الحرب تحرم عشرات الآلاف من النساء من خدمات المركز
خاص: (ديسمبر)
«السيدات والسادة عملاء مركز الخرطوم للعناية بالثدي الأعزاء، يعتذر المركز عن تقديم جميع خدماته في الفترة الحالية، نسبةً للظروف التي تمر بها البلاد وتعذّر وصول الكوادر إلى موقع العمل…
على أن يفتح المركز أبوابه لاستقبالكم حين تستقر الأوضاع.
حتى ذلك الوقت، نسعد باستقبال استفساراتكم في بريد الصفحة.
حفظ الله السودان وأهله.»
17 أبريل 2023
الزائر لصفحات «مركز الخرطوم للعناية بالثدي» تستقبله هذه الرسالة التي تشير إلى أن المركز المتخصص في الكشف عن سرطان الثدي وعلاجه متوقف عن العمل منذ 3 سنوات و6 أشهر، وهي الفترة التي تعبث فيها الحرب بالوطن ومواطنيه منذ 15 أبريل 2023.
ولك أن تتخيل، عزيزي القارئ، كم من السودانيات حُرمن من خدمات هذا المركز ومن الكشف المبكر عن هذا المرض الخبيث، بما يسمح بتقديم الخدمة العلاجية لهن إذا كنّ في حاجة إليها، خصوصاً أن نسبة التعافي من سرطان الثدي، وفق الإحصاءات العلمية، تفوق الآن 90% في حال اكتشاف المرض في مراحله الأولى.
وكم من النساء يعشن في حالة من القلق والخوف من أن يكنّ مصابات بهذا المرض، لكن لم تتوفر لهن فرصة الكشف في مركز متخصص، وبوسائل حديثة كان يوفرها «مركز الخرطوم للعناية بالثدي».
ورغم أننا نتحدث هنا عن النساء، فإن لا بد من الإشارة إلى أن المرض لا يصيب النساء فقط، إذ تطال الإصابة نسبة محدودة من الرجال، الذين يحتاجون أيضاً إلى العناية الطبية التي توفرها المراكز المتخصصة، وفي مقدمتها «مركز الخرطوم للعناية بالثدي».
للمركز قصة تُروى
في عام 2010، افتتح «مركز الخرطوم للعناية بالثدي» أبوابه. ومنذ يومه الأول، عوّلت عليه معظم النساء والرجال السودانيين، وربما حتى المرضى في دول الجوار – جنوب السودان وتشاد وإثيوبيا وإريتريا – الذين اعتمدوا عليه بشكل رئيسي.
وهذا التعويل له أسبابه؛ في مقدمتها معايير العلاج العالمية التي التزم بها «مركز الخرطوم للعناية بالثدي». فالمباني وأسرّة المرضى وأجهزة الكشف والفحص والمعامل والمستهلكات والعلاج، كلها كانت بأفضل المواصفات العالمية.
ثم هناك الفكرة الفريدة التي تبناها المركز؛ فهو الوحيد في السودان الذي لا ينتظر أرباحاً من خدمات علاج سرطان الثدي والتوعية بمخاطره، إذ إنه مركز «غير ربحي»، وما يدفعه المريض للمركز أقل من تكلفة علاجه «بأفضل المعايير والمواصفات».
ويضع المركز هذه العبارة في تعريفه بخدماته: «يفخر بمعاييره العالمية في كل الأقسام، واستخدام تقنيات فنية ممزوجة بأحدث أساليب التشخيص والجراحة».
أكثر من ذلك، أن للمركز مجموعة من الأصدقاء من مؤسسات وشركات ورجال أعمال، يدعمون علاج المرضى الذين لا يستطيعون دفع تكاليف علاجهم، دعماً جزئياً أو كلياً. لذلك يُعد «مركز الخرطوم للعناية بالثدي» نموذجاً لمساهمة القطاع الخاص في خدمة مرضى سرطان الثدي من السودانيين.
أكثر من (40) ألف مريض
عُرف «مركز الخرطوم للعناية بالثدي» (KBCC) بكوادره المتميزة من الأطباء والكوادر الطبية، وكذلك الكوادر الإدارية التي تستقبل المترددين على المركز وتقدم لهم الخدمة.
ويكفي أن إحصائيات المركز تشير إلى أنه، خلال (13) عاماً، قدم خدمات علاجية لأكثر من (40) ألف مريض من مختلف ولايات السودان.
ومن بين هؤلاء المرضى من يُعرفن بـ«الناجيات»، اللائي يُحتفى بهن كل عام في شهر «أكتوبر الوردي». وبعد أن كنّ مريضات يتلقين العلاج في «مركز الخرطوم للعناية بالثدي»، أصبحن رسولات للتوعية بضرورة الفحص المبكر، وبث الأمل بين مرضى سرطان الثدي وذويهم، وتخفيف معاناتهم في رحلة العلاج الشاقة.
أصدقاء ودعم
بالعودة إلى الطريقة التي يعمل بها المركز، من المهم الإشارة إلى مجموعة الأصدقاء الداعمة، ومن بين هؤلاء الأصدقاء: حجار القابضة، مجموعة النفيدي، مجموعة سي تي سي، مجموعة محجوب أولاد، شركة سوداني، ومجموعة سعيد، إلى جانب أصدقاء أفراد، بعضهم ربطته صلة علاج بالمركز، وبعضهم يقدم الدعم ثقةً في إدارة المركز والخدمات العلاجية التي يقدمها.
أما الطريقة التي تُدار بها مساهمات الأصدقاء وتبرعاتهم، فتتسم بالشفافية العالية؛ فهم من يقومون بإدارة الأموال عبر ممثلين لهم في ما يُعرف بـ«الصندوق الخيري»، الذي يهدف في المقام الأول إلى توجيه اللجنة الخيرية في كيفية التعامل مع التبرعات، وتحقيق الهدف الجوهري، وهو مساعدة المرضى غير القادرين مادياً.
وينقسم الصندوق إلى لجنتين: لجنة معنية بتقييم الحالات ودرجة استحقاقها للدعم، كلياً أو جزئياً، ولجنة مختصة بجمع التبرعات والتحقق من أوجه صرفها.
وقد استفاد من خدمة الصندوق الخيري أكثر من (2600) مريض، قُدمت لهم كافة أنواع الرعاية الطبية والعلاج.
خدمات علاجية متكاملة
يجمع المركز كل التخصصات ذات الصلة بأمراض الثدي، كالتصوير وعلم الأمراض والجراحة وعلم الأورام، في مبنى واحد، ويقدم عناية فعالة وعلاجات شافية للمرضى الذين يرتادون المركز.
كما يفخر المركز بمعاييره العالمية في جميع الأقسام، واستخدامه تقنيات فنية ممزوجة بأحدث أساليب التشخيص والجراحة.
التقييم المرضي
وهو عبارة عن فحص العينة تحت توجيه التصوير لأخذ خزعة نسيجية.
التقييم الإشعاعي
يتم استخدام أشعة الماموغرام للسيدات فوق سن الـ35، كل سنتين، والأشعة فوق الصوتية للسيدات تحت سن الـ35، كل سنتين أيضاً.
ويُعد الفحص الدوري لسرطان الثدي من أهم طرق الاكتشاف المبكر لسرطان الثدي لدى السيدات اللاتي يعانين من تغيرات في الثدي، وكذلك اكتشاف المرض لدى السيدات اللاتي ليست لديهن أي أعراض.
وفي حالة وجود أي تغيرات غير طبيعية، يتم تحويل المريضة إلى عيادة التقييم لإجراء المزيد من الفحوصات.
التقييم السريري
يتم التقييم السريري بواسطة اختصاصي جراحة الثدي، ويعمل على استخراج المستندات وتقييم النتائج وتشخيصها.
ويتم تحويل مرضى سرطان الثدي إلى عيادات المتابعة والنتائج، التي يتم فيها وضع خطة العلاج والمتابعة.
عيادة النتائج والمتابعة
هنا يقوم المريض باستلام نتائج الفحوصات والعلاجات بواسطة الاستشاريين المتخصصين.
وهناك العديد من أنواع ومراحل سرطان الثدي، ولذلك يُشخّص كل مريض بشكل فردي لوضع خطة لمسار العلاج.
ويوفر «مركز الخرطوم للعناية بالثدي» كل أنواع العلاجات المطلوبة، وهي العلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي والجراحة. ويمكن أن يتلقى المريض أكثر من نوع من هذه العلاجات، اعتماداً على الحاجة الطبية.
العلاج الإشعاعي
يتم التخطيط للعلاج بالإشعاع بواسطة اختصاصي الأورام، ويتم تحويل المرضى إلى مراكز خارجية لتلقي العلاج.
ويعتمد العلاج على نوع الورم السرطاني وحجمه وموقعه. وغالباً ما يُعطى العلاج الإشعاعي بعد العملية الجراحية للتقليل من نسبة عودة السرطان.
العلاج الكيميائي
يُعطى العلاج الكيميائي في سلسلة من الجلسات الأسبوعية في العيادات الخارجية، في أجنحة مريحة.
وللمريض حرية الاختيار بين البقاء في العيادات الداخلية أو الخارجية، ولكن تمنع سياسة المركز المرافقين من الجلوس في العيادات الداخلية حفاظاً على سلامة المريض.
الجراحة
تقتصر العمليات الجراحية على عمليات سرطان الثدي وإعادة إعمار الثدي.
ويتم تحويل المرضى المختارين للجراحة إلى عيادة التخدير لإجراء تقييم ما قبل الجراحة مع استشاريين متخصصين.
ولا تُجرى العمليات الجراحية إلا بعد سلسلة من النقاشات مع الأطباء المتخصصين، وبعد الحصول على موافقة المريض.
التوعية: سلاح فعال لمواجهة سرطان الثدي
بجانب الخدمات التشخيصية والعلاجية التي يقدمها المركز للسيدات، يقوم أيضاً بدوره في توعية المجتمع بأمراض الثدي وفوائد الكشف المبكر.
وقد تمت دعوة المركز من جانب العديد من المؤسسات والمدارس والكليات والجمعيات لتقديم ورش التوعية خلال شهر أكتوبر. وإيماناً بالدور المؤثر لورش التوعية، لم يحصر المركز تقديم هذه الورش في أكتوبر فقط، بل ظل يقدمها على مدار العام.
والأكثر من ذلك، ظل «مركز الخرطوم للعناية بالثدي» يوفر لآلاف النساء مساحتهن الآمنة للنقاش والمشاركة. يخرجن من أنماط المجتمع، ويحكين قصصهن، ضارباتٍ بالقيل والقال عرض الحائط، ويحكين قصة نجاتهن وشفائهن، علّها تضيء شمعة أمل في قلوب بقية النساء الخائفات.
تحكي إحداهن عن خوفها من أن يعرف المجتمع بمرضها، وأن يجعل منه وصمة عار على أسرتها، فتصف لها أخرى طريقتها لكسر سلسلة العار ومواجهة المجتمع.
تداعيات توقف المركز عن العمل
اليوم، وبعد 42 شهراً من اندلاع الحرب، فقدت حوالي 14,800 سيدة حقها في عيادات الكشف عن سرطان الثدي، فيما لم تحصل أكثر من 11 ألف سيدة على فرصتها في إجراء صورة الماموغرام للكشف المبكر.
كما أن ما يقارب 2000 سيدة لم تُؤخذ منها عينة لتأكيد أو نفي إصابتها، بينما فقدت أكثر من 10 آلاف حالة متابعتها مع اختصاصي الأورام لبدء العلاج أو متابعة حالتها.
وتعاني 21 ألف حالة للحصول على جلسات العلاج الكيميائي، فيما فقدت 1500 سيدة فرصتها في العلاج الجراحي، ولم تُجرِ 22 ألف سيدة الفحوصات المعملية اللازمة لبدء العلاج ومراجعة تأثيراته.