استيلا قايتانو.. الكتابة ضد النسيان وجوائز متعددة

استيلا قايتانو.. الكتابة ضد النسيان وجوائز متعددة

 

أماني أبوسليم

 

ولدت استيلا قايتانو وكبرت بالخرطوم، عاصمة سودان المليون ميل، لكنها كانت مخزناً لذكريات أهلها من الجنوب، أذنها الصغيرة دقيقة السمع، أرهفت السمع للحكايا وما تظهره وتبطنه من الطبيعة والتقاليد، وما تبدعه من الأساطير وخفايا الحنين وأحلام العودة لوطنها الصغير بالجنوب.

رغم لغتها المحلية التي اكتسبتها من بيتهم الكبير الممتلئ بالقادمين من الجنوب، هاربين من الحرب، إلّا أنها تكتب بالعربية، لغة تعليمها ومجتمعها الجديد بالخرطوم، لتضيف وتزيّن (أدب إفريقيا غير العربية المكتوب بالعربية).

انتبهت لموهبتها في كتابة القصة وهي طالبة بكلية الصيدلية نهاية التسعينيات، وفي 2004 رأت مجموعتها القصصية الأولى (زهور ذابلة) النور، لتكون علامة بارزة في وسط أدبي يعاني حينها قلة الإنتاج، وتربُّصاً بالأدب والثقافة عموماً. في 2014 تلتها بمجموعتها الثانية (العودة).

في المجموعتين كانت استيلا تعبئ كتابتها من مخزن ذاكرتها المملوء بحكايا أرض الجنوب وطبيعتها وسحرها، بقلم هاوية تتحسس الكتابة بفطرتها المبدعة. كانت استيلا تعبِّر عن الحرب المستمرة والهروب منها، كأنها تلتقط صوراً وتكبِّرها. تأخذ الصورة من أثر الحرب على الناس والمجتمع والبيئة والثقافة المحلية، تكتب عنها بحبر الخيال والحلم وحب الأرض لتحيلها سحراً مؤثراً على قرائها.

واصلت استيلا بعدها في مجالها في الصيدلة والعمل بالصحف، لتكتب في 2013، بعد أن انقسم سودان المليون ميل إلى سودان وجنوب سودان، مقالها الشهير الذي فاض ألماً ونزفاً من جرح الهوية (بعدما بقيت أجنبية).

من مساهمات استيلا الأدبية وفي العمل العام أنها طرحت في 2022 مشروع “اصنع فرقاً بكتاب” أنشأت من خلاله 14 مكتبة في مدن مختلفة في السودان. أصبحت مقرات لإقامة نشاطات ثقافية واجتماعية، ظل عدد منها يعمل حتى بعد الحرب.

 

أصدرت استيلا روايتها (إيريم) في 2024 لتتناول فيها قضايا بعد انقسام السودان. أصدرت قبلها في 2019 روايتها الأولى (أرواح إدو)، لتنتقل بها من الكتابة كهاوية ومبدعة بالفطرة إلى الالتزام والاحتراف. رواية تبدأ في الجنوب الذي يسكن الوجدان والخيال، ثم تنتقل للخرطوم حيث المدينة التي عرفتها وخبرتها ووعت فيها بالهم العام والقضايا والأسئلة.

الرواية التي ستجلب السعد لها ولسودان المليون ميل.

في 2025، فازت الكاتبة السودانية ليلى أبو العلا بجائزة بن بِنتر البريطانية، ورشحت، حسب تقليد الجائزة، استيلا لتتشارك معها الجائزة فيما يُسمى جائزة الشجاعة، لتجمع الجائزة السودانَين، من خلال كاتبتين، الأولى لسان وطنها الصغير بالسودان عربي وتكتب بالإنجليزية، والثانية لسان أهلها لهجاتهم المحلية وتكتب بالعربية، وكل منهما ترغب في تعريف قارئها بثقافتها الأصل.

جائزة بن بنتر جائزة أدبية بريطانية تمنحها منظمة PEN الإنجليزية سنوياً لكاتب يتميّز بالشجاعة في الدفاع عن حرية التعبير. وسُمّيت تكريماً للكاتب المسرحي هارولد بنتر، ويحق للفائز بها اختيار كاتب آخر تعرّض للاضطهاد بسبب آرائه ليشاركه التكريم فيما يُعرف بـ”جائزة الشجاعة”.

في مارس الجاري، تزامناً مع يوم المرأة نالت استيلا والشاعرة السودانية إيمي محمود جائزة اتحاد الكتاب النرويجيين للعام 2026 لكتاباتهما الشجاعة ضد الحرب والاضطهاد، ولتناولهما آثارهما على الناس والمجتمعات. ليلتقي سودان المليون ميل مجدداً. يصنع الساسة الحروب، يضخمون الاختلاف، يفصلون البلاد، لتلتقي أجزاؤه تحت مظلة الأدب، المعبِّر عن آثار الحرب المؤلمة وتغذية الساسة للاختلاف والكراهية، كأن ما أراد الساسة أن يفرقوا بين الناس ليبرروا عنفهم هو ما عاد وجمع ذات الناس بطرق إنسانية.

قال الطيب صالح حين سئل عن تأثير النساء: “فعندما أفكر في حبوباتنا وأمهاتنا وعماتنا وخالاتنا أجد أنهن قمن بأكبر العبء – حقيقة – في الحفاظ على تماسك البيئة والجميع. أذكر أن جدتي لوالدتي واسمها زينب كانت مقيمة في (العفاض) مركزنا الأصلي. كانت تجيئ من العفاض لتزور أمي وخالتي وإخوانها وأقاربها، ولا تترك أحداً في البلد إلا وتزوره. تقول لك: عندي لحمة في المحل الفلاني وسَرارة في المحل الفلاني. كل هذه الأمور عبارة عن إسمنت يربط بعضهم ببعض، بالرفق والمحبة والرحمة”.

ما تقوم به استيلا وليلى أبو العلا وإيمي محمود هو جزءٌ مما وصفه الطيب صالح بالعبء الأكبر، وبالإسمنت الذي يربط العلاقات، رعاية لحمة هنا وسرارة هناك، من خلال الحكي والكتابة والتوثيق للإنسان السوداني ومعاناته من آثار الحروب، أو كما قالت استيلا: “الكتابة ضد النسيان”، محاولة تحويل الألم الذي خلَّفته الحروب إلى نصوص تحفظ الذاكرة وتفتح باب التفكير في مستقبل مختلف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *