السودانيون بين جحيم الحرب ونيران اللجوء
سفارة عاجزة ومفوضية صامتة
شيماء تاج السر، المحامية
في الخامس والعشرين من إبريل 2023، انقلبت حياة الملايين من السودانيين رأساً على عقب. لم تكن مجرد نشوب حرب عابرة، بل كانت شرارة فتحت أبواب الجحيم على مصراعيها. منذ ذلك التاريخ المشؤوم، تحولت حياة المدنيين إلى كابوس يومي من القصف والاغتيالات والانتهاكات الجسيمة، مما اضطر ملايين الأسر إلى خلع جذورها واقتلاعها من الأرض، حاملة على أكتافها ذكرياتها وأحلامها، هاربة من الموت المحقق إلى المجهول.
كانت دول الجوار، وعلى رأسها مصر وليبيا وتشاد وإثيوبيا، الملاذ الأول والآمن الذي اتجهت إليه ملايين الفارين. لم تكن الرحلة سهلة، فقد دفع كثيرون حياتهم ثمناً للعبور، ولكن كان يحدوهم الأمل في العثور على ما ضاع منهم في وطنهم.
الأمان في مجتمعات جديدة
بدأ السودانيون رحلة البحث عن الحقوق الأساسية التي كفلتها لهم المواثيق الدولية: مأوى آمن، لقمة عيش كريمة، تعليم للأطفال، وعلاج للمرضى. وبفضل طبيعتهم الاجتماعية وثقافتهم الغنية نجح الكثيرون في الاندماج في المجتمعات المضيفة، وأضافوا إليها وكسبوا احترام جيرانهم.
ولكن، وفي تيرة غريبة وسريعة تبدَّد ذلك الأمل فجأة. بدأت حملات ترحيل واسعة تطال السودانيين في عدد من البلدان خاصة مصر وليبيا. نحن هنا لا نستنكر حق الدولة في السيادة، فلكل بلد قوانينه وإجراءاته لحماية حدوده وأمنه القومي. لكن ما يثير القلق والاستنكار هو الطريقة التي تُنفَّذ بها هذه الحملات والانتهاكات الجسيمة التي رافقتها، والتي حولت بلدان اللجوء إلى سجون مفتوحة لمن فروا من الموت.
حملات الترحيل وقصص الموت
لم تقتصر حملات الترحيل على المخالفين لقوانين الإقامة فحسب، بل طالت فئات كانت تحظى بحماية القانون الدولي. ففي مشاهد مروعة تم القبض على أشخاص يحملون أوراقاً قانونية تثبت شرعية وجودهم، سواء من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حيث يتمتع طالبو اللجوء حاملو الكارت الأصفر واللاجئون حاملو الكارت الأزرق بحماية دولية تحظر إعادتهم قسرياً إلى بلد قد تواجه فيه حياتهم خطراً، كما طالت الحملات آخرين دخلوا البلاد بطرق شرعية ثم قاموا بتقنين أوضاعهم عبر الإدارة العامة للجوازات والهجرة، وأصبحوا يحملون إقامات مؤقتة أو دائمة تخولهم حق البقاء.
لم تكن هذه الإجراءات القانونية مجرد أوراق بل كانت شريان حياة وثقة في الدولة المضيفة، لكن هذه الثقة هُتكت عندما وجد حاملوها أنفسهم خلف القضبان.
النتيجة كانت صادمة ومؤلمة
موت شخصين داخل السجون المصرية أثناء احتجازهم بغرض الترحيل. يحمل المشهد سخرية قاسية من القدر أن تفر من الموت في بلدك لتواجهه مجدداً خلف أسوار البلد الذي هربت إليه بحثاً عن الأمان. الموت هنا لم يأتِ برصاصة طائشة أو قذيفة عشوائية، بل جاء نتيجة الإهمال والظروف القاسية للاحتجاز، ليضيف بُعداً جديداً لمأساة اللجوء السوداني.
قصة هشام مكاشفي نموذج للانتهاك الصارخ لحقوق الطفل واللاجئ
من بين مئات القصص التي تروي تفاصيل هذه المأساة تبرز قصة الطالب هشام مكاشفي كأيقونة مؤلمة للانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان، خاصة حقوق الطفل واللاجئ. هشام، طالب سوداني كان يعيش مع أسرته في مصر، وكان يستعد مع عائلته لأداء امتحان الشهادة السودانية؛ تلك الشهادة المصيرية التي تحدد مستقبل الطلاب. كانت الأسرة قد حرصت على تقنين وضعها القانوني واستخرجت له إقامة ووفرت له الاستقرار، وخططت لمستقبل زاهر ينتظره بعد اجتياز الامتحان.
ولكن في لحظة واحدة تحول الحلم إلى كابوس. تم القبض على هشام ضمن مجموعة من الطلاب السودانيين وهم في طريقهم إلى مدارسهم، أو أثناء وجودهم فيها، واقتيدوا إلى الاحتجاز بغرض الترحيل. تخيلوا معي ذلك المشهد: طالب يرتدي زيه المدرسي، يحمل كتبه وأدوات دراسته، يفاجأ بأنه أصبح مجرماً يجب ترحيله!. مشهد يمثل انتهاكاً صارخاً لحق الطفل في التعليم، وحقه في عدم التعرض للاعتقال التعسفي، وانتهاكاً لمبدأ حماية اللاجئين.
وعندما ذهبت والدة هشام إلى السفارة السودانية في القاهرة طلباً للمساعدة والتدخل فوجئت بالصدمة الأكبر. فبدلاً من أن تجد من يدافع عن ابنها المواطن السوداني الذي انتهكت حقوقه وجدت من يطلب منها المال. طلبت السفارة منها دفع 13 ألف جنيه مصري ثمناً لتذكرة طيران مقابل إعادته إلى السودان؛ إلى قلب الحرب والمجهول. هذا الموقف يعكس حالة من العجز والفشل الذريع في أداء الدور المنوط بالسفارة، بل وتحولها إلى مجرد وسيط مالي في عملية الترحيل، بدلاً من كونها درعاً يحمي المواطنين والمواطنات في الخارج. إن ترحيل من هم في سن الطفولة جريمة نكراء وانتهاك سافر لبراءة الطفولة ولحقوق اللاجئين التي تكفلها القوانين الدولية.
السفارة السودانية دور قنصلي محدود بين العجز والتواطؤ المالي
الدور المنوط بالسفارة السودانية في مثل هذه الحالات بحكم القانون والدور القنصلي للبعثات الدبلوماسية ينحصر في الأمور المتعلقة بالجنسية؛ إصدار وتجديد جوازات السفر، توثيق المواليد والوفيات والزواج، وتقديم مساعدة قنصلية أساسية للمواطنين المحتجزين. لا تملك السفارة سلطة الاعتراف بوضع اللجوء، فهذا من اختصاص دولة اللجوء والمفوضية، ولا يمكنها التدخل في الإجراءات القانونية لدولة مضيفة. لكن ما هو مطلوب منها في مثل هذه الأزمات هو الوقوف إلى جانب المواطن والتواصل مع السلطات المحلية لتذكيرها بالالتزامات الدولية، والتأكيد على الوضع القانوني لمن يحملون إقامات سارية أو وثائق لجوء، والعمل على تذليل الصعوبات.
ما حدث مع والدة هشام مكاشفي وفي حالات أخرى مشابهة يظهر صورة مختلفة تماماً: صورة سفارة عاجزة عن التواصل مع السلطات المصرية لوقف حملات الترحيل التي تطال لاجئين وموجودين بشكل قانوني، ومتحولة إلى وكالة سفر تطلب المال من أسرة منكوبة لإعادة ابنها إلى جحيم الحرب. هذا الموقف لا يمكن تفسيره إلا على أنه تخلٍّ عن الواجب، وفشل في تقديم الحد الأدنى من الحماية للمواطنين، فبدلاً من أن تكون صوتاً للمظلومين أمام السلطات أصبحت تطالبهم بدفع ثمن ترحيلهم بأنفسهم.

المفوضية السامية: صمت مطبق
إذا كانت السفارة السودانية قد خذلت المواطنين فإن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في مصر، وهي المنظمة الدولية الرئيسية المكلفة بحماية اللاجئين والدفاع عن حقوقهم، تبدو أيضاً في موقع اتهام لا تحسد عليه. فقد فشلت المفوضية بشكل مستمر ومتكرر في مواجهة الحملة القمعية ضد السودانيين، فقد تخلت المفوضية عن دورها الأساسي كحامٍ ومدافع عن حقوق اللاجئين.
إن مطالبة اللاجئين أو طالبي اللجوء باللجوء إلى السفارة السودانية لحل مشاكلهم القانونية هو تنصل صريح من المسؤولية، خاصة بالنسبة لأولئك الذين يحملون وثائق لجوء سارية. هؤلاء الأشخاص وضعوا أنفسهم تحت حماية المفوضية وليس تحت حماية دولة، قد تكون هي مصدر الاضطهاد الذي فروا منه، وتسليم بياناتهم للسفارة أو التخلي عن مسؤولية الدفاع عنهم أمام السلطات المحلية يشكل خرقاً خطيراً للثقة التي وضعها اللاجئون في المنظمة الدولية.
هذا الصمت والفشل في مواجهة الانتهاكات وعدم القيام بزيارات فعالة لمراكز الاحتجاز والاحتجاج العلني على حملات الترحيل التعسفي يجعل المفوضية شريكاً سلبياً في هذه الانتهاكات، ويقوض مصداقيتها ودورها كحامٍ دولي للاجئين.
بين الحماية القنصلية والحماية الدولية
دليل السودانيين في الخارج لمواجهة الترحيل
في خضم هذه الأزمات المتلاحقة يجد ملايين السودانيين أنفسهم في بلدان اللجوء والهجرة يواجهون تحديات مصيرية في تقنين أوضاعهم، وتجنب خطر الترحيل التعسفي بين أدوار مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من جهة، والسفارة السودانية من جهة أخرى. يحوم الكثير من الحيرة والخوف، فكيف يمكن التمييز بين اختصاصات كل جهة؟ وما هي الخطوات الآمنة للحفاظ على الحقوق؟.
الحماية الدولية: حائط الصد القانوني
تمنح اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكول عام 1967 الملحق بها الحجر الأساس في حماية الأشخاص الفارين من الاضطهاد والنزاع. وتكمن أهم ركائز هذه الحماية في مبدأ عدم الإعادة القسرية (المادة 33)، الذي يحظر بشكل قطعي ترحيل أي لاجئ أو طالب لجوء إلى أي إقليم تكون حياته أو حريته فيه مهددة بسبب عنصره أو دينه أو جنسيته أو انتمائه الاجتماعي أو آرائه السياسية. كما تحظر الاتفاقية التمييز على أساس العرق أو الدين (المادة 3)، وتلزم الدول الموقِّعة بمنح اللاجئين المعترف بهم وثائق سفر رسمية (المادة 28) في حال تعذُّر حصولهم على جوازات من دولتهم الأصلية.
مفوضية اللاجئين.. الحامي والوسيط الدولي
تتولى المفوضية دوراً محورياً يتمثل في التحديد الفردي لوضع اللاجئ، من خلال مقابلات قانونية دقيقة لتحديد ما إذا كان الشخص يستحق حماية دولية.
توفير الحماية القانونية والدبلوماسية، ومراقبة التزام الدول باتفاقية اللاجئين، والتدخل لدى السلطات المحلية لحماية حقوقهم.
تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة في بعض الحالات كالطعام والمأوى والرعاية الصحية.
البحث عن حلول دائمة، سواء عبر إعادة التوطين إلى دولة ثالثة، أو دعم الاندماج المحلي أو تسهيل العودة الطوعية الآمنة والكريمة عند تحسن الأوضاع. وهنا لابد من الإشارة إلى أن العودة الطوعية تعني أن يطلب اللاجئ العودة طواعية، فتقوم المفوضية بمساعدته في إجراءات العودة، لا أن تتم إعادته قسراً.
السفارة السودانية: دور قنصلي محدود
دور البعثات الدبلوماسية السودانية في هذه المعادلة ينحصر في الأمور القنصلية المتعلقة بجنسية حامليها، وليس في وضع اللجوء. لأن اللاجئ بمجرد احتمائه بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يكون قد خرج من ولاية دولته، وذلك يجعل السفارة مسؤولة عن إصدار أو تجديد وثائق السفر السودانية ووثائق سفر مؤقتة.
– توثيق المستندات المدنية كشهادات الميلاد والزواج والوفاة.
– تقديم مساعدة قنصلية أساسية للمواطنين المحتجزين أو في حالات الطوارئ.
– تأكيد الهوية الوطنية للمواطن.
من المهم التأكيد أن السفارة لا تملك سلطة الاعتراف بوضع اللجوء، أو منح الحماية الدولية، فهذا من اختصاص دولة اللجوء والمفوضية.
دليل عملي: متى أتوجه إلى أيهما؟
اتصل بمفوضية اللاجئين عندما:
– تريد التقدم بطلب لجوء أو حماية دولية.
– تحتاج إلى مساعدة قانونية بشأن وضعك كلاجئ أو طالب لجوء. تتعرض لخطر الترحيل إلى السودان أو إقليم قد تكون فيه حياتك في خطر.
– تحتاج إلى مساعدة إنسانية عاجلة: طعام، مأوى، رعاية صحية بسبب وضعك.
– ترغب في التقدم بطلب إعادة توطين إلى دولة ثالثة.
– تحتاج إلى وثيقة سفر للاجئين، لأنك لا تستطيع الحصول على جواز سوداني بأمان.
اتصل بالسفارة السودانية عندما
– تحتاج إلى إصدار أو تجديد جواز سفر سوداني، مع الأخذ في الاعتبار التحذيرات أدناه.
– تحتاج إلى توثيق حدث مدني: تسجيل مولود، عقد زواج.
– تحتاج إلى مساعدة قنصلية أساسية إذا تم اعتقالك، وهنا يجب المطالبة بالاتصال بها مع العلم أن دورها محدود.
– تقرر العودة الطوعية إلى السودان بشكل حر وآمن وتحتاج إلى وثيقة للسفر، ويفضل أن يكون ذلك بالتنسيق مع المفوضية.
– تحتاج إلى تأكيد هويتك كمواطن سوداني أمام سلطات محلية لأغراض محددة.
تحذيرات أمنية وقانونية بالغة الأهمية
خطر التواصل مع السفارة بالنسبة لطالبي اللجوء أو اللاجئين الفارين من الاضطهاد. قد يشكل التواصل مع سفارة بلدهم الأصلي خطراً جسيماً، فقد يتم تسليم بياناتهم أو تفسير اتصالهم على أنه عدم حاجة للحماية. يجب استشارة منظمات حقوقية أو المفوضية قبل أي اتصال.
العودة الطوعية الآمنة يجب أن تتم بالتنسيق الكامل مع مفوضية اللاجئين، لضمان أن تكون العودة طوعية حقاً، وإلى ظروف آمنة وكريمة، مع تجنب أي إعادة قسرية مُقنَّعة.
في وجه الترحيل للمفوضية الحق في زيارة مراكز الاحتجاز، ومراقبة عمليات الترحيل لأي شخص يواجه ترحيلاً من حقه رفض التوقيع على أي أوراق والمطالبة بالاتصال بمفوضية اللاجئين أو محامٍ، وتقديم شكوى للمفوضية في حال انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية.

من يتحمل المسؤولية؟
تقع المسؤولية الأساسية في حماية اللاجئين وطالبي اللجوء على عاتق الدولة المضيفة التي وقَّعت على الاتفاقيات الدولية، كما أن المفوضية هي شريكها الدولي والرقيب على التزامها، بينما تبقى السفارة ممثلة للدولة الأصلية ودورها قنصلي بحت. ولكن في ظل العجز الرسمي السوداني والصمت المطبق للمنظمات الدولية والتشدد المتزايد من بعض دول الجوار يجد اللاجئ السوداني نفسه وحيداً في مواجهة آلة بيروقراطية لا ترحم.
إن قصص الموت في السجون واعتقال الأطفال من أمام المدارس، ومطالبة السفارة بثمن تذكرة العودة إلى الجحيم، كلها جراح نازفة في جسد المجتمع السوداني المهجر، وهي نداء استغاثة أخير للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والدول المضيفة لكي تتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، وأن تدرك أن من يقف على أبوابها اليوم ليس سائحاً أو عابر سبيل، بل هو إنسان فرّ من جحيم الحرب يبحث عن قطرة أمان في محيط من الخوف، ويستحق أن يعامل بكرامة، وإلا فإن نيران اللجوء ستلتهم ما تبقى من أحلام السودانيين، تاركةً خلفها جيلاً كاملاً بلا ماضٍ ولا مستقبل.
