أكتوبر الوردي – سرطان الثدي في السودان.. بين تشخيص يبحث عن اليقين وعلاج تطارده النازحات

إيمان فضل السيد

 

 

في السودان، لا تقف معاناة مريضات سرطان الثدي عند حدود التشخيص، ولا تنتهي عند العثور على مركز للعلاج. فبين نتائج تبحث عن اليقين، ومسافات يفرضها النزوح، تخوض النساء رحلات شاقة لاستكمال الفحوصات ومواصلة العلاج، في ظل حرب أضعفت الخدمات الصحية وضيّقت فرص الوصول إليها.

 

 

ما بين العينة والتشخيص.. رحلة البحث عن اليقين

 

لا تنتهي رحلة المرأة مع الاشتباه في سرطان الثدي بمجرد إجراء الفحص، كما أن العثور على كتلة في الثدي لا يعني بالضرورة الإصابة بالسرطان. بين الاشتباه والتشخيص المؤكد، تمر المريضة بسلسلة من الفحوصات والإجراءات الطبية التي يُفترض أن تقود إلى إجابة واضحة: ما طبيعة الكتلة؟ وهل تحتاج إلى علاج؟ وما العلاج المناسب؟.

 

لكن هذه الرحلة، التي تتطلب في الظروف الطبيعية توافر خدمات التشخيص وكوادرها المتخصصة، أصبحت أكثر تعقيداً في السودان، الذي دمّرت الحربُ نظامَه الصحي، وأجبرت ملايين الأشخاص على النزوح بعيداً عن المؤسسات التي اعتادوا على تلقي الرعاية فيها، كما أن أكثر من 37% من المؤسسات الطبية دُمّرت وخرجت من الخدمة بالكامل، وفقاً لتقارير دولية.

 

في الصفحة الأولى من هذه السلسلة، رصدنا ثلاث حالات لنساء سودانيات اختلفت فيها النتائج الطبية بين الفحص الأول والفحوص اللاحقة في القاهرة. ولا تكفي هذه الحالات وحدها للحكم على دقة التشخيص في المؤسسات الصحية السودانية، لكنها تفتح باباً للسؤال عن الإجراءات التي تتبعها المريضة عندما تتعارض النتائج، وعن فرص الوصول إلى مراجعة متخصصة في بلد تضررت فيه الخدمات الصحية وتفاوتت إمكانات المؤسسات العاملة فيه.

 

من الفحص إلى النتيجة

 

لا يعتمد تشخيص سرطان الثدي على خطوة واحدة بالضرورة. يبدأ التقييم عادة بالفحص السريري، وقد يشمل التصوير الطبي، ثم أخذ عينة من النسيج وفحصها تحت المجهر عندما تستدعي الحالة ذلك. ويحدد الطبيب الخطوات اللازمة وفق الأعراض ونتائج الفحوص وطبيعة الحالة.

 

وقد يحتاج الوصول إلى التشخيص إلى مراجعة أكثر من نتيجة أو مقارنة نتائج التصوير بالفحص النسيجي. وعندما لا تتوافق النتائج مع بعضها، قد يقرر الفريق الطبي مراجعة الشرائح النسيجية أو التقارير والصور، أو إجراء فحوص إضافية بحسب الحالة.

 

لكن ماذا يحدث عندما لا تجد المريضة في المكان الذي تقيم فيه الإمكانات اللازمة لاستكمال هذه الخطوات؟ وهل تستطيع الوصول إلى مختبر متخصص أو طبيب آخر لمراجعة النتيجة؟ وما الذي يحدث عندما تصبح المسافة إلى الخدمة التشخيصية رحلة بين الولايات أو عبوراً إلى بلد آخر؟.

 

في السودان، لا يمكن فصل هذه الأسئلة عن آثار الحرب على المؤسسات الصحية، بما في ذلك خروج عدد كبير من المرافق الطبية عن الخدمة، وتضرر الأجهزة والمعدات، ونقص الكوادر المتخصصة، وصعوبات الإمداد والتشغيل.

 

حين تختلف النتائج

 

لا تعني النتيجة المختلفة بالضرورة أن أحد الفحصين خاطئ؛ فقد تتباين النتائج لأسباب طبية أو فنية تستلزم مراجعة الحالة كاملة. ولهذا، لا ينبغي للمريضة أن تفترض صحة النتيجة الأحدث لمجرد أنها الأحدث، أو أن ترفض نتيجة سابقة دون مراجعة طبية.

 

وتكتسب مراجعة التشخيص أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بقرار علاجي كبير، مثل البدء في علاج كيميائي أو إجراء جراحة. وقد تشمل المراجعة الاطلاع على التقارير والشرائح النسيجية والصور الطبية، وتحديد الحاجة إلى فحوص أخرى.

 

لكن الرأي الطبي الثاني، الذي قد يكون متاحاً بسهولة نسبية في بعض الظروف، يمكن أن يتحول في زمن الحرب إلى عبء إضافي على المريضة. فقد تحتاج إلى السفر، وتحمُّل نفقات الفحوص والإقامة، ونقل تقاريرها وعيناتها، فضلاً عن الانتظار حتى تتمكن من الوصول إلى الجهة التي تستطيع مراجعة حالتها.

 

وهنا لا تكون المشكلة طبية فقط، بل تتصل أيضاً بقدرة المريضة على الوصول إلى الخدمة التي تحتاج إليها في الوقت المناسب.

 

ولا يعني تحسين فرص التشخيص مجرد توفير جهاز أو مختبر؛ بل يتطلب توافر سلسلة مترابطة من الخدمات والكوادر، وقدرة المريضة على الوصول إليها، وإمكانية استكمال الفحوص ومراجعة النتائج قبل اتخاذ القرارات العلاجية.

 

ففي رحلة سرطان الثدي، لا يمثل التشخيص مجرد ورقة تحمل اسماً للمرض. إنه الأساس الذي تُبنى عليه الخطوات التالية، وقد تتوقف عليه قرارات علاجية كبيرة. لذلك، فإن ضمان الوصول إلى تشخيص موثوق ومفهوم ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من الرعاية، حتى في ظروف الحرب.

 

لكن ما الأسباب الطبية المحتملة لاختلاف نتائج الفحوصات؟ ومتى تستدعي النتيجة مراجعة العينة أو إجراء فحوص إضافية؟ وكيف يمكن للمريضة التحقق من تشخيصها عندما تتعارض التقارير، في ظل محدودية الخدمات وصعوبة التنقل؟.. أسئلة تزداد إلحاحاً في زمن الحرب، حين تتحول محاولة الوصول إلى رأي طبي آخر إلى رحلة مكلفة لا تملك كل مريضة القدرة على خوضها.

 

—

 

العلاج الذي لا يحتمل الانتظار.. حين تنقطع رحلة مريضة السرطان

 

بالنسبة إلى مريضة سرطان الثدي، لا ينتهي القلق بمجرد تأكيد التشخيص. تبدأ بعده رحلة أخرى، قد تشمل الجراحة أو العلاج الكيميائي أو الإشعاعي أو العلاج الهرموني، إلى جانب الفحوص والمتابعة، بحسب طبيعة المرض ومرحلته والخطة التي يحددها الفريق الطبي.

 

وفي هذه الرحلة، لا تكون المواعيد مجرد تفاصيل إدارية. فبعض العلاجات يرتبط بجدول محدد، وقد تستدعي الظروف الطبية تعديل الخطة أو تأجيل جرعة، لكن القرار يحتاج إلى تقييم الطبيب، لا إلى اضطرار المريضة للتوقف بسبب غياب الدواء أو تعذر السفر أو إغلاق المركز الذي تتلقى فيه العلاج.

 

في السودان، حيث أجبرت الحرب المرضى على مغادرة مناطقهم، وتضررت مؤسسات صحية وغادرت كوادر متخصصة، قد تجد المريضة نفسها أمام سؤال يتكرر مع كل موعد: هل سأتمكن من الوصول إلى الجرعة المقبلة؟

 

حين يصبح الوصول جزءاً من الخطة العلاجية

 

لم تكن رحلة سعاد مع سرطان الثدي رحلة علاج فحسب؛ فقد تداخلت معها رحلة النزوح من مكان إلى آخر، والبحث عن مركز يستطيع استقبالها، وتدبير تكاليف السفر والإقامة والمرافق. فبعد مغادرة الخرطوم، انتقلت بين مناطق عدة، من بينها ولاية نهر النيل وكسلا، قبل أن تجد فرصة لمواصلة جلساتها العلاجية في مستشفى بالولاية الشمالية.

 

وتوضح إفادة اختصاصية صحية تعمل مع منظمة دولية في السودان أن الحرب وموجات النزوح المتعاقبة أربكت وصول المرضى إلى مراكز علاج الأورام. وكانت الخرطوم تضم مستشفى الذرة، أحد أبرز مراكز علاج الأورام، فيما مثّل المركز المتخصص في ود مدني وجهة مهمة لمرضى آخرين. ومع انتقال كثير من السكان إلى مدني في بداية الحرب، واصل بعض المرضى علاجهم هناك، قبل أن تتسبب التطورات العسكرية والنزوح اللاحق من المدينة في اضطراب رحلات علاجهم مرة أخرى.

 

بالنسبة إلى سعاد، لم يكن العثور على مركز للعلاج نهاية الصعوبة. فقد كانت تسافر من كسلا إلى الولاية الشمالية لتلقي الجلسات، بمعدل مرة أو مرتين شهرياً تقريباً، وفق إفادة المصدر. وكانت الرحلة مرهقة بسبب طول المسافة ومشقتها على مريضة تتلقى العلاج، فضلاً عن تكاليف السفر والحاجة إلى مرافق معها في منطقة أخرى.

 

وتكشف هذه التجربة كيف يمكن أن تتحول المسافة إلى عائق أمام العلاج، حتى عندما تتوافر الخدمة في مكان ما داخل البلاد. فوجود مركز متخصص لا يعني بالضرورة أن جميع المرضى يستطيعون الوصول إليه؛ إذ يتوقف ذلك على القدرة المالية، وتوافر وسائل النقل، وإمكانية الإقامة قرب المركز، فضلاً عن الوضع الأمني والقيود التي قد تواجه المسافرين بين مناطق السيطرة المختلفة.

 

وتشير الاختصاصية إلى أن مرضى في مناطق بعيدة لم يتمكنوا من الوصول إلى المستشفى الذي أتاح مواصلة الجلسات العلاجية، وأن التنقل من مناطق في دارفور وكردفان الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع إلى مناطق أخرى قد تصاحبه قيود ومخاطر إضافية. ووفق إفادتها، يمكن أن تؤدي الوثائق الثبوتية التي تشير إلى منطقة الميلاد أو السكن إلى تعقيد العبور بالنسبة إلى بعض القادمين من تلك المناطق.

 

ولا تعني هذه الإفادة أن جميع المرضى يواجهون الظروف نفسها، لكنها تلفت إلى تفاوت فرص الوصول إلى العلاج بين من يستطيعون التحرك والوصول إلى المؤسسات التي عادت إلى العمل، ومن تحاصرهم المسافة أو القيود الأمنية أو الكلفة المالية. وبالنسبة إلى مريضة تحتاج إلى جلسات متتابعة، لا تكون الرحلة مجرد انتقال جغرافي، بل جزءاً من قدرتها على مواصلة خطة العلاج.

 

وفي مارس 2026، استؤنفت خدمات العلاج الكيميائي في مستشفى الذرة بالخرطوم، وفق المعلومات التي أُدرجت في تغطيتنا السابقة. غير أن عودة خدمة بعينها لا تعني تلقائياً عودة المنظومة إلى كامل طاقتها، ولا تحل وحدها مشكلات المرضى الذين نزحوا بعيداً عن مراكزهم، أو الذين تحول ظروفهم دون الوصول إليها.

 

وتعيد هذه الوقائع طرح أسئلة أساسية: ما الذي قد يترتب على تأخر جلسات العلاج الكيميائي أو انقطاعها؟ وكيف تختلف آثار التأخير باختلاف نوع العلاج وحالة المريضة؟ وما الخيارات المتاحة لمن يتعذر عليها الوصول إلى مركزها في الموعد المحدد؟ ثم كيف يمكن ضمان استمرارية علاج مرضى الأورام في بلد تتغير فيه خطوط السيطرة وتتكرر فيه موجات النزوح، وتتفاوت فيه قدرة المؤسسات الصحية على تقديم خدماتها؟.

 

فاستعادة المراكز المتخصصة تظل خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي ما لم تترافق مع حلول تتيح للمرضى الوصول إلى العلاج، وتخفف أعباء التنقل والإقامة، وتراعي أوضاع من لا يستطيعون عبور مناطق النزاع. في الحرب، قد تضطر المريضة إلى مغادرة منزلها أكثر من مرة، لكن حاجتها إلى العلاج لا تنتظر استقرار الجغرافيا. وبين مركز يفتح أبوابه ومريضة لا تستطيع الوصول إليه، تتسع فجوة لا تسدها حملات التوعية وحدها؛ بل تحتاج إلى خدمات متاحة، وطرق آمنة، وإحالات واضحة، ودعم يساعد المرضى على متابعة علاجهم رغم النزوح.

 

ويظل السؤال الأكثر أهمية قائماً: كيف يمكن ضمان استمرارية علاج مريضات السرطان في ظل النزوح والقيود الأمنية وتفاوت قدرة المؤسسات الصحية؟.

 

ماذا يحدث عند انقطاع العلاج؟

 

لا تتشابه علاجات سرطان الثدي، ولا تتساوى آثار التأخير أو الانقطاع في جميع الحالات. ويتوقف أثر أي تغيير في المواعيد على نوع العلاج، وسبب استخدامه، ومرحلة المرض، والحالة الصحية للمريضة.

 

ولهذا، لا يصح القول إن كل تأخير يؤدي حتماً إلى تدهور الحالة، كما لا يصح افتراض أن الانقطاع لا يترتب عليه ضرر. المطلوب هو تقييم طبي يحدد مدى أهمية التأخير، وكيفية استئناف العلاج أو تعديل الجدول عند الضرورة.

 

لكن المريضة التي لا تستطيع الوصول إلى طبيبها قد لا تجد من يجيب عن هذه الأسئلة. وقد تضطر إلى تأجيل الجرعة أو الفحص إلى حين توافر المال أو وسيلة النقل، دون أن تعرف ما إذا كان الانتظار آمناً في حالتها.

 

إن استمرارية العلاج لا تتعلق بالمريضة وحدها، ولا يمكن اختزالها في مطالبتها بالالتزام بالمواعيد. فهي تحتاج أيضاً إلى خدمات متاحة، وأدوية يمكن الحصول عليها، ومعلومات طبية واضحة، ونظام إحالة يسمح لها بمواصلة العلاج عندما تضطر إلى الانتقال من مكان إلى آخر.

 

وفي بلد تتغير فيه أماكن الإقامة بفعل الحرب، يصبح الاحتفاظ بالسجل الطبي وتيسير انتقال المعلومات بين المؤسسات الصحية من الأمور المهمة لتقليل التعثر في رحلة العلاج.

 

فالمريضة التي تنزح لا ينبغي أن تبدأ من الصفر في كل مرة تصل فيها إلى مستشفى جديد، ولا أن تتحمل وحدها مسؤولية تدبير رحلة علاج تتوزع حلقاتها بين مدن ومؤسسات مختلفة.

 

—

 

برقية وردية في بريدهن

 

لا تواجهي انقطاع العلاج وحدك

 

إذا كنتِ تتلقين علاجاً لسرطان الثدي واضطررتِ إلى الانتقال أو تعذر عليكِ الوصول إلى موعدك:

 

– احتفظي بنسخ من التقارير الطبية ونتائج الفحوص وخطة العلاج، مع مواعيد الجرعات السابقة والمقبلة.

– أخبري طبيبك أو المركز المعالج في أقرب وقت إذا تعذر عليكِ الوصول إلى جرعة أو فحص، واسألي عن الخطوة المناسبة لحالتك.

– لا توقفي العلاج، ولا تغيري الجرعات أو مواعيدها من تلقاء نفسك.

– عند الانتقال إلى مركز آخر، اطلبي نقل المعلومات الطبية الضرورية حتى يستطيع الفريق الجديد معرفة ما تلقيتِه وما تحتاجين إليه.

– اسألي عن البدائل المتاحة إذا تعذر الحصول على دواء أو إجراء فحص في مكان إقامتك، وعن إمكانية الإحالة إلى مركز آخر.

 

الحرب قد تغيّر مكانك، لكنها لا ينبغي أن تجعلك وحدك في مواجهة قرار طبي لا تعرفين تبعاته. اطلبي المساعدة الطبية، ولا تتخذي قرار إيقاف العلاج أو تأجيله من دون استشارة مختص.

 

إذا تعارضت نتائج الفحوص، اطلبي تفسيراً واضحاً ومراجعة التقارير عند الحاجة.

 

من حقكِ أن تفهمي تشخيصكِ، وأن تعرفي خياراتكِ، وأن تحصلي على المساعدة لاستكمال رحلة العلاج.

 

تنويه

 

في العدد القادم: نناقش هذه الأسئلة المفتوحة في مقابلة مع اختصاصية أورام، تتناول أسباب اختلاف نتائج الفحوص، ومتى تستدعي الحالة مراجعة التشخيص، وما قد يترتب على تأخر العلاج أو انقطاعه، والخيارات المتاحة للنساء اللواتي يعترض النزوح وصعوبة الوصول طريقهن إلى الرعاية الطبية، وغير ذلك من أسئلة ملحة وضرورية في سياق البحث عن حلول لتشخيص وعلاج آمن لمريضات السرطان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *