعة رملية» في وضع تجارب النساء في مركز الحكاية، وتحويل قضايا قد تبدو شخصية أو يومية إلى موضوعات قابلة للنقاش أمام الجمهور.

 

ففي «نقطة سطو جديد» تظهر المرأة في مواجهة تراكمات الألم والضغط والذاكرة والأسئلة المتعلقة بالاختيار، بينما تضع «ساعة رملية» الأم السودانية في اللجوء أمام تحديات الحياة اليومية ومسؤوليات الأسرة والعمل والتأقلم.

 

وبذلك لا تكتفي عروض مهرجان مسرح البنات بتقديم حكايات على خشبة المسرح، وإنما تمنح هذه الحكايات فرصة للوصول إلى الجمهور وفتح مساحات للتفكير في تجارب النساء، وما يواجهنه من ضغوط، وما يحملنه من أحلام، وما يبحثن عنه من حق في التعبير والاختيار وحياة أكثر استقراراً.

 

وفي الحالتين، يصبح المسرح مساحة للاستماع إلى ما قد لا يجد طريقه بسهولة إلى الحديث اليومي؛ سواء كان ألماً متراكماً داخل الذاكرة والجسد، أو هموماً مرتبطة بالأمومة والعمل واللجوء والمسؤوليات الأسرية.

 

ومن هنا تكتسب فعاليات مهرجان مسرح البنات أهميتها بوصفها مساحة تجمع الفن بالتجربة الإنسانية، وتسمح للنساء بأن يكنّ في قلب الحكاية، لا مجرد شخصيات على هامشها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *