كثرة المبادرات لا توقف الحرب في السودان

فيض من المبادرات.. وجوع إلى سلامٍ حقيقي

 

ليس ما يفتقر إليه السودان اليوم لإنهاء الحرب هو المبادرات. على العكس، تكاثرت المبادرات إلى حدّ يكفي لإنهاء عشرات الحروب. تُنتَج الأطر وتُعلن المسارات، وتُنشأ منصّات تنسيق إقليمية ودولية بوتيرة لافتة. غير أن هذا الفيض من المبادرات لم ينجح، حتى الآن، في تحقيق أبسط اختبار للجدّية: هدنة إنسانية وحماية للمدنيين، أو وقف إطلاق نار ينعكس على حياة الناس في الداخل. في المقابل، يتّسع الفراغ في المكان الذي يفترض أن يبدأ منه أي مسار سلام حقيقي: عند السودانيين الذين يدفعون ثمن الحرب. تتغير العناوين والعواصم، وتُعاد تسمية المسارات، لكن داخل السودان لا يتغير إلا اتجاه واحد: مزيد من القسوة، مزيد من التهجير، ومزيد من هشاشة الحياة اليومية.

داخل السودان لا يتحرك الواقع إلا في اتجاه واحد أكثر فداحة: مزيد من الموت، مزيد من الجوع الذي يحاصر البيوت والأحياء، مزيد من التهجير الذي يقتلع الناس من حياتهم، ومزيد من الاستهداف المباشر للمدنيين من طرفَي الحرب. تتساقط الأرواح بلا حماية، وتُطوَّق المدن بالانهيار، وتُسحق الحياة اليومية بين القصف وندرة الطعام وانعدام الدواء، حتى بات البقاء نفسه امتحانًا بلا ضمانات. في الأحياء التي تهشمت، والقرى التي أُفرغت، ومعسكرات النزوح التي تضيق بأهلها، لا يملك الناس ترف متابعة جداول الاجتماعات أو بيانات الرعاية الدولية. ما يواجهونه هو سؤال واحد يتكرر كل صباح: كيف ننجو اليوم؟ وحين يصبح البقاء مشروعًا يوميًا، يصبح الحديث عن “السلام” بلا معنى إذا بقي محصورًا في قواميس الترتيبات الأمنية وملفات تقاسم السلطة.

 

ولهذا فإن المأزق الحقيقي ليس في ندرة المبادرات، بل في طبيعتها. فكثير مما يُسمّى مبادرات سلام في السودان لا يقترب من جوهر الأزمة، لأنه يبدأ من أعلى وينتهي في الأعلى، ويُعرّف الحرب بوصفها صراعًا بين متحاربين يمكن احتواؤه باتفاق بين الطرفين، بدل أن يراها مأساة وطنية شاملة لا تُطفأ إلا بإرادة وطنية تُنصت أولًا إلى السودانيين في القرى والأحياء ومعسكرات النزوح.

 

لماذا لا تتوقف الحرب رغم كثرة المبادرات؟

لم ينجح أي مسار تفاوض في فرض هدنة إنسانية مستقرة أو وقف إطلاق نار يغيّر حياة الناس على الأرض. بقيت الوعود تدور في فضاء السياسة، بينما ظل السلاح يفرض منطقه، وظلت المصالح الضيقة ــ الداخلية والخارجية ــ أقوى من أي التزام بحماية المدنيين. إن تفسير هذا الفشل المتكرر لا يكتمل إذا اقتصر على وصفه بأنه “تعنّت الأطراف المسلحة” أو “تشابك المصالح الإقليمية”. ثمة خلل أعمق في تعريف “الحل” ذاته.

فحين يُعرَّف السلام بوصفه تسوية بين متحاربين، يصبح معيار النجاح هو التوافق بين أطراف القوة، لا حماية الناس. وحين تُصاغ العملية السياسية كترتيبات تراعي موازين القوى، تُؤجَّل الأسئلة التي لا يمكن لأي وطن أن يتعافى دونها: أين كرامة الانسان السوداني؟، ومن يحمي المدنيين حين يغيب الرادع وتُستباح الحياة؟ كيف تُستعاد الدولة كعقد حماية وحقوق لا كعنوان فارغ؟ كيف تُبنى مواطنة متساوية لا تُختزل في هوية ولا تُدار بالعنف؟ وأين العدالة، وهي الحدّ الفاصل بين سلامٍ مؤقت وانفجارٍ مؤجل؟ في هذه الصيغة، تُعامل حياة السودانيين كتفصيلٍ ثانوي في هندسة المسارات، رغم أنهم مركز المأساة، ومركز الشرعية.

وما لم يتغير هذا المنطق، ستظل الحرب قابلة لإعادة إنتاج نفسها مرة بعد مرة، لأن الأسباب التي أشعلتها ستظل حيّة تحت الرماد: انهيار مفهوم الدولة كحامٍ للمواطن، وتمدد منطق القوة بوصفه لغة السياسة، وتآكل الثقة بين الناس ومن يزعمون تمثيلهم.

الأخطر أن كثرة المبادرات قد تحولت ــ من حيث لا يُقصد أحيانًا ــ إلى غطاء لغبار سياسي كثيف: يُشعر العالم بأن “هناك حركة”، بينما يظل الداخل أسير موتٍ وجوعٍ ونزوحٍ واستهدافٍ بلا حماية. وهنا يتعمق الشعور العام بأن السياسة تتحرك حول الناس لا معهم، وأن السلام يُبحث عنه كفكرة خارج حياتهم، لا كضرورة تبدأ من حقهم في النجاة.

 

من هم أصحاب المصلحة الحقيقيون في السلام؟

في السودان، الشرعية الحقيقية لا تتشكل في القدرة على فرض شروط التفاوض، بل في حق السودانيين في حياة آمنة وكرامة مصونة. أصحاب المصلحة والحق في السلام هم من فقدوا أبناءهم تحت القصف، ومن يقطعون المسافات بحثًا عن ماء ودواء، ومن نزحوا مراتٍ حتى فقدوا القدرة على عدّ الخسائر. غير أن هؤلاء يُستدعون غالبًا بوصفهم “ضحايا” يُرثى لمعاناتهم، لا بوصفهم أصحاب حقٍ في صياغة السلام، والتوجيه، والمساءلة. تؤخذ قصصهم لتأكيد حجم الكارثة، ثم تُعاد العملية إلى مسارها، تفاوض بين قوى متحاربة، وبيانات عن “شمولية” تأتي متأخرة.

ولهذا لا يكفي أن يُقال إن “السودانيين يجب أن يُشركوا”. القضية ليست مقاعد، ولا تمثيلًا رمزيًا، بل انتقالٌ كامل من سلامٍ يُدار فوق رؤوسهم إلى سلامٍ يبدأ من حقهم في تعريفه وتوجيه وتحمُّل المسؤولية اتجاهه. وهذا الانتقال لا يتحقق دون فهمٍ عميق للواقع المدني السوداني نفسه، بوصفه واقعًا متنوعًا لا يُختزل في منصة واحدة.

فالواقع المدني في السودان ليس كتلة واحدة؛ هناك مجتمعات قاعدية داخل البلاد تعيش القصف والجوع والنزوح يوميًا، وهناك غرف الطوارئ ومبادرات محلية حلّت محل الدولة في كثير من المناطق، وهناك نساء يفاوضن على الغذاء والماء، ويوثّقن الانتهاكات، ويحفظن تماسك الأسر، وهناك شباب يديرون شبكات تضامن واستجابة ميدانية، وهناك نقابات ومجموعات مهنية ومبادرات سياسية داخل السودان وخارجه. هذا التنوع كان يمكن أن يكون مصدر قوة، لكنه تحوّل إلى عبء سياسي بسبب التشرذم الجغرافي، والتنظيمي، والأيديولوجي. وهذا التشرذم ليس فشلًا أخلاقيًا، بل نتيجة عقود من الاستبداد وسياسات التفكيك، ثم صدمات الحرب نفسها.

غير أن لهذا الواقع نتيجة خطيرة. يتيح للفاعلين المسلحين، وللوسطاء أحيانًا، الادعاء بأن “المدنيين منقسمون”، وبالتالي لا يمكن أن يكونوا في قلب العملية. وهكذا يُعاد إنتاج الإقصاء باسم الواقعية السياسية. بدل أن يُنظر إلى الانقسام المدني باعتباره تحديًا ينبغي معالجته عبر آليات توحيد الحد الأدنى من الأولويات وحماية المشاركة، يتحول إلى حجة لتكريس مسارٍ يتفاوض فيه السلاح مع السلاح، ويُترك المدنيون خارج الدائرة الفاعلة.

ولذلك فإن الانقسام المدني يجب أن يُجاب عنه داخل أي تصور جاد للسلام، كيف نمنع الانقسام من أن يصبح مبررًا للإقصاء؟ وكيف نعيد تعريف المشاركة المدنية بوصفها عملاً منظّمًا، متدرجًا، واقعيًا، يحمي السودانيين قبل أن يطالبهم بالحضور؟

 

السلام الذي نحتاجه: عقد بين السودانيين لا تفاهم بين متحاربين

 

اعتادت المسارات المتمركزة حول السلاح أن تتعامل مع الحرب في السودان بوصفها أزمة يمكن إدارتها عبر موازنة القوة، لا بوصفها نتيجة تاريخ طويل من الظلم البنيوي. فهي تنظر إلى العنف كخللٍ طارئ، لا كنتاجٍ طبيعي لنظام سياسي واجتماعي أخفق، لعقود، في بناء دولة المواطنة. لذلك، حتى حين تعيد هذه المقاربات ترتيب مواقع المتحاربين أو تخفف حدّة المواجهة مؤقتًا، فإنها تتجنب مواجهة الأسئلة التي لا يمكن لأي سلام أن يصمد من دونها: كيف تُدار الدولة؟ من تحمي؟ ولصالح من تعمل؟

ما تغفله هذه المقاربات هو أن الحرب في السودان لم تنفجر فجأة، ولم تكن مجرّد صراع على السلطة بين نخب مسلحة. إنها حصيلة تراكم طويل من المواطنة غير المتساوية، ومن شعور راسخ لدى قطاعات واسعة من السودانيين بأنهم يعيشون خارج الدولة، بلا حماية، وبلا كرامة، وبلا حق فعلي في الموارد أو القرار. فالدولة، في بنيتها التاريخية، لم تُؤسَّس بوصفها إطارًا جامعًا للمساواة، بل كنظام إقصاء وتمييز، أعاد إنتاج التهميش الجغرافي والاجتماعي والسياسي جيلاً بعد جيل.

في هذا السياق، لم تكن العدالة غائبة فقط بوصفها محاسبة قانونية، بل بوصفها تجربة معيشة. العدالة غابت حين حُرمت مجتمعات كاملة من الخدمات الأساسية، ومن التنمية، ومن التمثيل الحقيقي، وحين صار الوصول إلى الحقوق مشروطًا بالولاء أو القرب من السلطة. ومع الزمن، لم يعد الظلم حدثًا استثنائيًا، بل حالة يومية، تآكل معها الإحساس بالانتماء، وتحوّل الوطن من وعدٍ جامع إلى كيانٍ بعيد لا يحمي أبناءه.

أما الكرامة الإنسانية، فقد جرى انتهاكها بصورة ممنهجة، لا كأثر جانبي للحكم، بل كجزء من آلياته. المواطن لم يكن مركز الدولة، بل موضوعًا للسيطرة، والإخضاع، والإقصاء. ومع كل دورة قمع، وكل فشل في بناء حكم مدني عادل، تآكلت الثقة أكثر، وتراجعت فكرة المواطنة لصالح البحث عن الحماية في الهويات الفرعية أو في السلاح ذاته. هكذا لم يكن العنف خيارًا أوليًا، بل مخرجًا أخيرًا في ظل انسداد الأفق السياسي وغياب القنوات السلمية الفاعلة.

لهذا، لا يمكن فصل الحرب الحالية عن هذا الإرث الثقيل: إرث التهميش، وانعدام العدالة، وغياب دولة المواطنة. المدنيون الذين يُستهدفون اليوم، ويُجَوَّعون، ويُدفعون إلى النزوح المتكرر، لا يدفعون ثمن مواجهة عسكرية فحسب، بل ثمن عقود من الفشل في بناء دولة تحميهم وتساوي بينهم. وأي مسار يتجاهل هذه الجذور، أو يؤجلها باسم “الواقعية”، إنما يعيد إنتاج شروط العنف، حتى إن تغيّرت أشكاله.

السلام الذي يحتاجه السودان ليس إدارة مؤقتة للقتل، ولا تخفيفًا تكتيكيًا لمعاناة المدنيين، بل تحولًا جذريًا يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها: دولة تحمي المدنيين بدل أن تتركهم فريسة للحرب، تعترف بكرامتهم بدل أن تنتهكها، وتقوم على المواطنة المتساوية والعدالة بوصفهما أساس الشرعية. من دون هذا التحول، سيظل السلاح حاضرًا، لأن أسبابه ستظل قائمة.

 

كيف يُعاد إدخال السودانيين إلى قلب العملية؟

 

إذا كان السلام مسؤولية وطنية، فهذا يعني أن عملية صناعة السلام يجب أن تقترب من السودانيين في القرى والمدن ومعسكرات النزوح، لا أن تكتفي بالتحدث عنهم. وهذا لا يتحقق بخطابات عامة، بل بتأسيس مشاورات حقيقية تُصغي إلى أولويات من يعيشون تحت القصف والجوع والخوف: الأمن أولًا، حماية المدنيين، الوصول الإنساني، ثم مسار سياسي يضمن ألا تُعاد صياغة الدولة على حسابهم.

ومن هنا تتولد حاجة أساسية: ردم الفجوة بين القواعد المجتمعية داخل السودان وبين الفاعلين المدنيين والأحزاب والمنصات السياسية، بحيث لا يبقى القرار حبيس العاصمة أو المهجر أو غرف التفاوض. هذه الفجوة ليست تفصيلًا؛ إنها من أسباب استمرار الحرب، لأن غياب الثقة بين الناس والسياسة يترك المجال لمنطق السلاح وحده.

إعادة بناء الثقة تتطلب قنوات مستمرة للحوار والمشاورات بين السودانيين، وتستلزم أن تصبح مشاورات الداخل جزءًا من عملية صياغة المواقف، لا مجرد شهادات تُعرض ثم تُنسى. حينها فقط يصبح “التمثيل” معنى عمليًا: مسؤولية أمام قواعد واضحة، لا مجرد حضور في صورة جماعية.

وفي قلب هذا كله، تبرز ضرورة السردية الوطنية للسلام: فالحرب لا تقتل بالرصاص وحده، بل تقتل بالسرديات التي تغذي الكراهية والانقسام والتعبئة القبلية وتحوّل المجتمع إلى معسكرات، وتعيد تعريف “الخصم” بوصفه خارج الإنسانية. لذلك لا يمكن لأي سلام أن يستقر إذا تُرك المجال العام لخطاب السلاح والتحشيد. بناء سردية وطنية للسلام ليس عملًا إعلاميًا ثانويًا، بل جزء من معركة استعادة الوطن: سردية تُعيد تعريف الانتماء للسودان كهوية جامعة، وتضع كرامة الإنسان السوداني في مركز السياسة، وتكسر احتكار الخطاب المسلح.

 

ثم يأتي دور الإقليم والعالم، لا بوصفه بديلًا عن الإرادة السودانية، بل بوصفه عاملًا يمكن ضبطه ضمن قاعدة واحدة: دعم يحترم الإرادة، لا يتحدث باسمها. الدعم الذي ينفع السودان ليس الذي يصوغ الأطر ثم يبحث عن “مباركة” لاحقة، بل الذي يمكّن السودانيين من صياغة تفاصيل عملية السلام بأنفسهم، ويدعم عمليات التشاور التي تربط الداخل بالمواقف السياسية، بدل الاستثمار في الأشخاص أو تفضيل منصات بعينها على حساب أخرى.

السلام يبدأ من الاعتراف بأن السودانيين الذين يدفعون ثمن الحرب ليسوا هامشًا في القصة، بل أصلها. وأن الناس في القرى والأحياء ومعسكرات النزوح ليسوا مادةً للشفقة، بل أصحاب حق في تعريف ما يعنيه السلام، وفي مساءلة من يزعم تمثيلهم، وفي حماية وطنهم من أن يُعاد إنتاج الحرب باسم السياسة مرة أخرى.

 

السلام الذي يبدأ من السودانيين

 

ستنتهي الحرب يومًا ما، ولكن سيكون الفارق بين خروجٍ هشّ منها وبين فتح أفق وطني جديد مرتبطًا بسؤال جوهري: هل يُصاغ السلام باعتباره ترتيبًا بين أطراف السلاح، أم عقدًا بين الناس يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية والكرامة والعدالة؟

السلام الذي يحتاجه السودان لا يمكن أن يتجاهل حقيقة أن السودانيين، الذين يدفعون ثمن الحرب، هم أصحاب الحق الأصيل في تعريف معناه واتجاهه. فهم ليسوا هامشًا إنسانيًا يُستدعى للتعاطف، بل مصدر الشرعية لأي مسار يسعى إلى إنهاء الحرب جذريًا ومنع إعادة إنتاجها باسم السياسة.

هذا السلام ليس هدنة مؤقتة، بل مسار وطني طويل يعيد بناء الثقة بين السودانيين، سلام يبدأ من حق السودانيين في الحياة، ويقاس نجاحه بقدرة الدولة على حمايتهم، لا بقدرة السلاح على فرض توازن جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *