مؤتمر الخريجين.. بين عباءة الطائفية والبزات العسكرية

عبدالباقي مختار (بقة)

 

أَن تُقَاوِم يعني: التأكُّدَ من صحّة

القلب ومن دائكَ المتأصِّلِ: داءِ الأملْ.

“حالة حصار ”

محمود درويش

 

إذا اعتبرنا “مؤتمر الخريجين” الذي تأسس في السودان عام 1938 كأول كيان سياسي وطني بعد جمعية اللواء الأبيض، فإن قراءة تاريخنا السياسي والثقافي السوداني المعاصر لا تكتمل دون الوقوف مليّاً عنده لما يمثله من محطة تاريخية مهمة لا تزال تلقى بظلالها وسلبياتها على واقعنا الآني. فتلك المحطة -أي مؤتمر الخريجين- لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت استجابة واعية للحظة فارقة في تاريخنا الوطني.

ففي أعقاب انحسار زخم ثورة اللواء الأبيض، وما تلاها من حالات الإحباط والانكفاء على الذات في أوساط النخبة المتعلمة، برزت في أحياء أم درمان تجمعات فكرية نوعية، كجماعتي أبو روف والهاشماب. واتخذ هؤلاء المتعلمون من العزلة الذاتية مساحة للعمل الاجتماعي والثقافي، فاشتغلوا على تداول المعارف الأدبية والترجمة ومراسلة الصحف والمجلات والدوريات العلمية والثقافية في مصر والدول الأخرى، والتفاعل مع الفكر التحرري العالمي، متأثرين بنموذج المؤتمر الوطني الهندي.

 

إطار تنظيمي طليعي

ومن هذا التفاعل والتداخل الفكري، الثقافي والسياسي، وُلدت فكرة “مؤتمر الخريجين كإطار تنظيمي طليعي”، لتتحول تلك الجماعات من مجرد تجمعات فكرية في أحياء أم درمان إلى نواة لحركة وطنية عملت على التبصير وتطوير الوعي بالاستقلال، فقام المؤتمر بتنظيم الجماهير والعمل السياسي ضد الحكم الاستعماري. لكن مع مرور الوقت، ونتيجة لتباين الرؤى حول كيفية التعامل مع قضية الاستقلال، حدثت انشقاقات كبيرة قادت إلى ميلاد الأحزاب السياسية الحديثة في السودان، وبلغت تلك الانشقاقات ذروتها في منتصف الأربعينيات، حيث خرجت عدة تيارات من عباءة المؤتمر لتأسيس أحزاب سياسية، أبرزها حزب الأمة (عام 1945) ثم الأحزاب الاتحادية لاحقًا.

وبعد فشل عدة محاولات لاحتواء هذه الانشقاقات -التي ستتناسل في مستقبل العمل السياسي في السودان- تراجع دور مؤتمر الخريجين ككيان جامع، مما فتح الباب على مصراعيه لدخول قادة طائفتي الأنصار والختمية إلى العمل السياسي، وتعبئة الجماهير على أساس الولاء الطائفي. وكدأب الطائفية التي لم تناصر جمعية اللواء الأبيض وثورة 1924 جاءت تنظيماتها السياسية سالكة لمنهج العمل السياسي السلمي وبعيداً عن المواجهات العنيفة. اختيار طريق المشاركة في العمل السياسي مهد الطريق لصعود دور الطائفية، وتحول العمل السياسي إلى صراع حزبي طائفي وظل سمة اساسية من سمات المشهد السياسي السوداني منذ ذلك الحين. وامتداداً لهذا السياق التاريخي، لا تزال آثار هذه الانشقاقات تتداعى وتتمدد حتى يومنا هذا.

في كتابة سابقة لي، ضمن سلسلة حملت عنوان “مؤتمر الخريجين.. طالعني الخلاء”، نُشرت قبل ستة أعوام في مايو 2020 سلسلة مقالات على عدة منصات، خلصتُ في حلقتها الأولى إلى تطابق مقولة “من شابه أباه ما ظلم” مع واقع السياسة في السودان الشمالي. فقد بُني العمل السياسي على تركة مؤتمر الخريجين وانشقاقات مؤتمر الخريجين في منتصف القرن الماضي، التي تميزت بصراعات شخصية وإعلاء الذاتي على حساب الموضوعي، وتحويل المشاريع الوطنية إلى رفض للواقع وغرق في الترف الفكري، بدلاً من العمل والمقاومة تحت مظلة مشروع وطني يبني نسيجاً اجتماعياً يقود إلى أمة سودانية واحدة.

