الصحافة والسلطة: معركة على من يعرِّف الواقع
أماني أبو سليم
كل مرة تُنشر فيها معلومة لا تريد السلطة أن تُقال، يتغير شيء غير مرئي في المجتمع، لكنه يغيّر طريقة الناس في التفكير والكلام والسؤال.
الصحافة لا تملك جيشاً، ولا قانوناً، ولا سلطة تنفيذية، لكنها تملك شيئاً أكثر خطورة، القدرة على كشف ما تريد السلطة إخفاءه. وظيفتها الأساسية لا تقتصر على نقل الأخبار، بل تمتد إلى مراقبة السلطات الثلاث، وإتاحة المعلومات للمجتمع، وخلق ضغط عام مبني على المعرفة. وبمعنى أدق، هي الوسيط الذي يحول المعرفة إلى قوة اجتماعية، فحين تصل المعرفة إلى الناس يميل ميزان القوة لصالحهم لا للسلطة.
أهم أدوار الصحافة أنها تمثل رقابة مستمرة على السلطة. هذه الرقابة لا تمنع الخطأ، لكنها تقيد القدرة عليه، لأن كل ما يُدار في الظلام قابل لأن يُكشف، وكل كشف يخلق ضغطاً. بهذه الطريقة، يمكن تدارك الأخطاء قبل أن تتفاقم وتتحول إلى أزمات أو كوارث. يقوم هذا الدور على مبدأ بسيط وخطير في الوقت نفسه، أن المعلومة يجب أن تكون متاحة للجميع، لا تحتكرها السلطة وحدها.
عندما تتاح المعلومة وتنتشر، تصبح السلطة أكثر حذراً، ويتراجع الفساد، أو على الأقل يُكشف بسرعة، وبذلك تصبح القوة في يد المواطن لا السلطة. وهنا مكمن الخوف من الصحافة الحرة المستقلة، ففي الأنظمة الدكتاتورية أو العسكرية، يُبقى على الصحافة شكلياً، ثم يُعاد تصميمها لتخدم السلطة، لتتحول من أداة رقابة إلى أداة في يد السلطة تبرر قراراتها، وتجمّل إخفاقاتها، وتشيطن خصومها.
السيطرة على الإعلام تهدف إلى احتكار تفسير الواقع.
يدخل الزيف والتضليل في تفسير الأحداث بحيث تُفهم كما تريد السلطة، فتتسع الفجوة بين الواقع كما هو، والواقع كما يُعرض على صفحات وشاشات السلطة.
في المقابل، تعمل الصحافة المهنية الحرة بعكس هذا المنطق، إذ تقدم روايات متعددة مدعومة بالأدلة وقابلة للنقاش والتفنيد، فيكبر أثرها الاجتماعي والسياسي لأن الفساد مثلاً أو الخطأ، سيمر بمسار واضح يبدأ بمعلومة، ثم يتحول إلى قضية، وينتهي بضغط سياسي. وكل تحقيق صحفي ناجح يعني معرفة أكثر لدى المجتمع، وتراجعاً في مساحة الخوف، ووعياً أعلى يصعب التحكم فيه.
لهذا تعمل الأنظمة السلطوية على تقويض حرية الصحافة واستقلاليتها، لأنها تقوّض ما تدعيه من صورة خادعة لنفسها من الإنجاز الدائم والاستقرار، والتهديد الخارجي حين الإخفاق البائن.
التضليل الذي تمارسه الأنظمة الدكتاتورية أو العسكرية هو جزءٌ أصيل من أدوات الحكم، ولهذا هي تخشى الصحافة الحرة المستقلة لأنها تفككه، وتختبره بالوقائع، وتكشف تناقضاته، وتعيد ربط الناس بما يحدث فعلاً.
هذه الأنظمة تعمد إلى السيطرة على الإعلام لتتمدد سلطتها بلا رقابة، ويصبح تسييس القضاء أسهل، وتتحول المؤسسات إلى أدوات بدلاً من أن تكون ضوابط.
في المقابل، كل معلومة موثوقة تُنشر في بيئة حرة تعني مواطناً أكثر قدرة، وسلطة أقل تحكماً.
بوجود الصحافة الحرة المستقلة تكسب المجتمعات عملياً، إذ يتحقق اقتصاد أكثر كفاءة، لأن الفساد سيكون أقل أو مكشوف، والبيئة أكثر جذباً للاستثمار بسبب الشفافية، إلى جانب استقرار حقيقي لا يقوم على القمع أو الوهم. والأهم من ذلك كله هو تحول المواطن من متلقٍ إلى فاعل.
تخاف السلطة من الصحافة الحرة المستقلة لأنها تكسر احتكار ما يُقال، وتفتح ما يُراد إغلاقه، وتمنع تحويل السلطة والموارد العامة إلى مصالح خاصة.