السودان في ظل الحرب ورهانات المستقبل ومسؤولية الفعل الوطني
بين نار الحرب وأفق المستقبل: سؤال الدولة ومسؤولية التاريخ
وجدي صالح
إعادة بناء الدولة وبناء وطن جديد يقتضي إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، وإعادة هيكلة القطاع الأمني والعسكري وفق عقيدة وطنية تجعل مهمتها حماية البلاد ودستورها ومواطنيها هي جوهر وظيفتها لا السيطرة على السلطة والثروة بقوة السلاح والتسلط على المواطنين باسم الجيش والتسلط على الجيش باسم المواطنين
ليس السودان اليوم مجرد ساحة صراع عسكري فحسب، بل هو مرآة مكشوفة لأزمة دولة تراكمت عبر عقود من الاختلال البنيوي في الحكم، والاختلال السياسي، والتفاوت التنموي، وانكسار العقد الاجتماعي بين السلطة والمجتمع. فالحرب الجارية ليست حدثًا طارئًا، بل هي التعبير الأكثر عنفًا عن فشل تاريخي في إدارة التنوع، وبناء الدولة الوطنية الحديثة، وترسيخ مبدأ الشرعية السياسية القائمة على الإرادة الشعبية والمؤسسات.
إن هذه الحرب كشفت نموذج الدولة، الذي تشكل عبر عقود من الاستبداد والعسكرة واحتكار السلطة والثروة.
إنها حرب على الدولة نفسها وعلى فكرة الشرعية السياسية وعلى التحول الديمقراطي وعلى أهداف ثورة ديسمبر المجيدة، ولقطع الطريق أمام تحقيقها لأهدافها، وعلى إمكانية قيام نظام وطني قائم على المواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون والتداول السلمي للسلطة.
أولًا: الحرب بوصفها نتيجة لا سببًا
تُختزَل الأزمة السودانية أحيانًا في صراع بين قوى مسلحة أو تنازع على السلطة، غير أن هذا التفسير يبقى قاصرًا إذا لم يُقرأ في سياق أعمق. فالحرب هي نتيجة طبيعية لغياب مشروع وطني جامع، ولعجز النخب السياسية والعسكرية عن إنتاج صيغة حكم تستوعب التنوع الاجتماعي والثقافي، وتؤسس لتوازن مستدام بين المركز والأقاليم، وبين المدني والعسكري، وبين الدولة والمجتمع.
لقد كشفت الحرب الحالية حقيقة جوهرية مفادها أن الدولة السودانية لم تنجح تاريخيًا في احتكار العنف المشروع وأدواته، ولا في إخضاع القوة المسلحة للسلطة السياسية المدنية. فقد نشأت المؤسسة العسكرية في سياق سياسي جعلها لاعبًا رئيسيًا في السلطة، لا أداة لحماية الدولة.
لقد قام النظام البائد (نظام الإنقاذ، الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني) بإعادة تشكيل الأجهزة العسكرية والأمنية وفق منطق الولاء السياسي والأيديولوجي، لا وفق معايير المهنية الوطنية، فظهرت جيوش متعددة داخل الدولة الواحدة، وتحول السلاح إلى أداة صراع سياسي واقتصادي، لا وسيلةً وأداةً لحماية الوطن ومواطنيه.
لقد كشفت الحرب هشاشة الدولة السودانية، لا بوصفها مؤسسة قانونية فحسب، بل بوصفها فكرة ومعنى. فعندما تتفكك مؤسسات الدولة، وتنهار منظومة الأمن والخدمات، ويتحول السلاح إلى لغة السياسة الوحيدة، يصبح الوطن نفسه مهددًا في وجوده، لا في استقراره فقط.
ومن هنا فإن الحرب ليست سوى التعبير النهائي عن أزمة عميقة في بنية الدولة المسلحة.
ثانيًا: المستقبل بين سيناريو التفكك وإمكانية بناء وطن جديد
يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي، تتنازعه سيناريوهات متعددة.
