القاهرة: (ديسمبر)
اعتبر الباحث السياسي والاقتصادي البروفيسور مكي مدني الشبلي مركزية الدولة والتهميش التنموي في أجزاء واسعة من البلاد واحدة من الأسباب المحورية لاندلاع الحروب في السودان، مقترحاً الرجوع إلى النظام اللامركزي وتكوين خمسة أقاليم بدلاً عن نظام الولايات الموجود حالياً، واعتبرها مسألة مهمة ومدخلاً لعلاج مسببات الحروب في السودان، خاصة حرب 15 أبريل الحالية.
وقال مكي الشبلي خلال فعالية تدشين كتابه (ابتناء السودان من شرعية الانقلاب إلى شرعية الانتخاب) بمقهى عندليب الثقافي يوم الأحد 1 نوفمبر، إن الكتاب يركز على أولوية وقف الحرب كمدخل أساسي للأزمة، كما أنه حاول الإجابة عن السؤال حول كيفية بناء دولة قابلة للاستقرار، وبناء انتخابات فعلية قوية وشفافة تؤدي بدورها إلى بناء دولة مؤسسات مستقرة، ابتداءً بتشخيص الواقع وإعادة التأسيس وإنتاج الشرعية، اعتماداً على خمسة مسارات: أمني، وسياسي، واجتماعي، ومدني، واقتصادي.
وأشار الشبلي إلى أن السودان به تداخل لعدد من الإشكالات التي جعلت سمته هي الحروب والصراعات، ومن هذه الإشكالات التداخل بين العمل السياسي والمسلح، خاصة أن المسلحين مارسوا السياسة أكثر من السياسيين أنفسهم، بجانب ضعف المؤسسية وسيادة القانون، والتفاوت الاجتماعي الذي أدى إلى الحروب والنزاعات، وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
وجعل الكتاب وقف الحرب أولوية حاسمة بوصفه المدخل الضروري لأي عملية انتقال سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي. لكنه نبه إلى ضرورة التمييز بين وقف القتال كإجراء أمني عاجل، وبناء السلام بوصفه عملية ممتدة تعالج الأسباب التي أنتجت العنف وتمنع تجددها. ودعا الكاتب إلى أهمية التدرج المنهجي من وقف إطلاق النار وترتيباته الأمنية والإنسانية إلى الحوار السياسي والتوافق الوطني، وصولاً إلى بناء المؤسسات الدستورية والانتخابية.
كما تناول الكتاب أيضاً المسائل الجيلية لبناء السودان منذ استقلاله في العام 1956، ثم جيل (القلق) والانقلابات، وهو الجيل الذي أعقب ثورة مايو، مروراً بفترات عدم الاستقرار حتى اندلاع الحرب الآن. وتضمن الكتاب جزئية خاصة بالجغرافيا السياسية للسودان، مثل قضية مياه النيل والبحر الأحمر والموارد كالبترول والذهب، التي أدخلت البلاد في مشاكل مع دول إقليمية لها مصالحها، كما أورد الكاتب.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي البروفيسور محمد شيخون إن الثورات التي شهدها السودان أسقطت أنظمة، ولكنها لم تبنِ دولة، مؤكداً أن الكتاب قدم مشروعاً لبناء الدولة على أسس قوية، مشيراً إلى أن الأطروحة التي قدمها الكاتب بضرورة اعتماد النظام اللامركزي تمثل النموذج الأمثل لحكم السودان بعد فشل مركزية الدولة في خلق تنمية متوازنة وإسهامها في توليد أحاسيس الظلم والغبن لدى غالبية مكونات الشعب السوداني، كما أشاد برؤية الكاتب حول تفكيك اقتصاد الحرب.
وكان البروفيسور مكي مدني من المساهمين البارزين، من خلال شغله منصب المدير التنفيذي لمركز مأمون بحيري، في طرح رؤى حول السياسات الاقتصادية السودانية والإصلاحات الهيكلية المطلوبة، ومن بينها قضايا الموازنة، وسعر الصرف، والدعم، وإدارة الموارد العامة، والسلام والتنمية. ويُعد مدني واحداً من الأكاديميين السودانيين الذين جمعوا بين التحليل الاقتصادي التطبيقي والعمل المؤسسي والفكري في قضايا التنمية وإصلاح الدولة. وبعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023، وجَّه اهتماماته للبحث عن إطار اقتصادي ومؤسسي للخروج من الحرب، وربط وقف إطلاق النار بإعادة الإعمار وتمكين القدرات المحلية والتنمية المستدامة، بدل النظر إلى الأزمة السودانية باعتبارها أزمة عسكرية وسياسية فحسب.