 

الاستقواء بالطائفية

وعندما سنحت الفرص مبكراً لم يرتقِ معظم هؤلاء إلى مستوى حمل أحلام الشعوب السودانية المتعددة ببناء أمة واحدة، بل ظلوا أسرى خيالاتهم وصراعات الطلاب والانتصارات الصغيرة للذات، التي كانت دوماً تعلو على الموضوعي، فسقطوا في أول امتحانات الوطن والمواطنة. وفي بحثهم عن انتصار الذات، لجأ مثقفو وطليعيو مؤتمر الخريجين إلى خَطْب ودِّ وإيقاظ الطائفية واستغلالها لتصفية صراعاتهم الشخصية وتحقيق انتصاراتهم الذاتية، دون الاكتراث لخطورة توظيف الطائفية في العمل السياسي وتحشيد الجماهير على أساسها.

 

في تجربة مؤتمر الخريجين، نلمس بوضوح كيف أثرى مرض التسلط الذاتي على حساب العمل العام، فحول النضال الجماعي إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية. ففي خضم صراعاتهم أو انشقاقاتهم الداخلية، لم يجد المنشقون متنفَّساً لتحقيق طموحاتهم سوى بالاستنجاد بالقوى الطائفية التقليدية، التي راهنوا عليها كحليف لتكريس انتصاراتهم الضيقة وإقصاء خصومهم. وهكذا خضعوا واستكانوا لتشكيل أحزاب تقليدية التوجه، نهشت بدورها الجسد الحداثي لمؤتمر الخريجين، وبذلته فريسة للقوى التقليدية التي كان يفترض أن يحاربها.

غير أن السؤال الأعمق الذي راودني وراود الكثير منا وطرح نفسه بإلحاح: أولئك الذين عارضوا أو رفضوا اللجوء إلى الطائفية أو التواطؤ مع القوى التقليدية، وتمسكوا بجوهر المشروع التحديثي -علماني أو ديني -، أين انتهى بهم المطاف؟ هل استطاعوا الصمود خارج المؤسسات التقليدية؟، أم أن منطق الإقصاء طالهم أيضاً، فتحولوا إلى أصوات هامشية أو ضحايا لصعود الأحزاب الطائفية واستئسادها بالسلطة وقرارات مستقبل الوطن؟.

 

حاضنة لليسار والإخوان

بعودة سريعة لتاريخ اليسار السوداني نجد أنه لم ينشأ ككتلة تأسيسية ضمن “مؤتمر الخريجين” عند تأسيسه عام 1938، بل كان نتاجاً طبيعياً للوعي الوطني الذي أطلقه المؤتمر لاحقاً. فقد وفرت أندية المؤتمر، مثل نادي أم درمان، حاضنة فكرية لنقاش الأفكار الاشتراكية عبر الصحف، والمجلات والكتب الواردة من الخارج، كما دعمت أنشطة المؤتمر بدورات أو دروس تنظيمية تعلم من خلالها من انتموا لليسار أدوات وطرق حشد الجماهير، ما انعكس لاحقاً في إنشاء النقابات العمالية والروابط الطلابية. ومع سيطرة التيارات التي لجأت واحتمت بالطائفية التقليدية (الأنصار والختمية) على مفاصل المؤتمر، شعرت جموع اليسار بالحاجة إلى تنظيم سياسي مستقل، فأخذهم انشقاقهم عن المؤتمر إلى سكة تأسيس “الحركة السودانية للتحرر الوطني” (حستو) عام 1946، الحركة التي كانت نواة للحزب الشيوعي السوداني لاحقاً.

في المقابل أيضاً نجد أن العلاقة بين مؤتمر الخريجين وجماعة “الإخوان المسلمين” في السودان بدت كقصة تحول فكري وتنظيمي خلال أربعينيات القرن الماضي، وبما أن المؤتمر كان مظلة وطنية جامعة ضد الاستعمار انتظمت فيه تيارات متعددة، إلا أن بعض المثقفين المتأثرين بأفكار حسن البنا شعروا بالحاجة إلى مرجعية إسلامية صريحة وتربية دينية تتماشى مع فكرة وفكر جماعة الإخوان المسلمين المهاجرة من مصر آنذاك، أفكار وشعارات لا يقدمها أو يتبناها المؤتمر ذو التوجه القومي العام. فبدأوا بتشكيل نواة مستقلة، فأعلنوا تأسيس “حركة التحرير الإسلامي” التي تحولت لاحقاً إلى (جماعة الإخوان المسلمين السودانية) وقد كان على رأسها الشيخ علي طالب الله الذي شكل الجناح الأقدم بالحركة الإسلامية في السودان في العام 1945، وهو الجناح الذي ارتبط بحركة الإخوان المسلمين في مصر وبايع الشيخ حسن البنا.

التحالف مع المؤسسة العسكرية

على المستوى العملي، بالنسبة للحزب الشيوعي أو اليسار بشكل عام وكذلك حركة الإخوان المسلمين، قابلوا صراعات الأجنحة والتيارات الرئيسية في مؤتمر الخريجين والتي انتهت بلجوء وتحالف تلك التيارات مع القوى التقليدية “الطائفية”، قابلتها هذه القوى  -اليسار والإخوان المسلمون- بتحالف مختلف؛ تحالف اتسم بالشروع في تغلغل هذه التنظيمات السياسية -اليسار والإخوان المسلمين- داخل المؤسسة العسكرية منذ أيام الاستقلال الأولى، حيث استطاع اليسار بناء التحالف مع مجموعة من الضباط أطلقت على نفسها “الضباط الأحرار”، أسوة بحركة يوليو 1952 في مصر تحت قيادة جمال عبدالناصر، فنتج عنها ما شهده السودان في 25 مايو 1969 من انقلاب عسكري بقيادة جعفر نميري، والذي تحول سريعًا إلى نقطة تحول مفصلية في تاريخ البلاد، خاصة مع انضمام قوى اليسار السوداني وفي مقدمتها الحزب الشيوعي لانقلاب مايو. إذ إن ذلك التحالف مع المؤسسة العسكرية لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة الأزمة الشهيرة التي عاشتها “الديمقراطية الثانية” (1965-1969)، حيث ساد الاستقطاب الحاد وضعف الأداء الحكومي، وعجزت الأحزاب الطائفية التقليدية (حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي) عن معالجة الأزمات السياسية التي انتهت بحل الحزب الشيوعي، مما خلق مناخاً ومبرراً لليسار ليحولها إلى فرصة للتغيير الجذري. كما تأثر الطرفان-الجيش واليسار- بالمد القومي الناصري في المنطقة، الذي رأى في الجيش أداة للثورة والتحول الاجتماعي السريع، مما دفع القوى اليسارية إلى السعي لتطويق نفوذ القوى التقليدية (الأنصار والختمية) التي كانت تعيق، من وجهة نظرهم، تصورهم أو برنامجهم للديمقراطية وأي تقدم اشتراكي.

وبعد نجاح الانقلاب مباشرة، أعلن الحزب الشيوعي تأييده، وقدم مستشارين ووزراء للحكومة الجديدة، فتولت كوادر من اليسار مناصب مؤثرة في الإعلام والنقابات والوزارات الاقتصادية، وساهموا في توجيه الدولة نحو سياسات اشتراكية وتأميم واسع. لكن هذا التحالف لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما تصاعدت التناقضات بين المؤسسة العسكرية ممثلة في النميري والحزب الشيوعي الذي رأى فيه ضباط الجيش بقيادة جعفر نميري منافساً على السلطة. وبلغت الأمور ذروتها بمحاولة انقلاب قام بها ضباط شيوعيون في 19 يوليو 1971، فانقلب نميري على حلفائه وشن حملة قمع وحشية أودت بحياة قادة الحزب أمثال عبد الخالق محجوب والقائد النقابي الشفيع أحمد الشيخ وآخرين، والقضاء على تلك الحركة داخل الجيش وإعدام قيادات اليسار السوداني.

هذا الصدام الدموي، عبَّد الطريق أمام اليمين والقوى الغربية وحلفائها (الإخوان المسلمين) للذهاب نحو التحالف مع المؤسسة العسكرية وملء الفراغ الذي تركه اليسار، فصعدوا إلى مقاعد السلطة تحت قيادة الدكتور حسن الترابي، وتوج ذلك التحالف بإعلان قوانين سبتمبر التي أثارت جدالاً واسعاً وخلقت انقساماً واضحاً بين السودانيين، وصارت سبباً أساسياً سيؤدي لاحقاً إلى انقسام السودان جغرافياً. ولا تزال الانقسامات تتوالد.

 

الغلبة لمن يحمل السلاح

لقد جسَّد هذا المسار الدرامي حقيقة مركزية في السياسة السودانية: إذا كان صراع التيارات الرئيسية داخل مؤتمر الخريجين قد قاد أو دفع أطرافه القوية للتحالف مع القوى التقليدية وأنتج الصراع السياسي الطائفي، فإن القوى الحديثة التي خرجت من مؤتمر الخريجين من اليسار واليمين قد جذبتها البزات العسكرية وذهبت للتحالف مع الجيش من أجل الوصول للسلطة. لكن كما وضح جلياً، بحكم التجربة وكما اتفقنا وذكرنا في أكثر من موقع، أنه مهما بدت النوايا مشتركة وحسنة، لقد كانت دوماً ما تنتهي بسحق القوى المدنية التي ساعدت العسكر على الوصول إلى السلطة والتربع على سدة الحكم.

لكن من كل ما ورد من أحداث تاريخية وما يجري الآن يؤكد أن مؤتمر الخريجين لم يكن مجرد محطة تاريخية في سجل الحركة الوطنية، بل هو الرحم الذي تشكلت فيه إشكالية الدولة السودانية المعاصرة. لقد كان هو المعمل والرحم الحاضن للخطيئة الأولى التي تمثلت في تقديم الذاتي والأنا الشخصية والحزبية على الموضوعي “الوطني”، مما جعل البلاد تتأرجح بين صراعات القوى التقليدية مرة وانقلابات العسكر مرات أخرى.

ويظل الدرس المرير الذي هاجر للحظتنا التاريخية والآنية هذه ولم نتعلم منه، لا يكمن في تعدد الاتجاهات الفكرية أو تباينها، بل في عجز من تقدموا للعمل العام من النخبة السودانية عن بناء مشروع وطني عابر للذاتي وللولاءات الأولية (الطائفية أو العسكرية). إذ إن استمرار الانشقاقات وتداعياتها الماثلة حتى لحظتنا الراهنة يفرض علينا التوقف والتأمل في دواخلنا قبل أن نلقي اللوم على الظروف الخارجية أو القوى المتصارعة، والاعتراف بأننا لا نزال ندور في حلقة مفرغة من انتصارات الذات الصغيرة، بينما يظل الوطن والأمة الموحدة ومستقرة، هو الهم الثانوي أو الغائب تماماً عن حسابات من صعدوا إلى منصات اتخاذ القرار وتصدروا المشهد منذ منتصف الأربعينيات حتى يومنا هذا (في الحكم أو المعاضة).

وتبقى الأسئلة التي تبحث عن طريق إلى تفكير كل بحاث عن إجابات صادقة منا أو من الاجيال القادمة:

إذا كان مؤتمر الخريجين قد فشل في احتواء التنوع الفكري، هل كان بالإمكان تاريخياً ظهور كتلة تاريخية ثالثة ترفض ثنائية (الطائفية – العسكرية)؟ أم أن سياق التكوين الاجتماعي للسودان كان محكوماً عليه بالانزلاق نحو هذه الثنائية؟.

هل كانت المؤسسة العسكرية تتربص بصبر ضعف قوى اليسار واليمين لتفرض رؤيتها الخاصة منذ البداية ولتلقي بالمسؤولية التاريخية لعسكرة السياسة السودانية على عاتق تياري (اليسار واليمين) وفي استدعاء الجيش للحكم؟.

كيف يمكن للنخب السودانية اليوم تجاوز إرث “مؤتمر الخريجين” والانتقال من مرحلة التنافس على كراسي السلطة إلى مرحلة التوافق على عقد اجتماعي يضع أسس لبناء أمة سودانية عجز أو غفل -سهواً أو عمداً- عنها الآباء المؤسِّسون؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *