الدولة السودانية: قراءة سياسية في الجذور لا في الأحداث (4)

الدولة السودانية: قراءة سياسية في الجذور لا في الأحداث (4)

الاقتصاد السياسي، النخب، والثقافة السياسية: تثبيت الاختلال البنيوي

بقلم: صفاء الزين

 

في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة، جرى تحليل أزمة الدولة السودانية من زاوية النشأة وإعادة الإنتاج، ثم من زاوية المؤسسات الحاكمة التي عملت داخل فراغ الدولة بوصفها فكرة جامعة. وقد أظهر هذا المسار أن الخلل لم يكن حادثة طارئة، أو مرتبطاً بأخطاء إدارة ظرفية، وإنما نابع من بنية عميقة أعادت إنتاج نفسها عبر الزمن. في هذا الجزء، ينتقل التحليل إلى المستوى الذي ترسّخ فيه هذا الخلل وتحول إلى نمط مستقر نسبياً، عبر الاقتصاد السياسي، ودور النخب، والثقافة السياسية السائدة.

 

الاقتصاد السياسي وحدود الدولة

لم يتشكل الاقتصاد في السودان كحقل عام يعكس توازن المصالح داخل المجتمع، وإنما نشأ مرتبطاً بمركز السلطة، ومتأثراً بتقلبات الحكم والتحالفات السياسية المتغيرة. هذا الارتباط جعل الموارد الاقتصادية أداة لإدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث ارتبطت فرص الوصول إلى الثروة بمواقع القرب من دوائر القرار، لا بمبدأ المواطنة أو الكفاءة.

وقد أدى ذلك إلى إضعاف قدرة الدولة على أداء دورها التنموي، وتحول الاقتصاد إلى مساحة تنافس سياسي تتبدّل قواعدها مع تبدّل موازين القوى. ومع غياب استقرار السياسات الاقتصادية، تآكلت الثقة في مؤسسات الدولة، وتراجعت قدرتها على بناء التزامات طويلة المدى تجاه المجتمع، فصار الاقتصاد عاملاً من عوامل إعادة إنتاج الهشاشة، بدلاً من أن يكون رافعة استقرار.

 

 

النخب بين التمثيل وإعادة التمركز

أدت بنية الاقتصاد السياسي هذه إلى إعادة تشكيل النخب السياسية والاجتماعية بصورة تعكس اختلال الدولة. وبدلاً من أن تتكوّن النخب بوصفها جسوراً تمثيلية بين المجتمع والدولة، تشكّلت في حالات عديدة كشبكات مصالح ترتبط بالمركز. هذا التمركز حدّ من الدور النقدي للنخب، وحوّل جزءاً منها إلى أدوات تبرير أو إدارة للأزمة. كما أن النخب الإقليمية واجهت صعوبات بنيوية في التحول إلى فاعل وطني مستقل، إذ ارتبط تأثيرها بقدرتها على التفاوض مع المركز، وليس بقدرتها على تأطير قواعد اجتماعية واسعة تمتلك صوتاً سياسياً حقيقياً. وقد عزَّز ذلك منطق الصفقات القصيرة، وأضعف إمكان تكوين مشروع وطني يتجاوز الانتماءات الضيقة.

 

الثقافة السياسية وإدارة الأزمة

ساهمت الثقافة السياسية السائدة في ترسيخ هذا المسار، حيث جرى التعامل مع السياسة باعتبارها وسيلة لإدارة الأزمات المتلاحقة، لا باعتبارها مجالاً لبناء اتفاقات طويلة المدى. ومع الزمن تحول الانتقال السياسي المستمر إلى جزء من الوعي العام، وصار الاستثناء قاعدة، مما أضعف توقعات المجتمع من الدولة، وخفّض المنسوب الأخلاقي للضغط الشعبي من أجل بناء مؤسسات مستقرة. في هذا السياق، تراجعت مكانة القواعد العامة وتقدمت الحلول الظرفية، وصار التكيف مع الواقع المختل سلوكاً سياسياً متوارثاً. هذه الثقافة لم تظهر خارج بنية الدولة، وإنما تشكّلت داخلها وأسهمت في إعادة إنتاجها عبر الأجيال المتعاقبة.

 

من الاختلال البنيوي إلى الجغرافيا السياسية

مع تحليل الاقتصاد السياسي، ودور النخب، والثقافة السياسية، يتضح أن هذا الاختلال انتقل من مستوى الفكرة إلى مستوى الجغرافيا. الدولة التي تُدار من مركز ضيق، وتتشكل مصالحها عبر شبكات محدودة، تنتج علاقة غير متوازنة مع أطرافها، حيث تتحول الأقاليم إلى ساحات تنفيذ، لا إلى شركاء في صياغة القرار العام. هذا الوضع لم يكن نتاج ظرف عابر، وإنما امتداد منطقي لبنية اقتصادية وسياسية تتركز في المركز، وتعيد تعريف المصلحة الوطنية من منظور محدود. ومع مرور السنوات تراكمت هذه البنية، وظهرت في صورة توترات مستمرة بين المركز والأقاليم، تعكس غياب المشاركة الحقيقية وضعف الإحساس بوجود دولة تمثِّل الجميع.

 

الدولة كإطار غائب

تكشف هذه المستويات أن أزمة السودان لا ترتبط بنقص موارد أو مواهب، وإنما ترتبط بغياب الدولة بوصفها إطاراً أعلى ينظم العلاقة بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع. عند غياب هذا الإطار تتحول المؤسسات إلى أدوات، وتتحول النخب إلى وسطاء مصالح، وتتحول الثقافة السياسية إلى آلية للتكيف مع الخلل.

هذا الوضع يجعل أي إصلاح جزئي سريع الانحدار نحو الانتكاس، لأن البنية التي تعيد إنتاج الأزمة تبقى قائمة، ومعالجتها تتطلب نقلاً للنقاش من إدارة الأزمات إلى إعادة تعريف الدولة نفسها، ودورها، وحدودها، وموقعها من مواطنيها.

 

خاتمة

تحليل الاقتصاد السياسي، والنخب، والثقافة السياسية يوضح أن اختلال الدولة السودانية جرى تثبيته عبر الزمن وتحويله إلى نمط شبه مستقر. هذا النمط امتد من مركز البلاد إلى علاقتها بأقاليمها، حيث ظهرت أزمة المشاركة بوصفها تعبيراً عملياً عن هذا الخلل. ومن هنا يصبح الانتقال إلى تحليل العلاقة بين المركز والأقاليم خطوة تفسيرية ضرورية تكشف كيف يُعاد إنتاج الدولة الهشة عبر الجغرافيا السياسية، وكيف يتحول الإقصاء المتراكم إلى عنصر دائم في تكوين الحكم. هذا الانتقال من التحليل البنيوي إلى البُعد الجغرافي والسياسي يشكل جسرًا للجزء القادم، حيث سيُدرس أثر المركزية على المشاركة السياسية والاقتصادية، وكيف يمكن لكسر دوائر الإقصاء المتراكمة أن يمهد الطريق لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر شمولية وعدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *