الشعب يستحق معرفة الحقائق
الطريق إلى الهدنة الإنسانية محفوف بالمصاعب
ياسر عرمان
شعبنا يستحق معرفة الحقائق بعيداً عن التعتيم والصورة الوردية التي تحيط بالبحث المضني عن الهدنة الإنسانية. فالطريق إليها محفوف بالمصاعب، كما أن الآمال الكاذبة أسوأ من انعدام الأمل، خصوصاً في أزمنة الحروب، والوعود التي تجافي الحقائق تولِّد الإحباط والألم.
لم تكن هي المرة الأولى التي يُعلن فيها أننا على مرمى حجر من الهدنة الإنسانية ونجد أنفسنا أمام جبل، وليس حجر، تتعثر أمامه الهدنة الإنسانية. من المهم أن نصارح شعبنا بالحقائق وأن لا نتركه نهباً للتعتيم.
نشعر بالامتنان لكل جهد يبذله الوسطاء من أجل الهدنة. ولكن يظل السؤال قائماً حول أدوات الضغط التي يملكونها، وإذا ما كانوا يستخدمونها مع أطراف الحرب، وهل قضية الحرب في السودان نفسها تعتبر أولوية في أجندة المجتمع الدولي؟
إن الحديث عن اتفاق جاهز ومكتمل تنقصه الشواهد والأدلة. يمكن الحديث عن تفاهمات. ومن الواضح أن طريق الهدنة محفوف بالمصاعب التي يجب أن نتعامل معها بحذر، ونستمع لشعبنا صاحب المصلحة ومالك المستقبل. العبء الرئيسي يقع على عاتق السودانيات والسودانيين في إيجاد الحلول وتطوير آليات الضغط الداخلية، والعمل الإيجابي مع القوى الخارجية. وأول الآليات في متناول أيدينا هي وحدة الجبهة المناهضة للحرب، بإمكاننا أن نحتشد في جبهة وازنة معادية للحرب، يُسمَع صوتها وتوحِّد أكبر كتلة من شعبنا. وحَّدتها ثورة ديسمبر من قبل. المصلحة في وقف الحرب تضم قوى خارج كتلة ثورة ديسمبر نفسها. وحتى يحسب لنا حساب، ولا يتم تجاهلنا في تصميم عملية السلام وتملكها والمشاركة كطرف رئيسي فيها، وحتى لا يتحول السلام لصفقة بعيداً عن أعين الشعب ومشاركته.
قبل تلقُّف التصريحات التي تصدر من وقت لآخر وفي المنابر الإقليمية والدولية وعلى نحو رغبوي، وحتى لا نكون مجرد صدى للترحيب بما يفعله الآخرون دون إشراكنا، نحتاج لدراسة المصاعب وكيفية التعامل معها، وفي هذا المقال سوف أتطرق لأربعة مصاعب من ضمن أخريات، وفي مقال لاحق سوف أحاول سبر غور الحلول الممكنة، وكل ذلك يتطلب جهداً وعقلاً جماعياً وسنداً جماهيرياً.
- موقف الجيش وحلفائه:
تسعى قيادة الجيش لجعل الدعم السريع شريكاً أصغر، يرضى بما يقسمه له الجيش وحلفاؤه من سلطة وموارد في إطار نظام لا يقبل المحاسبة، ويوفر الإفلات من العقاب كجزء من الصفقة وبعيداً عن القوى المدنية الحقيقية. وللجيش مخاوف في أن تؤدي الهدنة إلى إعادة تنظيم الدعم السريع وحلفائه وإعادة تسليحه، وأن يعاود الكرة للاستيلاء على مواقع الجيش، خصوصاً إذا كرست الهدنة للنموذج الليبي وشرعنة تحالف الدعم السريع الخارجي. يرى الجيش أن المصلحة في استمرار الحرب. وعلى الرغم من زواج المصلحة بين الجيش والإسلاميين، فإن الإسلاميين يتخوفون من قيادة الجيش الحالية، ويرفضون أن يحارب الجيش ويفاوض كما هو الحال في عهد البشير، ويخشون من ثقب البوابة الدولية التي يمكن أن تُدخل الجيش لدار المجتمع الدولي وتُوصد الباب في وجه الإسلاميين.
علينا دراسة موقف الجيش دون التماهي معه، وأن يكون للقوى المناهضة للحرب طرح بديل يدرس موقف الجيش بعناية، ويحلل بدراية زواج المصلحة بينه وبين الإسلاميين، وكيف نعمل داخلياً مع موقف الوساطة المعلن باستبعاد الإسلاميين، وعدم المطابقة الصمدية بين الجيش والإسلاميين، فنحن أصحاب المصلحة، والمدنيون يدفعون الثمن. لابد من محاصرة طرح الإسلاميين، وعلى الجيش أن يدرك أن مطالبة الدعم السريع بالاستسلام تشكل دعوة لاستمرار الحرب، وتحاصر أي رغبة في السلام داخل الدعم السريع.
- الدعم السريع وحلفاؤه:
هم يعلنون الهدنة والسعي لها، وفي نفس الوقت يهاجمون مواقع الجيش ويحاصرون المدن،. وفي هذه الحالة هم في موقع هجوم وليس دفاع، مما يلقي بظلال من الشكوك حول جديتهم في الهدنة، وإذا ما كانت بالنسبة لهم جزءاً من حملة العلاقات العامة لتحسين صورتهم، كما أن إعلانهم لحكومة وبناء دولة هو طرح استراتيجي يصعِّب من إمكانيات حل سريع لقضية الهدنة والعملية السياسية، ويطيل أمد الهدنة دون الوصول لحل نهائي.
- عدم انسجام الوساطة:
الوساطة دخلت في حرب مع بعضها البعض، فيما عدا الولايات المتحدة الأمريكية التي يبدو أنها بعيدة من صراعات بقية دول الوساطة. عدم انسجام الوساطة ومطالبة أطراف الحرب باستبعاد بعضها مؤشر سلبي يضعف من كروت الضغط التي تملكها الوساطة ويساهم في إطالة أامد الحرب، كما أنه توجد رباعية أخرى بقيادة الاتحاد الإفريقي، ولا يوجد تنسيق واضح بين الرباعيتين.
- الحرب في السودان ومنصات الصراع الإقليمي:
الحروب الحالية في العالم ذات ارتباطات عضوية بالجيوبولتيك أو الجغرافيا السياسية في أحزمة اقاليم العالم المختلفة، وحرب السودان دخلت لمستنقع الصراعات الإقليمية ذات الامتداد الدولي، والسودان له موقع فريد مرتبط بحزام البحر الأحمر والقرن الإفريقي والساحل والشرق الأوسط، وحروب نهب الموارد ومن ضمنها المياه، ومؤخرًا زحفت الحرب داخل السودان لبلدان الجوار. وكلما تأخر الحل ذادت التعقيدات الإقليمية ونمت التحالفات الإقليمية المرتبطة بالحرب وذات الامتدادات الدولية.
هذه العوامل الأربعة مضاف إليها أخريات، من ضمنها الانقسام الداخلي، تصعب الوصول للهدنة الإنسانية. ولكن العالم والسودان على وجه الخصوص له تجارب في قضايا الحرب والسلام يمكن الاستفادة منها.
هل نكتب روشتة العلاج؟.. أم يكتبها غيرنا؟
تعلمنا من الدكتور جون قرنق دي مابيور في سنوات الحرب، وعند تفاعلنا مع ما يدور داخل بلادنا وارتباطه إقليمياً ودولياً، أن نسارع في كتابة الروشتة التي تناسب علاج أوضاع بلادنا، وأن لا نتركها للآخرين مع تفاعلنا الإيجابي معهم. طال الزمن أم قصر فإن الهدنة آتية لا ريب فيها، وهي شرط رئيسي يفتح الطريق نحو حق الحياة وحماية المدنيين دون تجويع وترويع، ووقف الكارثة الإنسانية والانتهاكات. لكن الهدنة الإنسانية ستكون منقوصة إن لم تجتمع القوى المناهضة للحرب في جبهة وازنة، وتتفق على تصور لها يجيب على السؤال المهم المتعلق بدور المدنيين ومشاركتهم في الهدنة الإنسانية، وعدم تركها لطرفي الصراع العسكري، لأن الهدنة هدفها الرئيسي حماية المدنيين من أطراف الحرب، وهي مدخل لتوسيع الفضاء المدني، ولن يتم ذلك دون مشاركة المدنيين أنفسهم.
الهدنة تمهد الإرض للعملية السياسية، كحزمة واحدة وفي تناغم وانسجام، وهذا يتطلب بناء جبهة عريضة للسلام والديمقراطية والمواطنة، حتى نُعرِّف أنفسنا إيجاباً لما نعمل من أجله وليس بما نرفضه كجبهة معادية ومناهضة للحرب.
علينا كتابة الروشتة التي ناضل من أجلها شعبنا، وأن لا نترك مجالاً لصفقة باسم السلام تعيد إنتاج أزماتنا السابقة وتتجه بنا نحو حرب جديدة، بدلاً عن السلام المستدام والمواطنة بلا تمييز، والديمقراطية الراسخة.