إدارة محطات الخدمة والمستودعات الإقليمية الوكلاء أم الإدارة المباشرة.. لشركة النيل للبترول المحدودة؟

المقدمة:

قبل عملية دمج شركتي بشائر للطاقة وبتروترانس في شركة النيل للبترول، كانت شركة النيل للبترول تتصدر سوق تسويق المنتجات البترولية في السودان، وفي وقت سابق بلغت نسبة 37% من السوق الذي يضم ما يقارب 35 شركة، بينما لم تتجاوز حصة أقرب منافسي الشركة 9%.

وبعد الدمج، تغيّر هيكل الشركة وموقعها التنافسي. وتشير المعطيات المتداولة إلى تراجع حصتها بصورة كبيرة، ما أوصلها إلى مراتب متأخرة بين نظيراتها من الشركات الأخرى. وهذا يستوجب مراجعة موضوعية لنتائج الدمج وأثره في الأداء التجاري والإداري والمالي.

كما يزيد القلق ما يردده بعض منسوبي شركة النيل الأصليين من تراجع دور الكوادر ذات الخبرة الطويلة، مقابل تصاعد نفوذ كوادر شركة بشائر للطاقة في مواقع القيادة، ومنها منصب المدير العام ومعظم مديري الإدارات المتخصصة. وهذا يفتح سؤالاً مشروعاً عن المعايير التي بُنيت عليها قرارات توزيع المسؤوليات: هل هي الكفاءة والخبرة والعدالة المؤسسية، أم اعتبارات أخرى؟

إن هذا المقال لا يستهدف أشخاصاً بعينهم، وإنما يستهدف السياسات والقرارات التي اتُّخذت مؤخراً. وأوضح مثال على ذلك قضية تشغيل محطات الخدمة والمستودعات الإقليمية، لأنها تمس مباشرة المبيعات وتكاليف التشغيل والقدرة التنافسية. وهم يريدون تشغيل المحطات عن طريق الموظفين وإنهاء دور الوكلاء نهائياً.

وسنستعرض فيما يلي مزايا نظام الوكلاء وعيوب الإدارة المباشرة، ثم نتحدث عن ضوابط نجاح الوكالة.

 

أولاً: واقع شركة النيل للبترول بعد الدمج

اعتمدت شركة النيل للبترول، قبل الدمج، اعتماداً كبيراً على وكلائها في تشغيل محطات الخدمة والمستودعات الإقليمية، وربطتها بهم علاقات تجارية ممتدة. وتبرز أهمية ذلك في أن أكثر من 80% من مبيعاتها من البنزين والجازولين، بحسب البيانات المشار إليها، كانت تمر عبر هذه المحطات والمستودعات. فالوكلاء، إذن، ليسوا مجرد متعاقدين، بل ركن أساسي في شبكة الشركة، وعامل مؤثر في انتشارها وحصتها السوقية ووصولها إلى المستهلك الأخير.

 

ثانياً: لماذا يتفوق نظام الوكلاء على نظام الإدارة المباشرة؟

لأن نظام الوكلاء نموذج راسخ في قطاع توزيع المنتجات البترولية، استقر العمل به في السودان منذ نشأة شركات قطاع النفط في خمسينيات القرن الماضي. وتتلخص مزاياه في خمسة أمور، هي:

  1. تخفيف العبء الرأسمالي:

يتحمل الوكيل، بحسب العقد، جانباً من تكاليف التشغيل ورأس المال العامل والمخزون، وقد يتحمل بعض تجهيزات الموقع. وبذلك تتوسع الشركة في شبكتها دون استثمارات ضخمة لكل موقع.

  1. انتشار أوسع ومبيعات أعلى:

الوكيل غالباً ما يكون من أبناء المنطقة، ويعرف سوقها وعملاءها، ويملك علاقات واسعة تفتح للشركة مناطق يصعب عليها إدارتها مباشرة بالكفاءة نفسها.

  1. حافز تجاري حقيقي:

دخل الوكيل مرتبط بحجم نشاطه، فتتوافق مصلحته مع مصلحة الشركة: جذب العملاء، وتحسين الخدمة، وتقليل الفاقد، وضمان استمرارية العمل.

