تشريح المقصلة السودانية الكبرى دراسة استقصائية تحليلية

تشريح المقصلة السودانية الكبرى

دراسة استقصائية تحليلية

إعداد: وليد عنبوور

 

تتناول هذه الدراسة الاستقصائية التحليلية ديناميكيات الصراع السوداني منذ أبريل 2023، وصولاً إلى الربع الأول من عام 2026، معتمدةً على تقاطع البيانات الميدانية مع التقارير الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، والتحقيقات البصرية الاستقصائية والقرارات السيادية الدولية الأخيرة.

يسعى البحث إلى تشريح ظاهرة “الموت المستدام” عبر تفكيك ثلاثة مسارات رئيسية: سلاسل القيادة الموازية والكتائب الآيديولوجية، اقتصاد العنف وإعادة إنتاج بنية الصراع واستخدام الأسلحة غير التقليدية كوسيلة للتصعيد غير المتكافئ.

تخلص الدراسة إلى أن الحل يتجاوز التفاوض السياسي التقليدي مستوجباً تفكيك البنى الاقتصادية والعقائدية التي تُغذي المقصلة السودانية، وتفعيل آليات المحاسبة الدولية لضمان قدسية حق الحياة كمدخل وحيد لاستعادة السيادة الوطنية.

 

مقدمة: تحول “الحياة” إلى متغير سياسي في حروب التحلل

 

تشير الحروب الأهلية المعاصرة إلى ظاهرة يُنتزع فيها حق الحياة عبر عملية منظمة تهدف إلى هدم مؤسسات الحماية العامة وتفتيت مراكز القوة المركزية، ويؤدي ذلك إلى تحويل العنف من أداة استثنائية للدولة إلى لغة يومية لإدارة السلطة والموارد. يمثل السودان، منذ منتصف أبريل 2023، نموذجاً يوضح حالة انهيار مفهوم المواطنة القانونية والسيادة الإنسانية، وحيث تتداخل المواجهة العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع مع نشاط شبكات مسلحة غير نظامية ومليشيات آيديولوجية واقتصاد حرب يعتمد على الممتلكات العامة والخاصة كوقود لاستمراره، وصار “حق الحياة” نتيجة خاضعة لموازين القوة والانتماء القبلي والموقع الجغرافي، وقاعدة بديلة عن كونه حقاً أصيلاً تضمنه القوانين الدولية والمواثيق الحقوقية الصادرة عن الأمم المتحدة والعهود الدولية للحقوق المدنية والسياسية. وتؤكد هذه الحرب أنها لا تكتفي بإنهاء حياة الأفراد جسدياً، وهي تعمل على تجريف الشروط البيئية والقانونية التي تجعل الحياة ممكنة في المستقبل، مما يخلق بيئة من “الموت المستدام” تتجاوز حدود المعارك المباشرة إلى تدمير النسيج الوجودي للمجتمع السوداني بأسره.

 

أولاً: تآكل السيادة القانونية وفشل الردع الدولي

 

يعتمد القانون الدولي الإنساني على قواعد صارمة تهدف لضبط سلوك الأطراف المسلحة. وتعد قواعد “التمييز” بين المدني والمقاتل وقاعدة “التناسب” في استخدام القوة حجر الزاوية في حماية الأفراد أثناء النزاعات المسلحة وفقاً لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وتلحق بها البروتوكولات الإضافية الناظمة للنزاعات غير الدولية. وتشهد الحالة السودانية حالة من التحلل الوظيفي الشامل لهذه المنظومة القانونية، حيث أصاب الانهيار البنية التحتية للعدالة المتمثلة في المحاكم والنيابات وأقسام الشرطة، وهو ما وثقته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) بدقة في تقاريرها الاستقصائية. أدى هذا التحلل المؤسسي إلى تحويل الانتهاكات الجسيمة إلى أفعال تفتقر للمحاسبة القانونية، وشجع الأطراف المتصارعة على تبني إستراتيجيات عسكرية تضع التكلفة البشرية في أدنى سلم الأولويات، وغابت سلطة الرقابة القانونية تماماً، وفسحت المجال لتصفية الحسابات السياسية والاجتماعية تحت غطاء كثيف من العمليات الحربية المستمرة، وحيث أصبحت القواعد القانونية غير قادرة على فرض نفسها نتيجة غياب بنية الدولة التي يفترض أن تنفذ هذه الضوابط وتحمي المدنيين من العنف العشوائي.

 

ثانياً: إستراتيجيات الجيش السوداني وتحديات المجال الحضري

 

تعتمد القوات المسلحة السودانية في إدارتها للعمليات على استخدام القوة النارية الكثيفة، والتي تشمل الطيران الحربي والمدفعية الثقيلة بعيدة المدى بهدف استعادة السيطرة على المدن الكبرى التي توجد فيها قوات الخصم. أنتج هذا النمط العسكري عدة إشكالات حقوقية وقانونية تتصل مباشرة بحق الحياة عبر ما يمكن وصفه بـ”العنف البنيوي”، وحيث يفتقر القصف الجوي والمدفعي في كثير من الحالات إلى الدقة التقنية المتناهية المطلوبة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، لذا تسبب هذا النمط في تحويل المنازل السكنية والأعيان المدنية إلى أهداف دائمة للصراع. وقد أكدت تقارير منظمة أطباء بلا حدود (MSF) أن تضرر مرافق المياه والكهرباء والمستشفيات الحيوية تسبب في وقوع وفيات ناتجة عن غياب شروط الحياة البيولوجية الأساسية.

تصف القوانين الدولية هذا النوع من الأضرار الجانبية الواسعة بأنها ترقى لكونها عقوبة جماعية تقع مسؤوليتها القانونية على الطرف المهاجِم أو المسيطِر، وتم رصد حالات احتجاز واسعة النطاق تعتمد على تقارير استخباراتية واشتباه في الولاء السياسي أو التعاون الميداني مع الطرف الآخر. تفتقر هذه العمليات للإشراف القضائي المستقل، مما جعل مراكز الاحتجاز التابعة للاستخبارات العسكرية مناطق تغيب فيها الضمانات الحقوقية الأساسية للمحتجزين، وتزداد فيها مخاطر التصفية الجسدية نتيجة غياب الرقابة على هذه المرافق وسيطرة العقلية الأمنية المحضة على إدارة ملف المقبوض عليهم.

 

ثالثاً: الأسلحة غير التقليدية ومنطق التصعيد غير المتكافئ

 

تشير الحروب الداخلية التي تتسم بالانهيار وتفكك أنظمة الردع إلى تحولات عميقة في طبيعة استخدام القوة، وفق ما توضحه أدبيات دراسات الحروب غير المتكافئة. ويظهر استخدام الأسلحة غير التقليدية، بما فيها المواد الكيميائية، داخل إطار ديناميكي تحكمه آليات التصعيد غير المتكافئ، وهو ما تحذر منه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) في تقاريرها العامة.

وفي هذا السياق تشير وثائق وتحليلات صادرة عن جهات حكومية دولية إلى أن ملف الاستخدام المحتمل للمواد الكيميائية في بعض مناطق النزاع في السودان قد دخل نطاق الاهتمام التقييمي. فقد أكدت وزارة الخارجية الأمريكية في مايو 2025 اتخاذ تدابير وإجراءات مرتبطة بادعاءات تتعلق باستخدام مواد كيميائية خانقة في بعض مناطق الاشتباك، ضمن إطار قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية بوصفه إجراءً إدارياً يستند إلى تقييمات ومعلومات استخبارية أولية. وتتقاطع هذه الإشارات مع تحقيق استقصائي بصري نشرته (France 24) في أكتوبر 2025 اعتمد على تحليل مواد مصورة وشهادات ميدانية من مناطق الاشتباك، مقدِّماً مؤشرات ظرفية حول طبيعة بعض الحوادث.

وتضيف تحليلات طبية وأكاديمية منشورة من مؤسسات بحثية، ومن بينها مبادرات حقوق الإنسان في جامعة ألاباما (UAB) في نوفمبر 2025، أن التعرض لغازات خانقة مثل الكلور في بيئات النزاع يؤدي إلى أضرار تنفسية حادة ومضاعفات مزمنة، مما يضاعف من الأثر الإنساني المحتمل. وبناءً على ذلك فإن هذه المعطيات تندرج ضمن إطار “الادعاءات متعددة المصادر” التي تشير إلى احتمال وقوع انتهاكات خطيرة لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC) التي يُعد السودان طرفاً فيها، وهو ما يضع هذه الوقائع – في حال التثبت منها -ضمن نطاق الانتهاكات الجسيمة التي قد ترقى إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني.

 

رابعاً: قوات الدعم السريع وهندسة العنف الاجتماعي المباشر

 

تمارس قوات الدعم السريع نمطاً من العنف الميداني الذي يتصل بالبنية المدنية والنسيج الاجتماعي بشكل وثيق ومباشر، وهو ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) في تقارير مفصلة حول تحويل الفضاء المدني إلى ساحة قتال دائمة، وحيث تهدف إستراتيجية السيطرة على المنازل الخاصة والمرافق الطبية إلى الاحتماء بالدروع البشرية من القصف الجوي وإلغاء المسافة الآمنة مع المدنيين. يضع هذا السلوك حق الحياة في خطر مستمر نتيجة تحول غرف المعيشة والمطابخ إلى ثكنات عسكرية ومواقع لإطلاق النار، مما يجعل المدنيين رهائن داخل منازلهم وعرضة للاستهداف من كلا الطرفين، وتحول الاستيلاء على السيارات والممتلكات والمدخرات الخاصة إلى سلوك بنيوي يهدف لتمويل المقاتلين وإذلال المكونات الاجتماعية المعارضة.

يفرغ هذا السلوك حق الأمان الشخصي من محتواه الفعلي، ويجعل بقاء الفرد على قيد الحياة مرتبطاً بتخليه القسري عن ممتلكاته لصالح المجموعات المسلحة، وهو ما يسمى تجريد الحياة من مقوماتها الاقتصادية لضمان التبعية المطلقة للقوات. وتعكس أحداث مدينة الجنينة، وفقاً لتوثيقات منظمة العفو الدولية (Amnesty)، تحول الصراع المسلح إلى إبادة هوياتية منظمة استهدفت مجموعات عرقية محددة بناءً على أصلها الإثني، ويمثل هذا النمط أقصى درجات انتهاك حق الحياة، حيث يتم الاستهداف الجسدي والتصفية الميدانية بناءً على الهوية البيولوجية للفرد، مما يفتح الباب أمام حروب أهلية ذات طابع وجودي يصعب إنهاؤها بالتسويات التقليدية.

 

خامساً: تدويل العنف وتسميم العقيدة القتالية وتعدد مراكز القرار

 

أدى ظهور فصائل ومجموعات مسلحة تعمل خارج الهياكل الرسمية للدولة إلى غياب وضوح المسؤولية القانونية عن الانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين، وأنتج حالة من “سيولة المحاسبة” وهو ما وثقه تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في يناير 2026 حول سلاسل القيادة المتوازية، حيث يثير نشاط مجموعات قتالية مثل “كتيبة البراء بن مالك” و”قوات العمل الخاص” وتشكيلات “الأمن الشعبي” تساؤلات قانونية جوهرية حول تعدد مراكز القرار العسكري وتأثير الآيديولوجيا الإسلاموية في تسميم العقيدة القتالية للمؤسسة النظامية التاريخية.

وتجلى خطر هذا النمط في الانتهاكات الموثقة في مناطق بحري وضاحية صالحة بأم درمان، وفي مناطق متفرقة من الجزيرة والدندر والنيل الأبيض، حيث ارتكبت هذه الكتائب التي تعمل تحت لافتة “المقاومة الشعبية” جرائم شملت التصفية الجسدية والاعتقال التعسفي. وتعد هذه المجموعات امتداداً للحركة الإسلامية المحرك الرئيسي لخطاب الكراهية وتكريس الشعبوية العنيفة التي هدفت إلى تعكير المزاج السوداني وتفتيت نسيجه الاجتماعي عبر تبني إستراتيجيات إقصائية تعتمد على العنف كأداة وحيدة للبقاء السياسي، وعملت بكل الوسائل لقطع مسار الانتقال المدني الديمقراطي من أجل عودة سلطتها المقبورة بفعل ثورة ديسمبر المجيدة.

وبناءً على هذا الواقع أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية في مارس 2026 قراراً رسمياً بتصنيف “جماعة الإخوان المسلمين في السودان” منظمة إرهابية أجنبية، وسمّت “كتيبة البراء بن مالك” الجناح العسكري لها المسؤول عن ممارسة العنف المفرط وتقويض جهود السلام. ويؤكد هذا التصنيف الدولي ضرورة ملاحقة قيادات هذه “الغرف القتالية”، وتحديد المسؤولية الجنائية الفردية للذين يديرون العمليات من خلف الستار لإنهاء حالة تداخل الأجندات الحزبية الضيقة مع مهام الجيش.

وفي المقابل، وفيما يتصل بجانب قوات الدعم السريع فقد نشطت فصائل ومجموعات مسلحة ذات طابع إثني صرف تعتمد في ديمومتها على “منطق الغنيمة”، ويطلق عليها في السياق المحلي وصف “الكسَّابة/الكِسِّيبة”، حيث تمارس هذه المجموعات عمليات تطهير عرقي واستهدافاً مباشراً للمدنيين بناءً على ملامحهم الإثنية.

تعتمد قيادة قوات الدعم السريع إستراتيجية “التنصل الوظيفي” عبر التهرب من مسؤوليتها تجاه هذه الجرائم بوصفهم عناصر “متفلتة”، وهو ما يدحضه الواقع الميداني الذي يؤكد توظيف هذه المجموعات كأدوات لتنفيذ أجندة السيطرة والترهيب. وبرز في هذا الإطار قادة ميدانيون من بينهم العميد في قوات الدعم السريع الفتح عبد الله إدريس آدم (أبو لولو) الذي ارتبط اسمه بممارسة القتل العشوائي وإعدامات ميدانية بحق أسرى ومدنيين في دارفور، وبالأخص في مدينة الفاشر. وبناءً على هذه الفظائع الموثقة أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية في 19 فبراير 2026 قراراً بفرض عقوبات عليه وتصنيفه كأحد المسؤولين عن ارتكاب جرائم “إبادة جماعية” وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وبالتوازي مع ذلك أدى التفكك المتسارع في بنية الدولة إلى انفتاح المجال العملياتي أمام فاعلين عابرين للحدود، وهو ما يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة النزاع نحو نمط متزايد من التدويل ذي الطابع غير الرسمي والتقني للعنف، حيث أكدت تقارير فرق خبراء مجلس الأمن الدولي وجود أنماط ممنهجة لنقل مقاتلين عابرين للحدود وانخراطهم في العمليات القتالية ضمن هياكل تدمج الفاعل المحلي بالخارجي. وتدعَم هذه المعطيات بوقائع قانونية دولية كشفت عن شبكات معقدة لنقل التقنيات العسكرية، حيث برز اسم المواطنة الأمريكية من أصول إيرانية شميم مافي (Shamim Mafi)، صاحبة شركة “أطلس للأعمال الدولية” (Atlas International Business LLC) المسجلة في سلطنة عمان والمتهمة من قبل وزارة العدل الأمريكية في أبريل 2026 بالتآمر لتصدير سلاح وتقنيات عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني (IRGC) إلى بورتسودان عبر صفقات شملت مسيرات من طراز “مهاجر-6” وذخائر متطورة، مما يكشف عن عمق التورط اللوجستي الخارجي في تغذية آلة الحرب السودانية.

وفي الاتجاه ذاته وثقت تحقيقات CNN وصحيفة The Wall Street Journal انخراط عناصر ذات خبرات قتالية وتقنية في مسارح العمليات السودانية، استناداً إلى تحليل استقصائي ميداني ومواد بصرية وتحليلات مفتوحة المصدر ذات دلالة قوية وترافقت هذه المؤشرات مع تصريحات وإشارات حكومية من دول مثل كولومبيا وأوكرانيا حول وجود أفراد من مواطنيها في سياقات نزاع خارجية بما في ذلك السودان، ضمن ظاهرة “المقاتلين الأجانب” دون أن ترقى هذه الإشارات في مجملها إلى مستوى الإثبات القضائي القاطع، لكنها تعكس اتجاهاً تصاعدياً ذا دلالة بنيوية. وتدعمت هذه المعطيات بإفادات ميدانية ومواد بصرية تشير إلى انخراط عناصر من إقليم تقراي وفنيين إيرانيين في بعض مسارح العمليات، وهو ما يعكس اتجاهاً بنيوياً نحو خصخصة العنف وتراجع الهياكل العسكرية النظامية لصالح شبكات مرنة تضم فاعلين متنوعين وخبراء تقنيين ومجموعات آيديولوجية وإثنية تعمل جميعها ضمن اقتصاد حرب عابر للحدود. ويترتب على هذا التحول تعقيد مباشر في مسارات المساءلة القانونية الدولية، حيث يؤدي تداخل سلاسل القيادة إلى إنتاج “سيولة المسؤولية” وتقويض أسس المسؤولية التقليدية، وهو ما يضع القانون الدولي أمام حتمية تطوير أدواته لملاحقة أنماط العنف المعولم الذي يقوض السيادة الوطنية ويجعلها رهينة لشبكات عابرة للحدود.

 

سادساً: العنف الهوياتي وتكريس مفهوم “الوجوه الغريبة”

 

تعتمد الارتكازات والنقاط الأمنية التابعة لطرفي النزاع على ممارسات الفرز الاجتماعي القائمة على القبيلة أو الملامح الشخصية أو اللهجة، وهو ما وثقه تقرير بعثة الأمم المتحدة الدولية لتقصي الحقائق في السودان (FFM) في سبتمبر 2025 كأحد ملامح “تفكك الدولة”، حيث رصد التقرير استخدام التنميط العرقي كأداة أمنية.

أنتج هذا الواقع الميداني مصطلح “الوجوه الغريبة”، وهو توصيف غير قانوني يُستخدم كذريعة أمنية لاعتقال النازحين والعابرين والمواطنين العاديين دون أي سند قانوني أو قضائي. ويعبر هذا المصطلح عن سيولة خطيرة في معايير الاشتباه الأمني، حيث تصبح ملامح الشخص أو انتماؤه الجغرافي سبباً كافياً لانتزاع حريته الشخصية أو حياته خارج إطار المحاكمة العادلة، وهو ما يؤسس لنظام أمني يعتمد على “التوسيم الهوياتي” بدلاً من “الدليل الجنائي”.

 

سابعاً: اقتصاد العنف وإعادة إنتاج بنية الصراع

 

تتجاوز ديناميات النزاع في السودان الإطار العسكري لتكشف عن تشكل بنية اقتصادية تعمل داخل الحرب وتعيد إنتاجها في الوقت نفسه، حيث يتبلور هذا النمط ضمن ما تصفه الأدبيات المعاصرة بـ”اقتصادات العنف”. كشف تقرير فريق خبراء مجلس الأمن الدولي في نوفمبر 2025 عن تشكل كارتيلات حرب تسيطر على طرق الإمداد وجباية الرسوم غير القانونية لتمويل العمليات العسكرية، وتتحول السيطرة على الأرض والمعابر والموارد الطبيعية إلى آلية مركزية لإعادة توزيع الثروة داخل بيئة سياسية متفككة.

تعمل هذه الآلية ضمن غياب احتكار الدولة للجباية والخدمات، مما يؤدي إلى انتقال وظائف اقتصادية أساسية إلى شبكات مسلحة وفاعلين محليين يمتلكون القدرة على فرض السيطرة الميدانية. يشكل هذا التحول إعادة دمج العنف في الدورة الاقتصادية، حيث يصبح العنف أداة تنظيم للتبادل والسيطرة وإدارة الموارد، وتتداخل العمليات الاقتصادية مع العمليات العسكرية داخل نفس البنية مما ينتج نظاماً اقتصادياً قائماً على إعادة إنتاج الصراع بدل تجاوزه، وينتج عن هذا التداخل تشكل مصالح مادية مرتبطة باستمرار حالة الحرب.

 

ثامناً: التهجير القسري وهندسة الفراغ المدني

 

تتجاوز عمليات التهجير الواسعة في الفاشر والجنينة والخرطوم والجزيرة مفهوم النزوح الاضطراري لتكشف عن إستراتيجية عسكرية تهدف إلى إخلاء المجال الحيوي وتفريغ الحواضر من كتلتها البشرية وتحويل المدن والقرى إلى مناطق نفوذ معزولة، وهو ما وثقه تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) في ديسمبر 2025 تحت عنوان “تفريغ الحواضر”، حيث رصد التقرير استخدام التهجير كأداة عقابية وهندسية ضد المجموعات المدنية بناءً على تصنيفات الولاء السياسي والاجتماعي المفترضة.

تبرز هذه الممارسة بوضوح في مناطق الخرطوم والجزيرة، حيث يتم استهداف السكان وإجبارهم على الرحيل تحت ذريعة الاشتباه بأنهم يشكلون مهدِّداً مستقبلياً، أو بناءً على الانتماء المناطقي لأقاليم دارفور وجبال النوبة، مما يحوِّل الفضاء المدني إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية عبر انتزاع حق السكن والأمان الشخصي. ويتطابق هذا النمط مع العمليات العسكرية في الفاشر والجنينة، حيث يتم استخدام الحصار والقصف المركز والترهيب الميداني لفرض واقع التهجير القسري. تهدف هذه العمليات إلى تفريغ المراكز الحضرية الكبرى من تجمعاتها السكانية التي لا تخضع لمنطق السيطرة المفروض من قبل القوى المسلحة، مما يسهِّل عملية إحلال بنى بديلة وإدارة الموارد المتروكة بعيداً عن أي رقابة مدنية أو قانونية. وتعمل هذه الديناميكية وفق منطق “التفريغ الوظيفي للمجال”، حيث يتم تحويل النزوح من أزمة إنسانية عارضة إلى جريمة تفكيك اجتماعي منظمة تهدف لإعادة رسم الخارطة الديموغرافية وفقاً لولاءات القوة والسيطرة، ويمثل هذا النمط حلقة استكمال لـ”المقصلة السودانية”.

 

تاسعاً: المسؤولية الدولية وغياب آليات الردع الفعال

 

يكشف استمرار الحرب وتوسع نطاق انتهاكات حق الحياة في السودان عن عجز بنيوي في آليات الردع الدولية والإقليمية. ورغم صدور قرارات من مجلس الأمن وإدانات من منظمات حقوق الإنسان فقد أدى غياب الإرادة السياسية لفرض عقوبات حقيقية على الممولين والموردين للسلاح إلى تطاول أمد النزاع. وضمن هذا الإطار المؤسسي لا يمكن إنكار الدور الإنساني للمؤتمرات الدولية مثل “مؤتمر باريس” و”جنيف” و”برلين” لدعم السودانيين، لكن تظل هذه المنصات محصورة في “الإغاثة التسكينية” ما لم ترتقِ في أجندتها لتصبح آليات حماية فعلية تضمن “حق الحياة” بكل مناظيره السيادية والوجودية.

فالحق في الحياة لا يتفكك فقط بيد المقاتلين المحليين، لكنه يتفكك أيضاً عبر صمت وتواطؤ شبكات المصالح الدولية التي تستمر في تغذية الصراع بالسلاح والعتاد مقابل الحصول على الموارد الأولية السودانية بأسعار زهيدة. هذا “التدويل السلبي” للنزاع يجعل من السودانيين ضحايا صراعات جيوسياسية تتجاوز حدود بلادهم، ويحوِّل حقهم في الحياة إلى ورقة مساومة في المحافل الدولية.

 

خاتمة: حق الحياة في مواجهة بنية “الموت المستدام”

 

يكشف هذا التشريح أن حق الحياة في السودان لم يعد قاعدة قانونية منتهكة، بل تحول إلى متغير خاضع لـ”مشروع هدم وظيفي” استهدف أسس الوجود المشترك، ومآلات استمرار هذه البنية التي تزاوج بين السلاح الكيميائي والفرز الهوياتي واقتصاد الحرب ستؤدي حتماً إلى تحويل السودان إلى “منطقة رمادية” خارج سياق التاريخ والقانون الدولي.

إن استعادة “الحق في الحياة” لا تبدأ من طاولات التفاوض السياسي التقليدي، لكنها تمر عبر مسارات حتمية تفرض ضرورة تفعيل ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية بناءً على أدلة استخدام الأسلحة المحرمة، وسياسات التطهير العرقي لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب، وتصنيف الإسلامويين جماعة إرهابية وتفكيك بنية اقتصاد العنف عبر تجفيف منابع تمويل شبكات الحرب، وتفكيك “اقتصادات الظل” التي تحول أجساد المواطنين وممتلكاتهم إلى وقود لاستمرارية النزاع، وبناء عقد إنساني جديد من كتلة مدنية صلبة تؤسس لسيادة وطنية قوامها “قدسية الحياة” كأولوية تسبق أي طموح سيادي أو عسكري.

المسؤولية اليوم تتجاوز الطرفين المتقاتلين، وتضع الضمير العالمي والقوى الوطنية أمام اختبار تاريخي. ويفرض ذلك الاعتراف الصريح بأن ما حدث عملية “هدم متعمد” تتطلب إعادة بناء جذرية لاحتكار الدولة للقوة تحت رقابة القانون، وأن الاستسلام لنظام “الموت المستدام” الذي لن يستثني أحداً هو الخيار البديل. لا يمكن للسودان أن يستعيد عافيته ما لم يصبح الإنسان هو المهمة الأولى والأخيرة للسلطة، لضمان ألا يظل الموت هو النظام الوحيد لإدارة المستقبل.

 

المصادر المرجعية والتوثيقية:

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 3).

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 6).

اتفاقيات جنيف الأربع (1949) والبروتوكولات الملحقة بها.

اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC).

تقارير UN OCHA وUN OHCHR (2023–2026).

وزارة الخارجية الأمريكية (مارس 2026): القرار الرسمي بتصنيف “جماعة الإخوان المسلمين في السودان” منظمة إرهابية أجنبية وسمّت “كتيبة البراء بن مالك” الجناح العسكري لها.

وزارة الخارجية الأمريكية (19 فبراير 2026): قرار فرض عقوبات على قادة الدعم السريع بتهمة ارتكاب “إبادة جماعية” في الفاشر ومن بينهم العميد الفتح عبد الله إدريس (أبو لولو).

تقرير فريق خبراء مجلس الأمن الدولي (نوفمبر 2025): التقرير الدوري حول شبكات تجنيد ونقل مقاتلين عابرين للحدود من دول الجوار واقتصاد الظل وتمويل الحرب.

وزارة العدل الأمريكية (أبريل 2026): لائحة الاتهام الرسمية والبيان الصحفي بشأن اعتقال المواطنة شميم مافي (Shamim Mafi) بتهمة التوسط في صفقات مسيرات وتقنيات عسكرية بين الحرس الثوري الإيراني والجيش السوداني عبر شركة “أطلس للأعمال الدولية” المسجلة في سلطنة عمان.

تحقيقات شبكة (CNN) وصحيفة (The Wall Street Journal): تقارير استقصائية حول انخراط خبرات فنية وعناصر عابرة للحدود وأنماط الدعم التقني في النزاع السوداني (2025-2026).

وزارة الخارجية الأمريكية (مايو 2025): القرار رقم (2025-11854) لفرض تدابير على السودان لاستخدام الأسلحة الكيميائية.

فرانس 24 (أكتوبر 2025): تحقيق استقصائي بصري حول هجمات غاز الكلور في مصفاة الجيلي.

منظمة العفو الدولية (يناير 2026): تقرير “سلاسل القيادة المتوازية: تعدد الفاعلين المسلحين في النزاع السوداني”.

بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق (سبتمبر 2025): تقرير حول التنميط العرقي والاحتجاز التعسفي في ارتكازات أطراف النزاع.

هيومن رايتس ووتش (ديسمبر 2025): تقرير “تفريغ الحواضر” حول التهجير القسري الممنهج في الخرطوم ودارفور.

جامعة ألاباما في برمنغهام (UAB) – نوفمبر 2025: تحليل طبي وأكاديمي حول أثر غاز الكلور في الأزمات الإنسانية بالسودان.

شهادات ميدانية وتوثيقات استقصائية: من مناطق (بورتسودان، القضارف، كسلا، الجزيرة، النيل الأبيض، وسنار) للفترة ما بين 2023-2025.

 

رصد القرارات الدولية:

التحولات في الموقف الدولي (2026)

19 فبراير 2026: تصنيف وزارة الخارجية الأمريكية لقادة من قوات الدعم السريع (العميد الفتح عبد الله إدريس – أبو لولو) كمسؤولين عن جرائم “إبادة جماعية” في دارفور وفرض عقوبات عليهم.

مارس 2026: صدور قرار رسمي من الخارجية الأمريكية بتصنيف “جماعة الإخوان المسلمين في السودان” منظمة إرهابية أجنبية مع تسمية “كتيبة البراء بن مالك” كجناح عسكري مسؤول عن تقويض السلام.

نوفمبر 2025: تقرير خبراء مجلس الأمن الدولي يوثق شبكات تجنيد عابرة للحدود وتنامي اقتصاد الظل لتمويل العمليات القتالية.

 

قاموس المقصلة: مفاهيم التشريح البنيوي

الموت المستدام: حالة تتجاوز القتل الجسدي المباشر لتشمل تدمير الشروط الحيوية (مياه، كهرباء، مشافي) مما يجعل الحياة مستحيلة حتى بعد توقف الرصاص.

التنصل الوظيفي: إستراتيجية تتبناها الأطراف العسكرية للهروب من المسؤولية الجنائية عبر وصف المجموعات التابعة لها بأنها “عناصر متفلتة”.

التوسيم الهوياتي: استبدال الدليل الجنائي بملامح الوجه أو اللهجة أو الانتماء القبلي كمعيار للاعتقال أو التصفية (نموذج “الوجوه الغريبة”).

هندسة الفراغ المدني: الإخلاء الممنهج للمدن من سكانها الأصليين لإعادة رسم الخارطة الديموغرافية وفقاً لولاءات القوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *