لواء شرطة (م) د.عصام الدين عباس أحمد
مستشار تكنولوجيا المعلومات ونظم تحليل البيانات
نقلت الوسائط الرقمية خلال الأيام الماضية تهديدات ودعوات مباشرة لقتل الأستاذة رشا عوض، الكاتبة والمناضلة الشجاعة، وإحدى القامات النسوية التي يفاخر بها شرفاء السودان، لا لشيء سوى أنها جعلت من قلمها لسان حال الملايين، ومن صفحتها الإسفيرية منتجعًا للباحثين عن الحق الضائع بين الرصاصات الصدئة والحروف المسمومة، وأعلنت على رؤوس الأشهاد رفضها عودة النظام الإسلاموي إلى السلطة.
ليس بمستغرب أن تتعرض الأستاذة رشا عوض للتهديد، وأن تطولها أبشع صنوف الأذى، وصولًا إلى التهديد بالاغتيال. غير أن الأخطر في هذه التهديدات ليس مجرد التحريض على العنف، بل إلباس هذه الأفعال الشنيعة ثوب الفضيلة، وتصوير تصفية الخصوم وكأنها عبادة، وتسويق سفك الدماء بوصفه طريقًا للتقرب إلى الله.
ذات الخمر الرديئة في قنانٍ جديدة
توظيف الدين في الصراع على السلطة ليس بالظاهرة المستحدثة، كما أنه ليس حكرًا على مجتمع أو حقبة بعينها. فمنذ العصور الأولى، أدركت قوى سياسية أن الدين، بما يمثله من مكانة روحية وأخلاقية في وجدان الناس، يمكن أن يتحول إلى أداة شديدة التأثير في تعبئة الجماهير، وحشد الأنصار، وإضفاء المشروعية على القرارات والممارسات السياسية. فتم تقديم المصالح السياسية باعتبارها أوامر إلهية، وأصبح الاعتراض على الحاكم، في نظر أتباعه، اعتراضًا على الدين، وتحولت الطاعة السياسية من موقف قابل للنقاش والمراجعة إلى واجب مقدس لا يجوز الاقتراب منه.
فقد عرف التاريخ الإسلامي صورًا متعددة من توظيف الدين في الصراعات السياسية، كما شهدت عصور مختلفة وضع أحاديث مكذوبة ونسبتها إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، لأغراض سياسية. ولا يعني ذلك اختزال تلك العصور في هذه الممارسات، وإنما يعني أن التلاعب بالمقدس ليس أمرًا مستحدثًا.
فقد عمد فقهاء السلطان إلى قلب المعادلة، وبدلًا من أن تكون السياسة خاضعة للقيم الدينية والأخلاقية، يصبح الدين نفسه خاضعًا لمقتضيات السياسة، فتُنتقى من نصوصه التأويلات التي تخدم السلطة، وتُهمَّش المبادئ التي تقيّدها، ويُعاد تعريف الخير والشر وفقًا لما يخدم بقاء الجماعة في الحكم.
في السودان، ارتبط توظيف الدين لتعبئة الناس في الحروب بتجربة حكم امتدت آثارها إلى بنية الدولة والمجتمع، وإلى الطريقة التي جرى بها تعريف الوطن والعدو والمواطن الصالح. فمنذ استيلاء الحركة الإسلاموية على السلطة عام 1989، استُخدم الخطاب الديني لتعبئة الشباب في الحرب الأهلية بجنوب السودان، التي استمرت حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005. وقد صُوّرت الحرب، في قطاعات من خطاب النظام التعبوي والإعلامي، باعتبارها جهادًا دينيًا، وربطت المشاركة فيها بمعانٍ أخروية، من بينها الشهادة والحور العين وأنهار الخمر واللبن.
ففي الوقت الذي كان فيه الخطاب التعبوي يَعِد المقاتلين من الشباب المغرر بهم بالمجد الأخروي، كان السودان يدفع أثمانًا بشرية واجتماعية وسياسية فادحة. فقد وثّقت التقارير ملايين القتلى من بسطاء جنوب السودان ومئات الألوف من الشباب المقاتلين، بينما عانى الشعب من ويلات الحرب والنزوح والتمزق الوطني.
ليس المقصود هنا اختزال حرب الجنوب في عامل واحد، أو أن نتجاهل جذورها التاريخية والسياسية، وإنما أن نضع الإصبع على واحدة من أخطر أدواتها التعبوية، وهي تحويل الحرب السياسية إلى واجب ديني، بحيث يصبح قتل الخصوم مرضاة لله جلّ في علاه، والشك في مبررات الحرب ضعفًا في الإيمان، والموت في سبيل مشروع السلطة طريقًا مضمونًا إلى الجنة.
واليوم، وبعد عقود من تلك التجربة اللاأخلاقية، يعود الخطاب ذاته في ثوب جديد، مع اختلاف السياق والخصوم والوسائل. فقد درجت قطاعات من التيار الإسلاموي وحلفائه على توصيف حرب أبريل 2023 باعتبارها «حرب الكرامة»، وهو توصيف قصد منه استدعاء معاني العزة والدفاع عن الوطن، وإضفاء قداسة مطلقة عليها، وإعفاء مرتكبي الجرائم من المحاسبة، وتصوير كل من يعارض استمرارها أو يرفضها عدوًا للدين والوطن.
حين يصبح قتل الخصم عملًا مقدسًا
إذا كان توظيف الدين لتبرير الحرب كارثة سياسية وأخلاقية، فإن توظيفه للتحريض على قتل المخالفين يمثل انحدارًا أشد خطورة. فالخلاف السياسي، مهما بلغ، لا يمنح حق تهديد حياة الآخر، والاختلاف الفكري لا يحوّل صاحبه إلى عدو يجوز استباحة دمه.
ومن هنا، فإن التهديدات التي استهدفت الأستاذة رشا عوض تستحق إدانة واضحة، ليس لأنها شخصية عامة فحسب، بل لأنها تكشف عن خطر أوسع يواجه المجال العام السوداني؛ إنه خطر تحويل الخصومة السياسية إلى عداوة وجودية، ثم الانتقال من نزع الشرعية عن المخالف إلى نزع حقه في الحياة.
إن استهداف صحفية بسبب آرائها، وتوظيف الدين لتبرير قتلها، يمثل اعتداءً على حرية التعبير وكرامة الإنسان، قبل أن يكون اعتداءً على شخص بعينه. ولا يجوز التقليل من هذه التهديدات ووصفها بأنها مجرد انفعالات وقتية على الوسائط الرقمية. فالتحريض على العنف باسم الدين قد يهيئ المناخ الذي تصبح فيه الجريمة فعلًا مقبولًا مجتمعيًا، بل قد يصل بالبعض إلى اعتباره فعلًا واجبًا يُثاب فاعله بالجنة ويُعاقب تاركه بدخول النار.
قطعًا ليس الإسلام، فأي دين تعتنقون؟
جاء الإسلام بمجموعة مبادئ أخلاقية عظيمة، ووضع في مقدمة هذه المبادئ حرمة النفس الإنسانية، وجعل قتل النفس بغير حق من أعظم الجرائم. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، وقال سبحانه: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في الدين، بل في الذين يحوّلونه إلى أداة للسيطرة، ويستغلون ثقة الناس به لتسويق مشاريعهم السياسية. فثمة فرق شاسع بين التدين الحقيقي بوصفه التزامًا أخلاقيًا يضبط سلوك الإنسان، والتدين السياسي الذي يُستخدم لتعبئة الأتباع وإسكات المعارضين وتبرير العنف.
في التدين الحقيقي، تكون حرمة الدم قيدًا على القوة، وتكون العدالة معيارًا للحكم، ويكون الصدق واجبًا حتى عندما يضر بالمصلحة الذاتية. أما في التدين السياسي، فتصبح القوة دليلًا على الحق، ويُعاد تفسير العدالة وفقًا لمصلحة الجماعة، ويُصنَّف الخصم باعتباره عدوًا لله كي يصبح الاعتداء عليه مقبولًا لدى الأتباع.
إن من يختزل الدين في طاعة تنظيم أو قائد، ويجعل الولاء السياسي بديلًا عن الضمير، لا يخدم الدين بقدر ما يعرّضه للتشويه، ويزرع الشك تجاه الدين في نفوس الأجيال، ويُبعد الناس عن قيمه حين يرون التناقض بين الأقوال والأفعال.
من المسؤولية الأخلاقية إلى المسؤولية الوطنية
لقد أثبتت التجربة السودانية أن توظيف الدين في الصراع على السلطة لا يحقق الاستقرار، ولا يحفظ وحدة البلاد، ولا يبني دولة عادلة. بل إنه يعمّق الانقسامات، ويمنح العنف غطاءً زائفًا، ويؤجل مواجهة الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالحكم والمواطنة والعدالة وتوزيع السلطة والثروة.
إذا كان السودان يريد الخروج من دوامة الحروب، فلا بد أن يواجه هذا الإرث بشجاعة، وأن يفصل بين حق الناس في التدين وبين استغلال الدين لفرض مشروع سياسي بالقوة.
ويقتضي ذلك، أولًا، تجريم التهديد والتحريض على العنف، أيًّا كان مصدرهما، وحماية حرية التعبير، وضمان ألّا يكون الاختلاف السياسي سببًا في تعريض حياة الناس للخطر.
ويقتضي، ثانيًا، ألّا يُترك المجال العام رهينة لمن يوزعون صكوك الوطنية والإيمان، فيصنّفون السودانيين إلى مؤمنين يستحقون الحياة، وخصوم يجب استئصالهم من الحياة.
ويقتضي، ثالثًا، إخضاع جميع الأطراف للمساءلة القانونية والأخلاقية، فلا حصانة لفاعل بسبب معتقداته، ولا إعفاء من المسؤولية لأن جريمته ارتُكبت تحت راية الدين.
أختم بالقول إن الطريق إلى السلام يبدأ بالاعتراف بحق السودانيين جميعًا في الاختلاف والتعبير، والمشاركة في بناء مستقبل بلادهم، دون خوف من الرصاص أو التهديد أو الاتهام في عقيدتهم. وبالتالي، فإن استهداف الأستاذة رشا عوض بالتهديد والتحريض يستوجب النظر إليه بوصفه اختبارًا لضمير المجتمع السوداني، ولقدرته على حماية المجال العام من التطرف والكراهية.
لقد آن للسودانيين أن يدركوا أن الدين الذي يُستدعى لتبرير قتل المخالفين، وللاستيلاء على السلطة، ولفرض إرادة تنظيم بعينه، ليس هو دين الله الحنيف الذي أُنزل على خير البشر محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم.
إن التقرب إلى الله يكون بالعدل والرحمة وصون النفس والصدق. ومن يظن أن ارتكاب الموبقات، وعلى رأسها سفك الدماء، سيصبح عبادة حين يُرفع فوقها شعار ديني، إنما يخلط بين قداسة الدين وأطماع السلطة، ويسيء إلى الاثنين معًا. فالسودان الذي نطمح إليه ليس وطنًا يحتكر فيه أحد الحديث باسم الله، بل دولة يحكمها القانون، وتصون كرامة الإنسان، وتُقاس فيها شرعية السلطة بقدرتها على تحقيق السلام والعدل.
فأيُّ تقرّبٍ إلى الله هذا الذي يبدأ بانتهاك حرماته؟ وأيُّ نصرةٍ للدين تلك التي تجعل دم الإنسان جسرًا إلى السلطة؟.