أماني أبوسليم
بانقضاء سبتمبر هذا العام يكون قد مرّت ستون عاماً على نشر رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، قبل أن تصدر في كتاب عن دار العودة في بيروت في العام 1966.
ستون عاماً ولا زالت تمشي شابة بين الروايات العالمية محتفىً بها في القراءة والدراسات. ولا يزال “مصطفى سعيد” يشغل الناس، من هو وإلى أين ذهب، هل انتحر، أم ابتلعه النهر؟. لماذا أحاطه الكاتب بذلك الغموض؟.
هل “مصطفى سعيد” هو جزء من الراوي نفسه؟ وإذا كان كذلك، فما الذي يحدث للراوي حين يختفي “مصطفى سعيد”؟، ومن هو “ود الريس”، وكيف استطاع الراوي في النهاية اختيار الحياة؟.
يغلب الظلام على الرواية، حين يحوم الراوي بالقرية ليلاً، حين يقابل “حسنة”، وفي مشاهد كثيرة، دائماً ما تنتصر جيوش الظلام في معركتها ضد الشمس، وأهم مشاهد الظلام حين دخل غرفة أسرار “مصطفى سعيد”، حتى حين فتح نوافذها لم يدخل إلّا مزيد من الظلام.
الظلام الذي كان في الرواية في كل مكان كان في الأصل الظلام الداخلي للراوي، فهو متردد، مراقب، مستسلم في مراحل كثيرة، يتلقى الأحداث أكثر مما يصنعها. الراوي في الأحداث، مرسوم بهدوء، سيرى القارئ فيه نفسه، سينقل له حيرته وقلة حيلته، في أجواء يغلب عليها الظلام، وعدم وضوح الرؤية للعالم وما حوله.
ثم سيخلق له “مصطفى سعيد”، والذي يلتقي مع الراوي في كثير من التفاصيل المتشابهة، ولكنه نقيضه في أكثر الأوقات.
وسيحتل “مصطفى سعيد” دور الراوي في كثير من أجزاء الرواية، فيتبادلان الدور، كما يتبادلان الشخصية.
سيصف الكاتب “مصطفى سعيد” بأوصاف تضفي الغموض والغرابة مما سيصنع هالة “مصطفى سعيد”، ويعظُم السؤال عن من يكون، وكيف نعرفه في الرواية، خاصةً بعد النهاية الغامضة، التي لم توضح أين اختفى ولماذا، هل ذهب بإرادته؟، أم هي الأقدار؟، أم قُتِل؟ (وصفه بأنه: “لا وجود له، إنه وهمٌ، أكذوبة.. رمز وليس حقيقة.. طيف أو حلم أو كابوس ألّم بأهل القرية تلك.. ولما فتحوا أعينهم مع ضوء الشمس لم يروه”). ص50،47،36.
هنا ينسج الطيب صالح سر “مصطفى سعيد”.
حين يأنس القارئ للراوي، وكأنه هو، سيظهر ظله الذي يحيا في الظلام.
الراوي و”مصطفى سعيد” متشابهان في أشياء أساسية: كلاهما ذهب إلى إنجلترا، كلاهما عاش تجربة الشمال، كلاهما عاد إلى القرية، وكلاهما يحمل تجربة لا يعرف كيف يضعها داخل حياته السودانية.
لكن الطيب صالح لا يجعلهما متطابقين.
الراوي يعيش ما لا يستطيع قوله، و”مصطفى سعيد” يقول ويفعل ما لا يستطيع الراوي فعله.
حين يصف الراوي “مصطفى سعيد” بالوهم أو الأكذوبة أو الكابوس، يمكن قراءة هذه الأوصاف بوصفها مناسبة لصورة الظل: الرغبات المكبوتة التي ينكرها الراوي في وعيه، والغضب والخوف والضعف الذي يخجل من إظهاره، والجرأة التي يفتقدها، والعنف والرغبة في الانتقام.
وهنا يصبح “مصطفى سعيد” ظلّاً بالمعنى الأكثر إثارة، إنه يحمل ما ينقص الراوي بقدر ما يحمل ما يخيفه، ليدور صراع في داخله، كما الصراع الذي يظهر في الرواية كثيراً بين الظلام والنور.
في إحدى القصاصات التي وجدها الراوي في الغرفة المظلمة، كتب “مصطفى سعيد”: “قصة حياتي – بقلم “مصطفى سعيد”. وفي الصفحة التالية الأهداء: إلى الذين يرون بعين واحدة، ويتكلمون بلسان واحد، ويرون الأشياء إما سوداء أو بيضاء، إما شرقية أو غربية”. ص152. فالانسان نتاج صراع بين ما يظهره من سلوك يرضى عنه المجتمع، وبين رغبات وطموحات مكبوتة تصارع لتخرج للعلن، ولعل هذا ما يقوله إهداء “مصطفى سعيد” لقصته: أنْ لا شئ يحمل صفةً واحدة أو لوناً واحداً.
سيشغل “مصطفى سعيد” القارئ بقدر ما يشغله الظل داخل ظلام نفسه، يشقّه الكاتب من الراوي، يشبهه وهو نقيضه في آن.
يجعل الراوي، الإنسان المسيَّر بعادات مجتمعه، محدودَ الإرادة والحلم، لم تعطه الدنيا فرصةً واضحة للاختيار، فيبدو “مصطفى سعيد”، وكأنه يحمل عن الراوي رغبة الانتقام من هذه الدنيا. يفعل كل ما لا يستطيع فعله في مجتمعه، يعطيه من الشجاعة ما يجعله يجرؤ على كل شئ. يجرده من الإحساس بالمجتمع والناس، وحتى أمه، وتأنيب الضمير، والشجاعة بالجهر بكُرْهِ وازدراء كل من احتقره وأهانه. يجعله يقتل ببشاعة “جين مورس”. هكذا يعمل الظل، يجعلك تتخيل أقصى ما تخفيه عن نفسك، أعنف الطرق للتخلص مما يثقل على صدرك. كأن الراوي، من خلال “مصطفى سعيد”، انتقم من الدنيا التي قست عليه وراوغته ولم تجعله ينال منها أحلامه، قتلها بتشفٍّ، وكأن “جين مورس” صارت صورةً للدنيا، في وعي “مصطفى سعيد”، ولا وعي الراوي.
“كانت تتعمد أن تكون حيث أكون لتهينني.. كانت حين أتجنَّبها تغريني، وحين أطاردها تهرب مني”. ص158،157.
عندها غاب “مصطفى سعيد” عن القرية، وذلك لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع، فما يختفي من الصورة قد يظل أثره في النفس. “مصطفى سعيد” لا يبقى في وعي الراوي ظلاً فقط. ففي مرحلة لاحقة يتغير موقعه في داخله، فيصفه الراوي بالغريم “غريمي بالداخل ولا بد من مواجهته”.ص 136. وكان في هذا المشهد يهمّ بدخول الغرفة المظلمة، أي نفسه. وهنا ينتقل “مصطفى” من صورة لجزء مكبوت من الذات إلى خصم داخلي، إلى شيء لا يكفي أن يخفيه الراوي أو يبتعد عنه، بل عليه أن يواجهه.
بحيلة الروائي، كان الطيب صالح قد بكّر بظهور شخصية “ودّ الريس”، التي لم تكن إلّا استنساخاً لشخصية “مصطفى سعيد”، بمواصفات تلائم القرية: حب النساء وملاحقتهن واصطيادهن كيفما اتفق، وتعدد العلاقات، والإسراف والجرأة في الوصف. لكن اختفاء “مصطفى سعيد” لم يحسم الصراع داخل الراوي، لقد أزال صورته الأولى فقط وبقي شيء منه، أو بقي أثره، لذلك يعود الصراع في صورة أخرى، ليواجهه الراوي. فجاء مقتل “ودّ الريس”، الذي يمكن قراءته بوصفه تخلصاً من النقيض أو الغريم. كان لا بد أن يُحسم هذا الصراع في صورة واضحة، فجاء مقتله بتلك الطريقة البشعة. كأن الرواية، بمقتل “ودّ الريس”، تزيح عن الراوي آخر وجوه الصراع.
لتنتهي الرواية بالراوي سابحاً في الماء، وبعد أن كان العالم يعكس الظلام الذي داخله أصبحت “الأشياء على الشاطئين نصف واضحة، تبين وتختفي، بين النور والظلام”. ص168 إلى أن “أحسست أنني أستسلم لقوى النهر الهدامة، أحسست بساقيّ تجرّان باقي جسمي إلى أسفل،… وفي اللحظة عينها لمع ضوء حاد.. وقد كانت تلك لحظة اليقظة من الكابوس استقرت السماء واستقر الشاطئ.. إنني أقرر الآن أنني اخترت الحياة”. ص170.
“إلى الذين يرون بعين واحدة ويتكلمون بلسان واحد، ويرون الأشياء إما سوداء أو بيضاء، إما شرقية أو غربية”. ص152.
تبدو قصاصة “مصطفى سعيد” هذه، بما تحمله من رفض للرؤية ذات اللون الواحد، كأنها تمهّد لهذه المنطقة الوسطى التي يصل إليها الراوي في النهاية، بين النور والظلام.
ستون عاماً تحيا الرواية بيننا، كل يوم تتجدد وكأنها تُكتب بحبر جديد، وكأن “مصطفى سعيد” يقتل “جين مورس” لأول مرة، وكأن “حسنة” قد قتلت “ود الريس” للتو. تحيا كأنها كُتبت الآن.
“موسم الهجرة إلى الشمال”، كأن الطيب صالح كتبها لنفسه، فوجد القارئ فيها نفسه. ربما لهذا عاشت ستين عاماً، وستظل حية ما ظلت النفس تحمل ظلامها ونورها، وتبحث، بينهما، عن طريق تختار فيه الحياة.