  1. تكاليف إدارية وعمالية أقل:

حين يوظف الوكيل العاملين ويشرف عليهم، تخف عن الشركة أعباء الرواتب والتأمينات والتدريب وشؤون العاملين، وتتحول بعض التكاليف من التزامات ثابتة إلى عمولات مرتبطة بالنشاط.

  1. مرونة في الاستجابة للسوق:

يتخذ الوكيل قراراته التشغيلية المحلية بسرعة أكبر، ضمن سياسات الشركة ومعاييرها.

والخلاصة أن هذا النموذج يحوّل جزءاً كبيراً من التكلفة الثابتة إلى تكلفة متغيرة، ويحدّ من تضخم الهيكل الوظيفي، ويدعم المبيعات عبر معرفته بالسوق المحلي.

 

ثالثاً: الإدارة المباشرة ومخاطرها

(أ) الإدارة المباشرة:

المواقع الوحيدة التي يجب أن تُدار بواسطة الشركة هي مستودعات الإمداد الرئيسية في كل من بورتسودان والجيلي والشجرة، وما عدا ذلك يُدار بواسطة الوكلاء.

(ب) مخاطر تعميم الإدارة المباشرة:

  1. تكاليف ثابتة مرتفعة:

تتحمل الشركة الرواتب والمخصصات والتأمينات والتدريب والإشراف مهما تغيّر حجم المبيعات، فتتضاعف الخسارة عند ركود النشاط.

  1. تضخم العمالة:

فمثلاً، إدارة نحو 80 محطة ومستودعاً إقليمياً بصورة مباشرة تتطلب مئات العاملين لتغطية الورديات والتشغيل والحراسة والخدمات المساندة. وإذا بلغ العدد نحو 700 عامل، فهذا التزام مالي وإداري ضخم يستنزف الموارد التي كان ينبغي توجيهها للاستثمار والتوسع والمنافسة.

  1. ضعف حافز المبيعات:

يتقاضى الموظف راتباً ثابتاً لا يرتبط بالضرورة بالمبيعات أو الأرباح، فيتفاوت الأداء ما لم يوجد نظام حوافز ومساءلة فعّال.

  1. قصور المعرفة المحلية:

قد يُكلَّف موظف بإدارة موقع خارج منطقته، دون علاقات أو إلمام بعملائه، فتضعف قدرته على تنمية المبيعات وزيادتها.

  1. عبء رقابي أكبر:

تحتاج الإدارة المباشرة إلى جهاز واسع لمتابعة العاملين والمخزون والمبيعات والتحصيل والصيانة. وضعف الرقابة الداخلية يرفع مخاطر الإهمال والتجاوزات المالية، لكن أدوات ضبطها في نظام الوكالة أوضح وأقل كلفة.

 

النتيجة:

الإدارة المباشرة لا تصلح قراراً عاماً أو تلقائياً. وإذا عقدنا مقارنة بين نظام الوكلاء ونظام الإدارة المباشرة، فسيكون الخيار الأفضل، قطعاً، هو نظام الوكلاء.

إجراءات بحق الوكلاء:

تداولت بعض الوسائط قرارات بحق عدد من الوكلاء يُنظر إليها على أنها مجحفة. وإن صحت هذه الوقائع، فهي تستدعي مراجعة عاجلة ومحايدة للتحقق من سلامة الإجراءات وعدالتها وتوافقها مع العقود ومصلحة الشركة.

غياب المبرر التجاري:

لا يستقيم أن تقلّص الشركة دور وكلائها أو تُضعف علاقتها بهم دون أن تثبت أن البديل أكفأ وأقل كلفة وأعلى عائداً. وأي تغيير في نموذج التشغيل يجب أن يقيس أثره على المبيعات والتكاليف والعمالة والسيولة والقدرة التنافسية، وكذلك أن يندرج ضمن تقييم شامل لنتائج الدمج.

وفي هذا المقام، يقول الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.

 

الخاتمة:

تمتلك شركة النيل للبترول تاريخاً وخبرات وكوادر وشبكة تجارية تؤهلها لأن تُدار وفق أفضل الممارسات المهنية. ومراجعة نظام إدارة المحطات والمستودعات ليست مسألة إجرائية محدودة، بل قضية تمس كفاءة التشغيل وترشيد الإنفاق وتنمية المبيعات وحسن استثمار الموارد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *