من إدارة الأزمة إلى تفكيك منظومة الحرب: مجلس السلام الدولي واختبار السودان الجذري
وضاح شرف الدين
مقدمة: سؤال النجاح المحوري
انتهى الجزء الأول المنشور في العدد (40) عند سؤال وجودي: ماذا يعني أن “ينجح” مجلس السلام الدولي في السودان؟ هل هو وقف هش لإطلاق النار؟، أم إدارة أكثر كفاءة للإغاثة؟، أم انتقال سياسي محدود؟ الحقيقة أن النجاح في حالة السودان يجب أن يكون جذرياً: تفكيك منظومة الحرب ذاتها، لا تجميدها.
هذا التحدي ليس نظرياً. فالسودان، بعد عقود من الصراعات المتجددة، لم يعد مكاناً للحلول الترقيعية. وهنا يقف المجلس أمام امتحان وجوده: إما أن يكون أداة لإنهاء الحرب، أو مجرد إدارة جديدة لأزمة مزمنة.
الفصل الأول: التشخيص الجذري – دولة بلا جهاز دولة
غياب الدولة الحقيقية عبر التاريخ الحديث
السودان لم يشهد انهياراً للدولة فحسب، بل عاش ظاهرة فريدة: دولة شكلية تحكمها “منظومة عميقة” أمنية-اقتصادية، حيث تم تجيير كل مؤسسات الدولة الرسمية لخدمة مصالح ضيقة. فمنذ الاستقلال، ظلت المؤسسة العسكرية والأمنية – وخاصة بعد انقلاب 1989 – بديلاً عن الدولة، تسيطر على الاقتصاد والسياسة وتحول المؤسسات المدنية إلى واجهات فارغة.
اختطاف الأمن القومي وتحويله إلى أمن النظام
“الأمن القومي”، بمفهومه الأكاديمي الشامل، هو “حماية الكيان السياسي للدولة وسيادتها واستقرارها المجتمعي من التهديدات الخارجية والداخلية، في إطار يحفظ حقوق المواطن ويضمن التنمية المستدامة”. لكن المنظومة الحاكمة في السودان إبان فترة حكم ما تعرف بالحركة الإسلامية قلبت هذا المفهوم رأساً على عقب، فحولت الأمن القومي إلى أمن النظام، واستخدمت أدوات الدولة لتدمير النسيج الاجتماعي نفسه.
أولاً: تسليح قبائل ضد قبائل كاستراتيجية حكم ممنهجة
– تجربة الجنجويد والمليشيات القبلية (ثلاثة عقود): تحويل نزاعات محلية حول الأرض والمرعى في دارفور إلى حرب إبادة عبر تسليح جماعات قبلية وإعطائها صفة “قوات شعبية” تحت مظلة الدفاع الشعبي.
– النيل الأزرق وجنوب كردفان: إعادة إنتاج نفس النموذج عبر “قوات الدعم السريع” والميليشيات المتحالفة، حيث تم تسليح وتدريب جماعات قبلية معينة لقتال حركات تمرد.
– سياسة “فرِّق تسد” الهيكلية: تحويل التنوع السوداني من مصدر ثراء إلى ساحة حرب دائمة.
ثانياً: اختطاف الدولة لصالح الحركة الإسلامية ونخب الفساد
– تأسيس “دولة داخل الدولة” عبر شبكة اقتصادية أمنية موازية تُدار من قبل كادر الحركة الإسلامية.
– تحويل الجيش والمخابرات إلى أداة حزبية، وتطهير المؤسسة العسكرية من الكفاءات المستقلة.
– نظام الفساد المنظم كآلية حكم، حيث أصبح الإثراء غير المشروع وغض الطرف عنه مكافأة على الولاء.
الفصل الثاني: اقتصاد الحرب – الآلية التي تعيد إنتاج الصراع
الجوهر الحقيقي للصراع السوداني اليوم يكمن في اقتصاد الحرب: الذهب، التهريب، الشركات الواجهة، التمويل الإقليمي غير المعلن، وحتى بعض مسارات الإغاثة التي تحولت إلى مورد للصراع. ما لم تُضرب هذه الشبكات، ستظل الحرب قادرة على إعادة إنتاج نفسها، حتى في ظل اتفاقيات سلام موقَّعة.
دروس من تجارب مماثلة:
– الصومال (1991-2012): فشلت المبادرات التي تفاوضت مع “أمراء الحرب” فقط، دون معالجة اقتصاد الحرب القائم على القرصنة وتهريب المواد.
– ليبيريا وسيراليون: نجحت عملية نزع السلاح فقط عندما رُبطت ببرنامج واضح لإصلاح القطاع الأمني يشمل حل الميليشيات وإعادة بناء جيش وطني مهني.
– كولومبيا: لم ينجح السلام مع “فارك” بمجرد وقف إطلاق النار، بل بتفكيك شبكات التمويل عبر المخدرات.
الفصل الثالث: إعادة تعريف دور مجلس السلام – من الوسيط إلى مهندس التفكيك
المأزق الأول: شرعية المجلس الغامضة
في صيغته الحالية، يبدو المجلس كياناً أمميّ الأصل، لكنه منفصل عن البنية المؤسسية الجماعية. وللسودان، حيث يُنظر إلى أي تدخل خارجي بعين الريبة التاريخية، فإن هذا الغموض يضعف السلام.
الحل المقترح: إعادة تأصيل المجلس قانونياً ضمن مظلة الأمم المتحدة، مع قيادة جماعية إقليمية-دولية تضم الاتحاد الإفريقي والإيقاد، وتمثيل دائم للقوى المدنية السودانية.
المأزق الثاني: اختزال السودان في الأطراف المسلحة
القوة الاجتماعية والسياسية الحقيقية التي أفرزتها ثورة ديسمبر لا تزال خارج غرف التفاوض، أو تُستدعى بوصفها شاهداً لا شريكاً.
الحل المقترح:
– الاعتراف بالتحالفات المدنية (مثل تحالف صمود) كحامل سياسي واجتماعي شريك وملزم.
– إنشاء مجلس سياسي مدني موازٍ تكون قراراته ملزمة للمسار التفاوضي ككل.
المأزق الثالث: تأجيل العدالة باسم الواقعية
أثبتت التجربة السودانية أن تأجيل العدالة باسم الواقعية السياسية لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى حروب مؤجلة.
الحل المقترح: إقرار مسار عدلي متزامن مع المسار السياسي، بالتنسيق مع المحكمة الجنائية الدولية، وربط أي منح للحصانات السياسية بتقدم ملموس في مسار العدالة.
الفصل الرابع: خارطة التنفيذ المتكاملة – من التفكيك إلى إعادة البناء
المرحلة التأسيسية (0-90 يوماً): بناء الإطار الهجين
- قرار مجلس الأمن الدولي: يحدد الولاية التنفيذية للمجلس وإطاراً زمنياً قابلاً للتجديد.
- القيادة الجماعية: تشكيل هيئة قيادية من (الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، إيقاد + ممثلين دائمين للقوى المدنية السودانية).
- التمويل الذكي: إنشاء صندوق دولي مخصص، مع ربط التمويل بمؤشرات أداء واضحة.
مرحلة تفكيك اقتصاد الحرب (3-6 أشهر): تجفيف منابع التمويل
- وحدة دولية متخصصة: لتتبع وتجميد أصول المستفيدين من الحرب، بالتعاون مع مؤسسات مثل (فينتاك) واليونيتاد.
- ضغوط مالية منسقة: عقوبات ذكية عبر الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
- تحالف لمراقبة الحدود: مع دول الجوار، لمراقبة نقاط التهريب الرئيسية.
مرحلة إصلاح المنظومة الأمنية (6-12 شهراً): تفكيك الدولة الموازية
الآليات العملية المقترحة
- لجنة الحقيقة للأجهزة الأمنية:
- توثيق تاريخ تجيير الجيش والأمن لصالح الحركة الإسلامية ونخب الفساد منذ 1989.
- الكشف العلني عن شبكات التمويل والثروات غير المشروعة.
- تفكيك الاقتصاد الأمني الموازي:
- مصادرة جميع الشركات والمشاريع التجارية المملوكة للأجهزة الأمنية.
- إصلاح الميزانية العسكرية مع شفافية كاملة.
- إعادة تأسيس الجيش الوطني المهني:
- حل جميع المليشيات (الدعم السريع، مليشيات البراء، درع السودان، الحركات المسلحة بمختلف مسمياتها؛ الأمن الشعبي، الدفاع الشعبي).
- إعادة دمج العناصر عبر إجراءات مهنية صارمة تشمل فحص التاريخ الفردي.
- صياغة عقيدة عسكرية جديدة تقر بتبعية الجيش للسلطة المدنية.
- بناء جهاز أمن وطني جديد:
- حل جهاز الأمن والمخابرات الوطني الحالي.
- تأسيس جهاز جديد تحت قيادة مدنية، بمهمة واضحة متعلقة بأمن الدولة الحقيقي.
مرحلة إعادة البناء السياسي (12-18 شهراً): إشراك المجتمع
- المؤتمر الدستوري المدني: عملية سياسية يقودها المجتمع المدني لصياغة العقد الاجتماعي الجديد.
- الإشراف المدني على الاتفاقيات: منح التحالف المدني سلطة رقابية على تنفيذ أي اتفاق.
- آلية العدالة الانتقالية: بدء عمل هيئة الحقيقة والعدالة، بالتوازي مع التحقيقات الدولية.
الضمانات الدستورية والدولية:
– دستور دائم يُحرّم تسييس الأجهزة الأمنية.
– بعثة الأمم المتحدة لدعم الإصلاح الأمني في السودان (UNMSRS)” وهي عبارة عن اسم مقترح (بعثة الأمم المتحدة لدعم الإصلاح الأمني في السودان- United Nations Mission for the Support of Security Reform in Sudan. ) ذات سلطات رقابية فوقية.
– ربط الدعم الإقليمي والدولي بعدم التعامل مع أي قوات خارج الإطار القانوني للدولة الجديدة.
الخاتمة: من دولة المليشيات إلى دولة المواطنة
السودان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار كدولة-غزو تديرها مليشيات متحاربة على أنقاض شعب، أو التحول إلى دولة عقد اجتماعي تقوم على مؤسسات مهنية تحمي جميع مواطنيها.
مجلس السلام الدولي سيفشل إذا تعامل مع “أطراف النزاع” كما هي. وسينجح فقط إذا امتلك الجرأة ليكون مهندس تفكيك لدولة الفساد والأمننة، ومساعداً في ولادة دولة القانون والمؤسسات. هذه ليست مهمة دبلوماسية تقليدية، بل هي عملية تأسيس دولة من العدم – وهي المهمة الوحيدة التي تبرر وجود المجلس وتاريخ المعاناة الذي يستحقه شعب السودان.
الاختبار الحقيقي ليس في توقيع اتفاق، بل في اقتلاع أسباب الحرب من جذورها المالية والسياسية والاجتماعية. هذه هي المهمة الوحيدة التي تليق بشعب عانى طويلاً، وتستحق أن يُسمى مجلس السلام “مجلساً” وأن يُسمى عمله “سلاماً”.