في محبة شرحبيل أحمد

في محبة شرحبيل أحمد

السودانيون في مصر يحتفون بمسيرة عطائه

 

ليلة شرحبيل.. حين يصبح الفن ذاكرة وطن

قبل بضعة أشهر، اجتمعت ثلّة من محبي السودان ورموزه الثقافية، ممن يعرفون قدر الموسيقار والتشكيلي والأستاذ الجامعي والرياضي شرحبيل أحمد، ليضعوا لبنة مشروع وفاء يليق بقامة استثنائية.

قاد هذه المبادرة الربّان الماهر وصديق شرحبيل وجاره في ضاحية الرياض بالعاصمة الخرطوم، الدكتور نصر الدين شلقامي. ما بين الاجتماع الأول في دار شلقامي في الرابع من أغسطس 2025، والاجتماع السادس عشر والأخير في التاسع عشر من يناير 2026 ، تواصل العمل الدؤوب في الإعداد والتنسيق، وبناء الشراكات، وتلاقح الأفكار، بروح جماعية أدركت منذ البداية أن التكريم ليس فعلاً احتفالياً عابراً، بل رسالة ثقافية وإنسانية.

استصحب القائمون على المشروع التأثير العميق الذي تركه شرحبيل أحمد في الوجدان السوداني على وجه الخصوص، والأفريقي على وجه العموم.

في قاعة الأوبرا المصرية كانت له صولات وجولات، وفي أديس أبابا تُسمع موسيقاه بشغف، وعلى الطريق إلى لاغوس تُباع أسطواناته، وفي الإذاعة التشادية يصدح صوته بأغنية “ستار يا ليل”.

شرحبيل هو لاعب الجمباز الذي تمرّن عند الريفيرا على شاطئ النيل، وسجّل اسمه في كشوفات نادي الهلال وهو بعدُ صبي لم يبلغ الحلم. مارس عزف الموسيقى في وقت مبكر، قبل أن يصقل موهبته بالدراسة، وينقل الأغنية السودانية إلى أفق الحداثة بإدخاله آلة الجيتار للمرة الأولى، بل وصنعها بيده. هكذا تشكّلت مدرسة الجاز السودانية، مدرسة كان من سماتها الأساسية الالتزام الصارم؛ فمن شهد بروفات الليلة الختامية رآه يدقق ويصحح كأنه معلم في صف دراسي.

ولا يمكن الحديث عن هذه التجربة دون الإشارة إلى السيدة الفضلى حرمه زكية أبو القاسم، أول سيدة تعزف آلة الجيتار في السودان، في خطوة فتحت الباب أمام كثير من الفتيات لولوج ساحة النغم بثقة وشغف.

لماذا الآن؟

تأتي هذه المبادرة في ظل الحرب اللعينة التي أحرقت الأخضر واليابس في السودان، وما صاحبها من هجرة قسرية وتشتت السودانيين في أصقاع العالم، واستمرار رحيل المبدعين، وآخرهم الفنان الدكتور عبد القادر سالم – تغمده الله بواسع رحمته – الذي جرى تكريمه في ذات الليلة.

كان الهدف واضحًا: استبدال ثقافة التأبين بثقافة التكريم، والاحتفاء بالمبدعين وهم بيننا.

 

ملامح النجاح

تجلّت ملامح النجاح في كثافة الاجتماعات، وروح الانسجام بين فرق العمل، والتخصصية، وحيوية الشباب. كما أسهمت الفعاليات القبلية (القيدومات) في مركز ضي، التي اهتمت بالتشكيل وتعليم الأطفال الرسم، وكذلك فعالية المركز الثقافي الفرنسي الذي امتلأت ساحاته بمحبي شرحبيل. وجاءت ليلة الختام تتويجاً لكل ذلك، مدعومة بما كُتب ونُشر في الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، وبالرسائل التي وردت للجنة العليا، لتؤكد جميعها النجاح المستحق لملك الجاز والنجم الأبرز في الأغنية السودانية الحديثة.

منذ بزوغ الفكرة، أخذت شركة سوداني للاتصالات زمام المبادرة، وأعلنت شراكتها في تكريم هذا الهرم الفني والرمز الأفريقي، ودفعت بثلاثة من منسوبيها في اللجنة. وقال المهندس مجدي طه، الرئيس التنفيذي لسوداني، في كلمته مخاطبا الحضور إن هذا التكريم لفنان شامل، مغنٍ وموسيقي وفنان تشكيلي، نقل الفن السوداني إلى العالمية دون أن يفقده روحه وهويته، مؤكداً أن شرحبيل لم يكن فنان الكبار فقط، بل جزءاً أصيلًا من ذاكرة الطفولة.

لاحقاً انضمت إلى رعاية الفعاليات شركات بزيانوس وجياد، وبدر للطيران، والشرق الأوسط للتأمين، إلى جانب عدد من رجال الأعمال.

وجد مسرح الجلاء تقديراً واسعاً من الحضور واللجنة العليا والسفارة السودانية، بعد أن ذلل مديره اللواء أحمد صالح كل العقبات، ليعانق شرحبيل المئات من جمهوره. وكان لدعم اللواء حاتم باشات، والسفير ياسر سرور، والوزير المفوض كريم مختار أثر بالغ في إنجاح الليلة.

ضمت اللجنة العليا، بقيادة الدكتور نصر الدين شلقامي، الأستاذ ماجد سعيد أمينًا عامًا، ومنى الرشيد مسؤولًا للإعلام، وبكري البر لجنة البرامج، ونعمات الزبير لجنة الدعوات، وأبوعبيدة ميرغني لجنة التنظيم، وعبد الرحمن سوركتي اللجنة الفنية، وأحمد محمد عبد الله نائب اللجنة الفنية، إلى جانب عضوية عمر عشاري، وطاهر المعتصم، ومواهب إبراهيم، ووليد عابدين، وعادل شريف، وياسر السيد، وإيمان يوسف، وإيماض مفضل، وليلى علي، وشيماء الأمين، ودعاء إبراهيم، ومنى أحمد، ونهى كباشي. وكان للجنة التنظيم والمراسم، المكونة من اثنتين وعشرين شابة وشاباً، القدح المعلى في نجاح الليلة.

واختتمت الفعالية بتقديم حقيبة تذكارية من اللجنة وشركة سوداني، ضمت كتاباً يوثق لمسيرة شرحبيل أحمد، في لفتة تختصر المعنى الحقيقي للتكريم وحفظ الذاكرة، والاحتفاء بالجمال، ورد الجميل لمن صنعوا وجداننا.

 

اللجنة العليا لتكريم الفنان الكبير

شرحبيل أحمد

القاهرة – يناير 2026

 

ليلة تكريم شرحبيل أحمد.. حين يصبح الفن موقفاً أخلاقياً ورسالة سلام

منى الرشيد نايل

في ليلة استثنائية بالقاهرة، اجتمع السودانيون ومحبو الفن على محبة الموسيقى وقيم الجمال، لا ليشهدوا احتفالًا عابراً، بل ليشاركوا في لحظة وفاء صادقة لمسيرة الفنان الكبير شرحبيل أحمد، ذلك الاسم الذي ارتبط في الوجدان الجمعي بمعنى الفن النبيل، وبالقدرة على تحويل الإبداع إلى رسالة سلام وتلاقٍ إنساني.

لم تكن ليلة التكريم مجرد استعادة لذكريات جميلة، بل كانت وقفة تأمل في تجربة فنية اختارت منذ بداياتها أن تنحاز للقيمة قبل الشهرة، وللمعنى قبل الضجيج. شرحبيل أحمد، كما عرفه جمهوره، لم يكن صوتاً غنائياً فقط، بل مشروعاً ثقافياً وأخلاقياً، آمن بأن الموسيقى لغة كونية قادرة على تهذيب الوجدان، وكسر العزلة، وبناء الجسور بين البشر .

جاء التكريم ضمن برنامج متكامل، امتزجت فيه الموسيقى بالذاكرة، واستُحضرت محطات من عطائه الفني والإنساني، ذلك العطاء الذي تجاوز حدود الأغنية ليصير رؤية للحياة وموقفاً من العالم. فقد أسهم شرحبيل في تحديث الذائقة الموسيقية السودانية، وفتحها على آفاق جديدة، دون أن تنفصل عن جذورها أو تفقد أصالتها .

تميّزت الأمسية بحضور نوعي من رموز الثقافة والفن والإعلام، حضور لم يكن شكليًا بقدر ما كان تعبيراً عن إجماع وجداني على قيمة المحتفى به، وعن الاعتراف بتجربة لم تكن فردية أو عابرة، بل مدرسة كاملة في الاختيار والالتزام واحترام المتلقي. كان المشهد كله يقول إن شرحبيل أحمد ليس ذكرى جميلة فحسب، بل أثراً حياً لا يزال فاعلًا .

وفي لوحة الختام، جاءت أغنية “الليل الهادي” كذروة وجدانية للأمسية، لا بوصفها أغنية شهيرة، بل كحالة شعورية جامعة. انسابت الكلمات والألحان بهدوئها المعروف، وتجاوب معها الجمهور بعفوية صادقة، مردداً المقاطع، ومستسلماً لذاكرة مشتركة بدت كأنها تعيد ترتيب اللحظة وتمنحها معناها الكامل. كان التفاعل لافتًا، لا تصفيقاً عابراً، بل مشاركة وجدانية أكدت أن الفن الحقيقي يعيش في الناس وبهم.

بدت تفاصيل التنظيم منسجمة مع روح الليلة، من تنوع الفقرات إلى الرسائل التي حملتها الكلمات والموسيقى، في إحساس عام بأن التكريم لا ينتمي إلى الماضي وحده، بل يوجّه سؤالًا للحاضر: ما الذي يمكن للفن الجاد أن يفعله في زمن القسوة والاضطراب؟ وجاء الجواب هادئاً وواضحاً.. أن يظل شاهداً على الجمال، ومنحازاً للسلام .

انتهت ليلة التكريم، لكن أثرها بقي حاضراً، كعلامة مضيئة في الذاكرة، وكدليل على أن الفن الصادق لا يشيخ، وأن المبدعين الكبار يواصلون أداء دورهم حتى وهم في مقام التكريم. كان الاحتفاء بشرحبيل أحمد احتفاءً بالفن حين يكون إنسانياً، وبالإنسان حين يختار أن يجعل من موهبته جسراً للمحبة .

 

في محبة شرحبيل..

طاهر المعتصم

لم أستغرب أن يكون تكريم الموسيقار شرحبيل أحمد يصادف اليوم العالمي للثقافة الإفريقية بحسب الأمم المتحدة، إذ إنها تحتفل بالثقافات المتعددة والفاعلة في إفريقيا. وشرحبيل أيقونة إفريقية من أرض النيلين، له سيرة ومسيرة ماسّية في الإبداع والتميز.

يقول صلاح براون أحد أبرز مغني الجاز في السودان، إن أول من أدخل آلة الجيتار في السودان هو شرحبيل.

وفي عصر السودان الذهبي كانت وزارة المعارف تهتم بثقافة الطفل، وتصدر له مجلة أسبوعية، كان شرحبيل أحد أهم مؤسسيها ومبتدع شخصيات عدة، أبرزهم (عمك تنقو)، وقد وهب المولى شرحبيل موهبة الرسم، وله معارض عدة آخرها أقيم في (ضي) و(المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة).

في حديث لـ(سُمّار بودكاست) أفاد أنه بدأ رياضة (الجمباز) في الثانية عشرة من عمره، وانضم لنادي الهلال. ومن الطرائف أنه عندما كان يقيم بضاحية (أمبده) كان يستمع إلى مساعدي سائقي الحافلات العامة، ينادون (شرحبيل)، عندما خرج ليعرف من يناديه، أخبره أحدهم أن مكان منزله أضحى محطة موصلات أطلق عليها شعبياً اسمه.

بالأمس تنادت جموع السودانيين بمصر، ومعهم ثلة كريمة من أهل مصر، استجابة لدعوة تكريمه التي أطلقتها اللجنة المُكرمة وشريكتها شركة سوداني للاتصالات بمسرح الجلاء بالقاهرة.

تبارى زملاؤه مثل يوسف الموصلي ودكتور الفاتح حسين في أداء أعماله، ومجموعة من أبنائه وأحفاده، ومغنين ومغنيات في التغني بأغنياته، في ليلة أدخلت السرور على المحتفى به وحرمه الشاعرة والملحنة زكية أبوالقاسم، وعلى جموع الحاضرين من أجيال مختلفة، أتوا يقولون شكراً جميلاً شرحبيل ملك الجاز..

وشكري للجنة المنظمة وشبابها الورود المتفتحة في التنظيم.

 

خلف كواليس تكريم شرحبيل أحمد..

 155 فردًا و150 يومًا من العمل المتواصل لإخراج (ليلة الوفاء) بمظهر أسطوري

هنادي عبداللطيف

 

كشف الأستاذ ماجد سعيد يعقوب، الأمين العام للجنة تكريم الفنان القدير شرحبيل أحمد، عن الأرقام “الملحمية” التي سبقت خروج حفل التكريم بهذا المظهر المشرف على خشبة مسرح الجلاء التابع للقوات المسلحة بالقاهرة، مؤكداً أن النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج تخطيط دقيق وعمل دؤوب.

 

ملحمة التنظيم في أرقام:

أوضح الأمين العام أن التحضيرات لهذا الحدث الضخم امتدت لنحو 5 أشهر (150 يوماً) من الاجتماعات والترتيبات المستمرة، شارك فيها جيش من المنظمين بلغ عددهم 155 فرداً، تم توزيعهم على لجان متخصصة شملت:

اللجنة الإعلامية: بقيادة أ.منى الرشيد نايل التي تولت التغطية والترويج.

لجنة التنظيم: بقيادة أ.أبو عبيدة ميرغني لمتابعة لوجستيات الحفل.

لجنة الدعوات: بقيادة د.نعمات بشير لضمان انسيابية حضور الشخصيات الرفيعة والجمهور.

واللجنة الفنية: برئاسة أ.عبدالرحمن سوركتي.

ولجنة البرامج المصاحبة بقيادة أ.بكري البر.

إشادة جماهيرية واسعة:

وقد أبدى الحضور إعجابهم الشديد بالدقة المتناهية في التنظيم، حيث ظهرت مجهودات اللجان في كل تفصيلة “صغيرة وكبيرة” داخل الحفل. وأجمع المتابعون على أن اختيار مسرح الجلاء العريق أضفى صبغة من الهيبة والرقي على الفعالية، مما جعل المخرجات تليق تماماً بعظمة المحتفى به “ملك الجاز”.

وختم الأستاذ ماجد سعيد حديثه بالإشادة بـ”الروح الجماعية” التي كانت المحرك الأساسي للفريق، مؤكداً أن الهدف منذ اليوم الأول كان تقديم مجهود استثنائي يوازي قيمة الفنان شرحبيل أحمد وتاريخه الفني الطويل.

 

سلام شرحبيل

عمر عوض

 

كانت ليلة تشبه شرحبيل أحمد،

هادئة، عميقة ومليئة بالحب.

تكريم ملك الجاز السوداني لم يكن حفلاً، كانت رحلة في الذاكرة وفي القلب وفي السودان الجميل الذي نفتقده ونشتاق إليه.

منذ لحظة دخوله على،

“لو بتعرف الشوق”

عرفنا أن الشوق نفسه كان واقف في القاعة يصفق.

وعندما عزف دكتور الفاتح حسين،

“قلبي دق”

لم يكن اللحن وحده من يدق،

فقلوبنا كلها كانت على نفس الإيقاع.

ثم شرحبيل يغني لعبد الحليم،

“أهواك”،

فطار بنا الزمن إلى أيام الهوى

إلى زمن كانت فيه الأغنية وعداً،

وكان الحب بسيطاً وصادقاً.

سكوري

بصوته النوبي أخذنا مع،

“لو تعرف الشوق”

فسافرنا دون حقائب

إلى بورتسودان

إلى رائحة البحر

إلى أرض السودان.

وأوركسترا التبر

مع يوسف الموصلي أعادت لنا،

“مين في الأحبة”

فعدنا طلاباً في قاعات الدراسة

نحلم

ونصدق أن الفن هو الخلاص.

وفي هذه الأمسية

اكتشفت صوتاً جميلاً

سليمان محمد حيث تغنى،

“تعال يا ليل”

فجاءه الليل جرياً من قمة أدائه.

ثم جاءت أسرة شرحبيل أبناؤه وأحفاده حتى الجيل الثالث وأتحفونا،

“بتقول مشتاق”

فسأل كل واحد منا قلبه

عن شخص

عن زمن

عن وطن.

وقام المسرح وما قعد على كلمات،

“اللابس البمبي”

بأصوات كورال لا أجد لها مستقبلاً إلا في الأوبرا بقياده د.النور حسن.

واختتمت الأسرة الجميلة

ليلتنا الهادئة،

بـ”الليل الهادي”

فهدأ كل شيء

إلا إعصار الشجن.

شكراً شرحبيل احمد

لأنك لم تكن فناناً فقط، كنت زمناً جميلاً عشنا فيه وما زال يعيش فينا.

وشكراً للجنة المنظمة

لأن بعض الليالي تنجح فقط

حين يصنعها محبون

يعرفون كيف يصنع النجاح.

ليلة لا تنسى

لأنها لم تمر على المسامع فقط

بل مرت على القلوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *