ذكريات شاهد عيان عن ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964
المهندس/ محمد فائق يوسف
سكرتير نقابة المهندسين الشرعية حتى 30 يونيو 1989
خبير الترميم الأثري
الثلاثاء
الثلاثاء العشرون من أكتوبر 1964م. جامعة الخرطوم ـ الناحية الجنوبية من داخلية الدندر بمجمع داخليات البركس. حوالي الرابعة والنصف بعد الظهر. كنا، ساكني الداخلية، مجتمعين تحت الشجرة الظليلة التي أظنها ما تزال قائمة هناك، نناقش مقترح الاتحاد بشأن ندوة يُخطط لانعقادها في الغد حول «مشكلة الجنوب». وكان نظام الفريق إبراهيم عبود قد منع مثل تلك الندوات التي استغلها معارضوه للهجوم عليه.
جلست على حافة الفيراندة. رأيته جالسًا قبالتي، متكئ الظهر على ساق الشجرة الضخمة. لوّحت له بيدي محييًا، فردّ التحية بالطريقة نفسها، وزاد عليها ابتسامة. ما زالت هذه الصورة عالقة بذهني بعد أكثر من سبعة وخمسين عامًا، وتطفر الدموع من عيني كلما استعدتها. كانت تلك آخر مرة رأيت فيها الشهيد أحمد القرشي طه!.
الأربعاء
اليوم التالي، الأربعاء الحادي والعشرون من أكتوبر 1964م. ميدان داخلية عطبرة بمجمع داخليات البركس. حوالي الثامنة والنصف مساءً.
ما كاد المتحدث الأول في الندوة ينهي حديثه إلا وفوجئنا بقوة من البوليس تحيط بالمكان، وضابط يقودها يأمرنا عبر مايكروفون بيده أن نتفرق. لم نتزحزح. استمر المتحدثون. أطلقت القوة سيلًا من القنابل المسيلة للدموع. تدافع الطلاب مبتعدين، بينما البوليس يحتل المكان، مواصلًا إطلاق قنابل الغاز. هنا أخذ الطلاب الغاضبون، وقد تزايدت أعدادهم، يرشقون البوليس بما يجدون تحت أيديهم من الحجارة. وبدأ الاشتباك. وكلما زادت أعداد الطلاب زاد ضغطهم على القوة التي راحت تتراجع إلى الوراء. وكانت قد دخلت، ابتداءً، من عند داخلية البركس، لكن، ولأنها لم تكن تعرف جغرافية المكان، تاهت وتفرقت عند محاولتها الخروج. وبسبب الخوف على أنفسهم، أطلق بعض أفرادها النار، برعونة، في مختلف الاتجاهات، فسقط عدد من الطلاب!.
أحسست بألم شديد في ذراعي الأيمن، ورأيت الدم يتدفق منه، فأدركت أنني أُصبت، فأخذت في التراجع. حاول بعض أفراد القوة ملاحقتي بالسياط والعصي الغليظة! سمعت أحدهم، ربما كان رئيسهم، يصيح: «خلُّوه خلُّوه»! دلفت من أحد الأبواب، ومرقت، كالسهم، من باب آخر. ركضت.. ركضت.. رأيت جمعًا من الطلاب فاتجهت نحوه.. وسقطت.!
صحوت، فوجدتني راقدًا على نقالة، وحولي غابة من الأرجل! جذبت أحدهم وسألته: «أنا وين؟».. أجاب: «في المستشفى.. قُتل أحد الطلاب.. اسمه أحمد القرشي طه».
عند فجر اليوم التالي (الخميس 22 أكتوبر 1964م)، تم نقل الطلاب المصابين إلى الطابق الأول من عنبر بعشر. كان العنبر مبنى جديدًا من طابقين يقع جنوب المبنى الرئيسي لمستشفى الخرطوم التاريخي، وقد أُعد لاستقبال المرضى الذين يعالجهم بروف طه بعشر، وشاءت الظروف أن نكون أول من استقبله من المرضى.
كانت تشرف على العنبر الميترون نعمات مالك، زوجة وأرملة الشهيد عبد الخالق محجوب فيما بعد، بينما تابع الحالات لفيف من الأطباء الذين قاموا بإجراء العمليات الجراحية لاستخراج الرصاص من أجساد البعض ومداواة الجروح. كما تابع الحالات العديد من زملائنا طلاب الطب، إلى أن خرج الجميع من المستشفى، وقد قضيت هناك حوالي خمسة أيام.
ويجدر ذكره أن عدد الطلاب الذين أُصيبوا كبير جدًا، إلا أن حالاتهم لم تتعدَّ آثار السياط والهراوات التي كان يستعملها رجال الشرطة، لذلك فلم يُحجزوا بالمستشفى، ولم ترد أسماؤهم في قائمة الجرحى.
أسماء الطلاب الذين أُصيبوا ليلة الحادي والعشرين، كما نُشرت بعدد جريدة (الصحافة) السري الذي أصدره المرحوم عبد الرحمن مختار في اليوم التالي، الخميس 22 أكتوبر 1964م:
- بابكر حسن (استشهد لاحقًا).
- خالد نجم الدين.
- حسن الوديع السنوسي.
- عثمان البلك.
- خالد الحاج.
- علي إبراهيم أحمد حمود.
- حمزة عبد الله كنة.
- أحمد البشرى.
- محمد الحسن محمد سعيد.
- جلال الدين عباس.
- النور عبد الخالق.
- ياسين الدسوقي.
- محمد فائق يوسف.
- محمد الفاتح الطريفي.
- الأمين عبد الله.
- حمد أحمد المهدي.
- عبد العزيز محمد فرح.
- حسن أحمد عجبنا.
- سليمان عبد الواحد.
- الآنسة سهام مصطفى الصاوي.