الأول: سيناريو التفكك والانقسام
وهو السيناريو الذي تستمر فيه الحرب، وتتعمق فيه الانقسامات الجهوية والإثنية، وتتعدد فيه المليشيات، وتتآكل السيادة الوطنية لصالح تدخلات خارجية ومراكز قوى محلية، من خلال أمراء الحرب ووكلائها، بما يحول السودان إلى فضاء مفتوح للفوضى والصراعات المزمنة، وتكون البلاد مسرحًا للصراع الاقليمي والدولي.
الثاني: سيناريو الجمود والهشاشة
في هذا السيناريو، تتوقف الحرب من خلال ضغوط على أطرافها، أو بتلاقي إرادة أطرافها دون معالجة جذورها، ويعاد إنتاج الأزمة في شكل هدنة هشة أو تسويات مؤقتة، تُبقي الدولة في حالة ضعف دائم.
الثالث: سيناريو إعادة بناء وطن جديد
وهو السيناريو الأكثر صعوبة، لكنه الأكثر ضرورة، حيث تُطرح الحرب بوصفها لحظة كاشفة تستدعي مراجعة شاملة لمفهوم الدولة والسلطة والشرعية، وتفتح الطريق أمام مشروع وطني جديد يقوم على مبادئ متوافق عليها أساسها وحدة السودان والمواطنة، والعدالة، والديمقراطية، وإعادة بناء المؤسسات.
ثالثًا: ماذا يجب علينا أن نفعل؟ من رد الفعل إلى الفعل التاريخي
إن الخروج من مأزق الحرب لا يتحقق بالشعارات ولا بالحلول الجزئية، بل يتطلب انتقالًا واعيًا من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء الدولة ويمكن تلخيص مهام المرحلة التاريخية في أربع مسارات مترابطة.
المسار الأول: بناء مشروع وطني جامع
لا بد من صياغة رؤية وطنية مشتركة وجامعة متوافق عليها تتجاوز الاصطفافات الحزبية والجهوية، وتؤسس لخطاب سياسي جديد يضع مصلحة الوطن والدولة فوق مصالح القوى السياسية والعسكرية، مشروع وطني لا يؤسس ولا يوضع على أساس الأغلبية، بل على التوافق حول مبادئ الديمقراطية والحكم الرشيد، والمواطنة المتساوية، واحترام التنوع وحسن إدارته.
المسار الثاني: إعادة تعريف العلاقة بين المدني والعسكري
تمثل هيمنة المؤسسة العسكرية على المجال السياسي أحد جذور الأزمة بل عُدَّت – من كثرة تسلطها وعملها بالسياسة – كأكبر فاعل سياسي، ومن ثم فإن إعادة بناء الدولة وبناء وطن جديد يقتضي إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، وإعادة هيكلة القطاع الأمني والعسكري وفق عقيدة وطنية تجعل مهمتها حماية البلاد ودستورها ومواطنيها هي جوهر وظيفتها، لا السيطرة على السلطة والثروة بقوة السلاح والتسلط على المواطنين باسم الجيش والتسلط على الجيش باسم المواطنين.
إن بناء جيش وطني واحد بعقيدة وطنية، وأن يبتعد عن أي عمل سياسي واقتصادي ويتفرغ لمهمته الأساسية في حماية الحدود وسيادة البلاد هو ضرورة لا يمكن تجاوزها، إذا أردنا بناء وطن ينعم بالأمن والاستقرار والديمقراطية.
المسار الثالث: العدالة والعدالة الانتقالية بوصفها شرطًا للسلام
لا يمكن تحقيق سلام مستدام دون معالجة إرث الانتهاكات والحروب. فالعدالة والعدالة الانتقالية ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا أخلاقيًا وسياسيًا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ولتحقيق المصالحة الوطنية على أساس العدالة وإنصاف الضحايا وجبر الضرر عنهم وتعويضهم واستعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. وهذا لا يتأتى إلا بضمان عدم إفلات المجرمين من المساءلة والمحاسبة والعقاب، تطبيقًا لمبدأ عدم إفلات المجرمين من العقاب.
المسار الرابع: التوافق على عقد اجتماعي جديد
لقد ظل السودان منذ الاستقلال في حالة من الحروب المستمرة حتى أصبحت الحروب صفة ملازمة لتكوينه. ورغم أن الثورات السودانية المتعددة شكلت ملاحم تاريخية تعكس عظمة نضالات الشعب السوداني في مواجهة الأنظمة العسكرية والشمولية وتطلعه للحرية والسلام والعدالة والديمقراطية وقد توجت هذه النضالات المتراكمة والطويلة بثورة ديسمبر المجيدة من حيث تميزها النوعي بالوعي والتنظيم، وقدرتها على حشد أكبر وأوسع إرادة شعبية؛ تلك الإرادة الشعبية الواسعة التي أفشلت كل القمع والتنكيل ومحاولات الاحتواء والإجهاض من قبل قوى الردة والاستبداد وأمراء وتجار الحروب وقوى التآمر الداخلية والخارجية، تلك القوى، التي أشعلت هذه الحرب اللعينة، التي يدفع الشعب أثمانها الباهظة من حياته ودمائه وتشرده وتخريب موارد بلاده وبنيتها التحتية. هذه الحرب التي أكدت في حقيقتها أن أطرافها هي ذات الأطراف التي وقفت في مواجهة مشروع ثورة ديسمبر الوطني، وعملت على إجهاضه وقطع الطريق أمامه، وهي ذات الأطراف التي تحالفت وخططت ونفذت انقلاب 25 أكتوبر وقطعت الطريق أمام اكتمال إجراءات التحول الديمقراطي، وأشعلت هذه الحرب لذات الاهداف.
نحتاج إلى تحليل صحيح لتراكم وتطور هذه الأزمات والانقلابات العسكرية، التي حكمت البلاد منذ الاستقلال حتى نصل إلى الطريق الصحيح لمعالجتها، ونضع بلادنا في المسار الصحيح؛ مسار الديمقراطية والحرية والسلام والعدالة والتنمية المستدامة.
تحتاج الدولة السودانية إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على توزيع عادل للسلطة والثروة، وعلى لامركزية حقيقية تمنح الأقاليم دورًا فعليًا في صنع القرار، وعلى نظام اقتصادي يحقق التنمية المتوازنة ويكسر دائرة الاختلال التنموي التاريخي، الذي خلق ظلمًا تاريخيًا، كان أساساً وسبباً رئيساً لكل الحروب في بلادنا.
المسار الخامس: مسؤولية القوى السياسية والمدنية والثورية
إن اللحظة السودانية الراهنة ليست مجرد أزمة سياسية، بل اختبار أخلاقي للقوى السياسية والمدنية والثورية والفكرية والاجتماعية، فإما أن ترتقي لمستوى التحدي التاريخي فتنتج مشروعًا وطنيًا جديدًا، أو تستمر في الدوران داخل دوائر الصراع المفرغة وتسليم البلاد للفوضى والتشظي.
بين حتمية الألم وإمكان الأمل
قد يبدو المستقبل السوداني اليوم مثقلًا بالضباب والدمار، غير أن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تولد من رحم الاستقرار، بل من رحم الأزمات الكبرى والمعاناة. فالحرب، بكل مآسيها، قد تتحول إلى لحظة بناء جديدة، إذا ما امتلك السودانيون الشجاعة الفكرية والسياسية لإعادة طرح سؤال الدولة، لا بوصفه سؤال السلطة، بل بوصفه سؤال الوجود الوطني ذاته.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مجرد وقف للحرب فحسب، بل إلى ثورة في الوعي السياسي، وإلى مشروع وطني يعيد تعريف معنى الدولة، ومعنى المواطنة، ففي هذا المفترق التاريخي، لا يكون الخيار بين الحرب والسلام فحسب، بل بين دولة ووطن يتجدد بالحكمة.