مقاولون للفتنة: كيف تحولت دماء السودانيين إلى أموال في جيوب اللايفاتية والقونات؟
محمد الأمين عبد النبي
في الوقت الذي تصارع فيه بلادنا مخاطر التقسيم، وبينما يقتسم البسطاء في مراكز النزوح “لقمة الصمود”، ويوثق الشرفاء ملاحم التكافل بمدادٍ من نور، برزت على الجانب المظلم ظاهرة لا تقل خطورة عن أزيز الرصاص؛ إنهم “مقاولو الفتنة”. أولئك الذين استبدلوا أمانة الكلمة بصراخ “اللايفات”، وحوّلوا أنين الضحايا إلى “تريند”، لتغدو دماء السودانيين عندهم مجرد أرقام تتصاعد في أرصدة بنكية. وهنا يبرز التساؤل: ما الذي يجعل محتوى هادفاً يزرع الأمل يمر باهتاً بلا صدى؟، بينما تحصد تفاهة القونات واللايفاتية ملايين المشاهدات؟.
إن الفارق بين المحتوى الهادف والمحتوى الهابط في زمن الحرب ليس مجرد فرق في الجودة، بل هو فرق في الأثر. فبينما يسعى الأول إلى جمع الشتات وتبصير الناس بسبل النجاة، يتغذى الثاني على تأجيج الأحقاد، مستفيداً من خوارزميات المنصات التي لا تميز بين تفاعل يبني وطناً وتفاعل يحرقه. وهذا يكشف ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الكراهية” بوصفه منظومة متكاملة، حيث صار الابتذال سلاحاً برعاية أمراء الحرب، وتحولت المنصات من فضاءات للوعي إلى أسواق مفتوحة للاتجار بالدم والدموع.
لا يمارس لايفاتية الحرب صناعة محتوى عفوية، إنما يعتمدون على استراتيجية ممنهجة تقوم على استدعاء الخوف والغضب وصبّهما في قالب الكراهية. ومن خلال نبرة صوت هستيرية ولغة تخوينية، لا يبيعون معلومة، بل يبيعون “الأمان الزائف” عبر شيطنة الآخر، ما يجعل المشاهد سجيناً لمنصاتهم، يقتات على وهم القوة في زمن العجز.
في مفارقة صادمة، تحولت أشلاء الوطن ودمار المدن من فاجعة إنسانية إلى مادة خاضعة لقوانين سوق السوشيال ميديا. لقد نجح صناع المحتوى الهابط في تحويل المأساة السودانية إلى مسلسل واقعي طويل، يُعرض في أوقات الفراغ القسري الذي يعيشه النازحون في مراكز الإيواء، أو اللاجئون في دول الجوار. هؤلاء الضحايا، الذين فقدوا واقعهم الملموس، وجدوا في الحرب الرقمية مخدِّراً يملأ ساعات الانتظار؛ حيث تُسلَّع صرخات الجوعى وصور القصف لتصبح محتوى جذاباً يحصد الإعجابات، فتفقد الفاجعة هيبتها، ويتحول وجع الناس إلى مقاطع للضحك وإلى “تريند”.
لماذا تبقى المنصات الرصينة في هوامش المشاهدة، بينما يتصدر “الردحي” المشهد؟ تكمن الإجابة، عند علماء النفس، في “سيكولوجية الهروب”؛ فالوعي في زمن الحرب مسؤولية ثقيلة تتطلب مواجهة الحقائق المرة والبحث عن حلول شاقة، وهو ما يهرب منه جمهور منهك نفسياً. يجد المتلقي في ضجيج “القونات” ومعارك “اللايفاتية” مهرباً سهلاً وتسلية لا تتطلب جهداً ذهنياً، بل تكتفي بإثارة الغرائز والعواطف. غير أن هذا الهروب إلى الابتذال ليس سوى محاولة بائسة لنسيان الواقع، تنتهي بتزييف الوعي وتغييب العقل الجمعي، ما يجعل الطريق نحو السلام والبناء أطول وأكثر وعورة.
تعمل منصات التواصل الاجتماعي وفق خوارزميات لا تفرّق بين الفضيلة والرذيلة، بل تهتم فقط بمعدل البقاء والتفاعل. فالمحتوى الصادم، والتحريضي، والمشحون بالشتائم يولد تفاعلاً هائلاً، سواء في شكل تعليقات غاضبة أو مشاركات واسعة، وهو ما يرفع من قيمة الحساب لدى المنصة ويفعّل آليات الربح التلقائي.
وفي منصة “تيك توك” تحديداً، يظهر الوجه الأكثر مباشرة لـ”اقتصاد الدم”. المفارقة المؤلمة أن المتابع قد يكون نازحاً معدماً، لكنه يقتطع من قوته لدعم “لايفاتي” يبث خطاباً حماسياً يوهمه بالنصر أو يرضي غروره. هذه المساهمات الصغيرة تتراكم لتتحول إلى ثروات ضخمة يحصدها صناع التفاهة والفتنة، ليعيشوا في رغد خارج الوطن، بينما يزداد المشاهد بؤساً داخل مراكز النزوح.
وبعيداً عن أرباح المنصات، تتشكل “سوق سوداء للذمم”. فقد أدرك أمراء الحرب القوة التدميرية للايفاتية والقونات، فحوّلوهم إلى أدوات بروباغندا مأجورة. يُزوَّد “اللايفاتي” أو “القونة” بمعلومات حصرية، أو مقاطع من أرض المعركة، أو أموال طائلة تحت مسمى “دعم النشاط الإعلامي”. هنا يتحول صانع المحتوى من باحث عن المشاهدات إلى مقاول إعلامي محترف، مهمته اغتيال الشخصيات معنوياً، أو تمهيد الأرضية النفسية لتقبّل انتهاكات بعينها، لتغدو شاشة الهاتف “منصة إطلاق” لا يقل تأثيرها عن المدافع في الميدان.
وبرزت ظاهرة “الانصرافي” بصوته الغامض، المستمد قوته من خلط المعلومات الاستخباراتية المسربة بلغة شعبية حادة؛ فتحول “لايفه” إلى غرفة عمليات تحدد من هو الوطني ومن هو الخائن العميل، ممارساً سلطة معنوية تتجاوز أحياناً المؤسسات الرسمية، ومحوّلاً الاستقطاب إلى أداة لرفع الروح المعنوية لطرف ما عبر شيطنة الطرف الآخر.
ولم تكن هذه الحالة استثناءً؛ إذ انتشر اللايفاتية وتعددت منصاتهم، إلى جانب “القونات” بوصفهن ظهيراً حربياً رقمياً، حيث جرى تحويل الفن الشعبي إلى أداة تعبئة، ولم يعد دور “القونة” مقتصراً على إحياء الحفلات، بل بات جزءاً من المجهود الحربي الرقمي، والرقص على أنغام الرصاص، في تجميل للحرب وتجريدها من مأساتها الإنسانية، ليصبح الفن شريكاً أصيلاً في اقتصاد الكراهية.
لقد خلقت هذه النماذج واقعاً موازياً يصدقه الناس أكثر من الواقع المعاش، وساهمت في تسطيح الوعي إلى درجة بات فيها “اللايف” هو الذي يحدد مسارات التخوين والولاء. تكمن خطورة هذه الظاهرة في تحويل الرأي العام إلى قطيع رقمي يُقاد بالعاطفة المشحونة، ما يجعل الحديث عن السلام أو العقل ضرباً من المستحيل في فضاء يهيمن عليه الصراخ الممول بواسطة أمراء الحرب، وأرباح المشاهدات، ودماء الأبرياء.
والمفارقة الكبرى أن معظم رؤوس الفتنة يديرون منصاتهم من خارج السودان؛ هذا البعد الجغرافي يجعلهم في مأمن من ويلات الحرب التي يحرِّضون عليها، فيزداد خطابهم راديكالية وعنفاً، لأنهم لا يدفعون ثمن الكلمة من أمنهم الشخصي، بل يتركون المواطن في الداخل يدفع الثمن من دمه.
ورغم محاولات بعض الناشطين والحقوقيين تنظيم حملات بلاغات لإغلاق صفحات هؤلاء، فإن اقتصاد الكراهية يحمي نفسه. تميل الخوارزميات إلى الحفاظ على الحسابات عالية التفاعل لأنها تحقق أرباحاً ضخمة للمنصات، لذلك تُهمَل البلاغات ضد اللايفاتية بوصفهم “دجاجة تبيض ذهباً”. وحتى عند إغلاق صفحة، يمتلك هؤلاء جيوشاً إلكترونية قادرة على إعادة البناء خلال ساعات، مستفيدين من جمهور مُخدَّر عاطفياً. ويُصنَّف خطابهم أحياناً تحت مظلة “حرية التعبير” بسبب عدم فهم السلطات في دول الإقامة لتبعات هذا التحريض داخل السودان، ما يكرس الإفلات من العقاب ويشجع المزيد على دخول هذه السوق.
جدير بكل قارئ كريم أن يفهم أن الوقود الوحيد الذي يبقي “لايفات” الفتنة مشتعلة هو الحضور الرقمي. وبالتالي، فإن إدراك أن مشاهدتها هي في حقيقتها دعم مباشر للحرب. قتل هذا المحتوى يبدأ بتجاهله الكامل حتى تضمحل أرقامه وتتوقف أرباحه.
ولمواجهة هذا الطوفان من الابتذال والعبث، نحن بحاجة إلى صناعة نجوم وعي جدد. فعلى المثقفين والناشطين والحقوقيين اقتحام هذه المنصات بأدوات الجذب ذاتها، لكن لتقديم محتوى يرمم الهوية الوطنية، ويوثق قصص التكافل، ويطرح حلولاً لإنهاء الحرب. كما تقع على عاتق الأجسام الحقوقية مهمة إنشاء غرف رصد رقمية، وترجمة مقاطع التحريض وتفريغها قانونياً، وتقديمها للمنصات العالمية باللغة الإنجليزية مع شرح آثارها الميدانية بوصفها تحريضاً على العنف أو الإبادة، وهو المسار القادر على إغلاق الحسابات نهائياً وملاحقة أصحابها قانونياً.
الحرب الرقمية تستهدف العقول الغضة؛ لذا يظل دور التثقيف المدني الواسع، في الداخل والشتات، محورياً في تفكيك هذا المحتوى أمام الشباب، وتعليمهم أن البطولة لا تكمن في صراخ اللايفاتية أو أغاني القونات، بل في القيم السودانية الأصيلة التي ترفض الشماتة في الموت والاستعلاء على الألم. إن بناء وعي نقدي لدى الجيل الجديد هو الحصن المتين ضد هؤلاء “المقاولين”.
إن المعركة الحقيقية في السودان، بالأساس، هي معركة وعي تُخاض يومياً على شاشة الهاتف. فهؤلاء الذين حوّلوا وجعنا إلى أموال لا يملكون سلطة علينا إلا بقدر ما نمنحهم من وقت وانتباه. وفي كل مرة تفتح فيها “لايفاً” محرِّضاً، تذكّر أنك تساهم في شراء الرصاصة التي قد تقتل جارك، أو تشرد أهلك، أو تمزق نسيج وطن كان يوماً مضرباً للمثل في التسامح والتعايش.
بعد أكثر من ألف يوم من الارتطام بقاع القبح، وبعد أن شربنا من كؤوس التوحش حتى الثمالة، نقف اليوم فوق ركام وطن لم تدمره المدافع وحدها، وإنما أحرقتْه نيران الوعي الزائف وهشيم الشعارات الجوفاء. لقد كانت تلك الصرخات هي “الخمر الرقمية” التي غيّبت عقولنا. فهل آن أوان الإفاقة؟.
إن الاستفاقة اليوم هي طوق النجاة، وتبدأ حين ندرك أن العدو الحقيقي ليس جارنا المختلف معنا، بل العبث الذي سكن هواتفنا، وأقنعنا بأن تدمير الآخر هو شرط الوجود. فهل نملك الشجاعة لنواجه مرآة الحقيقة، ونوقف هذا النزيف في عقولنا قبل أن يبتلع ما تبقى من الوطن؟.