“قاموس التخوين” بعض من الثقافة الأصيلة للنظام الموؤود
من انقلاب 1989 إلى حرب 2023 تغيرت العبوة والمُنتِج والمُنتَج واحدٌ
المؤكد، أن الحرب الدائرة رحاها منذ 15 أبريل 2023، أنتجت قاموسًا سياسيًا شديد الخشونة، لكنه في الحقيقة لم يبدأ معها. فكثيرٌ من مفرداته امتدادٌ مباشرٌ لثقافةٍ سياسيةٍ أقدم رسّختها الإنقاذ. فخلال تجربتها التي دامت لثلاثين عامًا لم يُكتفَ بالاختلاف مع المعارض السياسي، غير الحامل للسلاح، بل يُعاد تعريفه بوصفه خائنًا أو عميلًا أو فاقدًا للوطنية أو علمانيًا معاديًا للدين. وما فعلته الحرب هو أنها أعطت هذه اللغة قوة أكبر، وربطتها هذه المرة بمفردات الجيش والمليشيا والخيانة والحواضن والسيادة والتدخل الخارجي.
ففي زمن الحرب، لا تحتاج إلى أن تهزم خصمك بالمنطق والحجة. هناك طريق أقصر؛ ما عليك إلا أن تغيّر توصيف الخصم. لا تقل إنه يختلف معك، قل إنه خائن. لا تقل إنه يرى الحرب بطريقة أخرى، قل إنه ظهير للمليشيا. لا تقل إنه يطالب بإيقاف الحرب، بل قل إنه يريد إنقاذ الجنجويد من الهزيمة. ولا تسأل لماذا يقول مُعارضك في الرأي ما يقول، بل اسأل فورًا: من يدفع له ومن يقف خلفه؟.
بهذه البساطة يعمل قاموس التخوين. خذ مثلًا شخصيات مدنية مثل دكتور عبد الله حمدوك أو المهندس خالد عمر يوسف. ليس مطلوبًا ولا مرغوبًا أن تناقش ما يقولان عن الحرب وعن ضرورة إيقافها وعن الحكم المدني. يكفي أن تفتح درج الاتهامات الجاهزة، بعضها مباشر، وبعضها إيحائي، وبعضها يُبنى على الجمع بين أكثر من تهمة في جملة واحدة. ومن أكثر الاتهامات تداولًا:
- “عميل سفارات”: عبارة قصيرة، سهلة الحفظ، وتوفِّر على مُتلقيها قراءة أي ورقة سياسية. ووظيفة الاتهام ليس إثبات علاقة استخبارية أو تبعية فعلية، بل الإيحاء بأن من وُجِّه إليه أصبع الاتهام لا يملك قرارًا سياسيًا مستقلًا، وأن موقفه صُنع خارج السودان. ويزداد استخدام العبارة عندما يلتقي الخصم السياسي بدبلوماسيين أو يتحرك في دوائر دولية، رغم أن الاتصال بالسفارات والمؤسسات الدولية ممارسة يقوم بها أيضًا البرهان ومناوي والجاكومي وغيرهم من مؤيدي استمرار الحرب.
- “باع البلد”: هذه أريح. ولا أحد يسأل: باعها لمن؟ وبكم؟ وبأي عقد؟ المهم أن البيع تم، والملف قُفل. وهي تستخدم لنقل الخلاف من مستوى السياسة إلى مستوى الخيانة. فهي لا تقول إن السياسي المعارض أخطأ في التقدير، بل تقول إن لديه مصلحة مضادة لمصلحة الوطن، ولإرادة شعبه.
- “ظهير سياسي للمليشيا”: تهمة مثالية لزمن الحرب. فكل من لا يصفِّق لاستمرار القتال ويردد مع الانصرافي (بل بس) يعتبر جزءًا من معسكر الدعم السريع، ولو كان قد أدانه عشرات المرات.
- “الواجهة المدنية للمليشيا”: نسخة أكثر حدة من العبارة السابقة؛ وفيها لا يعود للخصم رأي أصلًا. هو مجرد واجهة. دمية سياسية ببدلة وربطة عنق.
- “لا يريد دحر التمرد”: توجه لدعاة وقف الحرب أو التسوية السياسية. وفيها يُستبدل السؤال الحقيقي؛ هل استمرار القتال مفيد أم مدمر؟ بسؤال أخلاقي: لماذا لا تريد للجيش أن ينتصر؟.
- “ضد الجيش”: عبارة شديدة الاتساع؛ تشمل من يعارض الحرب، ومن ينتقد أداء القيادة، ومن يطالب بإصلاح الجيش والأجهزة الأمنية، ومن يرفض عسكرة السياسة.
- “يتلقى تمويلًا من الخارج”: من أين؟ ليس مهمًا. كم يقبض؟ ليس مهمًا. هل هناك دليل؟ وهذا سؤال غير وطني أصلًا. المهم أن العبارة تؤدي المطلوب: نقل النقاش من كلام الرجل إلى ذمته.
- “أداة للمشروع الغربي” أو “صنيعة المجتمع الدولي”: وهذه من بقايا قاموس الإنقاذ القديم، حيث يُقدَّم الخارج بوصفه مصدرًا لكل اعتراض داخلي، ويُرَدّ الفعل السياسي المحلي إلى مؤامرة دولية.
- “خائن”: والخائن، لا يؤتى بالأدلة على خيانته وإنما يُصنف في تلك الخانة. فقاموس التخوين لا يريد أن يثبت أن حمدوك أو خالد عمر أو غيرهما مخطئون. هذه مهمة مرهقة. هو يريد شيئًا أسهل بكثير، أن يجعلهم غير مستحقين للنقاش أصلًا. والتخوين مدرسة قديمة، تعود جذورها إلى الإنقاذ، حين كان الخصم يُتهم تارة بأنه ضد الدين، وتارة بأنه شيوعي، وتارة بأنه فاسد الأخلاق. ومع الحرب تم تحديث البرنامج. خرجت كلمات، ودخلت كلمات. لكن النظام نفسه ما زال يعمل.
والمغزى الأهم أن هذه العبارات لا تعمل منفردة، بل تشكل سلسلة متكاملة هدفها نزع الشرعية. وهي عملية تبدأ بتصوير الخصم مختلفًا، ثم يصبح مشبوهًا، ثم تابعًا للخارج، ثم مؤيدًا للمليشيا، ثم خائنًا. وهكذا لا يعود النقاش حول محتوى وموضوع ما قاله حمدوك أو خالد عمر أو ما كتبه شوقي عبد العظيم أو غيرهم من دعاة إيقاف الحرب، بل حول ما إذا كان يحق لهم أصلًا أن يتحدثوا باسم السودان.
والمؤكد أن الحرب لم تخلق هذا القاموس؛ ولكنها، حتمًا، أطلقت طاقته الكامنة وأعادت شحنه نفسيًا وسياسيًا وأثْرته بمزيد من المفردات. فالقاموس الذي كان في زمن الإنقاذ وسيلة لحماية ديكتاتوريةً عسكرية آيديولوجية، أصبح في زمن الحرب أداة لتقسيم المجتمع إلى معسكرين أخلاقيين مغلقين.
ومن خلال مفردات هذا القاموس فأنت لست في حاجة للاستماع لخصمك ومناقشته، ولست في حاجة لدحض حجته ومنطقه، يكفي فقط أن تفسد سمعته قبل أن يفتح فمه، فإذا قال ما لا يعجبك، لا تتعب نفسك في الرد عليه؛ يكفي فقط أن تصدر الاستخبارات العسكرية التوجيهات لعمسيب وبسيوني وكجاب والإعيسر ولجيش القونات والنائحات الأجيرات والبلابسة السفهاء ليقولوا إن فلاناً عميل وخائن ومعاقر خمر وزير نساء، وفلانة نخرتها كبيرة.
وهكذا حولوا الوطن، شيئًا فشيئًا، من مساحة مشتركة إلى مركز خاص لتوزيع شهادات الوطنية ومنح براءات الانتماء، يؤْتِيها المركز لمَنْ يشَاء وَيَنْزِعُها مِمَّنْ يشَاء. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
