فبراير الذكرى 17 لرحيل الطيب صالح
رواية بندر شاه (ضو البيت/ مريود)
تأملات، بعد ضياع الحلم، بين المادة والروح
أماني أبو سليم
جاءت ثنائية بندر شاه (ضو البيت/ مريود) للطيب صالح بعد روايتين، لتكون شيئاً بين الحلم والطيف والواقع. تتشابك الأحداث دون تسلسل زمني، تعتمد على حالات الراوي أو البطل التأملية، واسترجاع ذكريات طفولته وشبابه.
الطيب صالح حكى الحكايات في (عرس الزين) و(موسم الهجرة إلى الشمال)، وترك بها استفهامات وبعض الغموض. ادّخر التأملات والتأويل والخلاصات، ليكتب بها مونولوجه في ثنائية ( بندر شاه).
تركنا هناك مع حكايات ومشاهد تعيد نفسها من الغريب، القادم من جهة معلومة إلى مجتمع قرية ود حامد، مهمَلاً لا أحد يراه أو يحس به، والغريب الذي يهبط فجأة بلا تاريخ أو هوية ويجد قبولاً وترحيباً. حكايات تتكرر عبر الأجيال من تشابه الحفيد والجد وضعف تأثير الآباء. ليأتي في ( بندر شاه) ويخترق طبقات الحكاية. لم تكن ذات الحكاية، رواها من وجهات مختلفة للنظر، وإنما رؤى متعددة لذات الحكاية، ولكن عبر طبقات مختلفة في أبعاد وثنايا الكون لتجليها.
عبر التاريخ، الذي روى فيه الطيب صالح حكاياته في قرية ود حامد، عبر خمسة أجيال، وفد إلى القرية عدد من الغرباء اختلفوا في ملامحهم وأدائهم وعلاقتهم بالقرية؛ من النبذ وعدم القيمة إلى التمجيد والثناء وقبول تزويجهم من بنات القرية. في كل الحالات يترك الغريب بعد موته أو اختفائه ذرية. الغريب الأكثر جدلاً هو مصطفى سعيد، لأنه وفد غريباً على القرية ومعكوسة صورته غريباً في أوروبا أيضاً.
في ثنائية (بندر شاه) ندخل طبقات ذرية غريبيّن، ضو البيت وابنه عيسى (بندر شاه) وأبنائه وحفيده (مريود)، والذي كان مرحَّباً به وزُوِّج من أُسر أهل القرية. والغريب الثاني حسن أو بلال الذي تزوج فاطمة بت العريبي التي تركها والداها الغريبان بعد موتهما بالقرية، وابنه الطاهر ود الرواسي الذي سيكون أحد مراكز السرد في الرواية. ونمر على الغريب أيضاً سعيد البوم الذي تمكن بالتحايل أن يناسب أسرة كبيرة، وكان من الوافدين محدودي القيمة لأهل القرية.
في طريقة سرد تشبه الأساطير والأحلام والطيف، ينقلنا الكاتب بين البطل الراوي وجده، ومريود وجده بندر شاه، الطاهر ود الرواسي وأبيه بلال (روايات متعددة لأبيه تتقاطع واحدة منها مع بندر شاه)، كأنه يدخل ليفكك من ناحية ويربط من ناحية أخرى بين الواقع والوهم، بين الحقيقة والحلم لحكاية واحدة تُحْكى كأنها طبقات من الوعي بين المادة والروح، تختلف حسب درجة مادية وروحانية من يحكي.
نفس المصدر، بندر شاه جداً لمريود من ناحية، وجداً للطاهر (مع بعض الغموض) من ناحية أخرى، يمثل في حالة مريود مصدراً للقوى الخارقة، التي تجلب المادة والثروة والقوة بالشر والجبروت. ويمثل في حالة الطاهر نقاءً ومحبةً صافية مع زهد في الثروة والقوة، وقلةٍ حتى في المعروف من العبادات، ولكن مستحضراً وقفته أمام الله، لا حاملاً من عملٍ غير المحبة.
بين هذين الضدين؛ من جيل الأجداد والضدين من جيل الراوي، تتفاوت الشخوص بين المادية والروحانية والعمل والعطاء والفائدة للمجتمع، وفي كل ذلك يتقاطع ويتشابه البطل الراوي وجده مع مريود وبندر شاه وهو يبحث عن ذاته وقيمته وحلمه.
تتكرر أحداث ومواقف عبر الأجيال في ود حامد، حدث وفود الغريب وموقف القرية منه. حدث أن أحد أهم الفاعلين في القرية ويوصف بأنه فارس بر يكاد يغرق وهو مع رفاقه، ولا يستطيع رفيقه الموصوف بالتمساح العشاري أن ينقذه. في حالة حسب الرسول في جيل الجد أنقذه ضو البيت الغريب واختفى. محجوب في جيل الراوي أنقذه الطاهر وبقي بينهم. ذلك كناية عن تشابه الحياة على الأرض مع اختلاف الزمن، وتشابه البشر في تدرجهم بين المادية والروحانية.
لذات الوظيفة في الرواية ستتكرر شخصية الشيخ عبر الأجيال، كمدد ومرجع روحي متفق عليه. سيتكرر مشهد صلاة الفجر في الجامع، المشهد الذي يربط بين طبقات الكون المادية والروحية، بين الخرافة أو الوهم، أو الحلم والواقع.
حكاية مريود وجده بندر شاه مع تعدد رواياتها، في مقابل حكاية الراوي وجده أحمد، يأخذنا فيها الكاتب مع تأملاته كيف يترك الناس التمسك بالماضي ومحاولة التحكم في المستقبل يسيطران على حالهم الحاضر؛ إما يهملانه أو يعذبانه أو يكبلانه، وكيف ينساق المستقبل لجبروت الماضي فيمضي معه مكرهاً في سحق الحاضر، وفي ذلك تتبعثر الأحلام، وتتسرب القوة، ويمضي العمر، ليواجه الحاضر (البطل/ الراوي) ذاته مسلوبة الإرادة، ضائعة الأحلام، تبحث عن قيمتها عند الآخرين، متأرجحاً بين الانتماء للمكان والغربة عنه. ينشد صداقة الطاهر، صافي القلب، ومتطابقاً في كثير من الأحيان مع مريود النسخة المصنوعة بإرادة الجد.
ثنائية بندر شاه (ضو البيت/ مريود) سكب فيها الطيب صالح تأملاته في أمر الدنيا، التي حوَّشها منذ كتب (موسم الهجرة إلى الشمال) و(عرس الزين). حكى هناك الحكاية، وأجّل الأسئلة والتأمل ومحاولات الإجابة وشحَنها في ( بندر شاه) بطاقتي النور والظلام، الخير والشر، الروح والمادة، الآخرة والدنيا، واصلاً لإحدى الخلاصات على لسان الطاهر ود الرواسي ابن بلال العبد وفاطمة بت العريبي: “ملت قلبي بالمحبة حتى صرت مثل نبع لا ينضب، ويوم الحساب يوم يقف الخلق بين يدي ذي العزة والجلال، شايلين صلاتهم وزكاتهم وحجهم وصيامهم وهجودهم وسجودهم سوف أقول: يا صاحب الجلال والجبروت عبدك المسكين الطاهر ود بلال ولد حوا بت العريبي، يقف بين يديك خالي الجراب، مقطع الأسباب، ما عنده شي يضعه في ميزان عدلك سوى المحبة.”
وختم الرواية بحديث مريم بعد موتها، وهي الحلم الذي لم يتمسك به البطل/ الراوي فأفلت منه حاضره لصالح الماضي ووصل مستقبلاً مشوهاً، قالت: “وا حسرةً عليك يا محبوبي، خير الزاد أنا، إنني مفارقتك من هنا، لا شبع لك من بعدي ولا ري. لا شفيع ولا نجيّ”.
وحين حاول أن يصلح الخطأ، ويقول نعم للحلم، للحاضر، للحياة… طريق العودة كان أشق لأنني كنت قد مشيت.