حين يُستدعى الدين لحماية التنظيم

حين يُستدعى الدين لحماية التنظيم

قراءة في بيان إخوانجية السودان

إيمان فضل السيد

 

ليس جديدًا في أدبيات الحركات الإسلامية أن يُستدعى الدين إلى ميدان السجال السياسي، ولا أن تُكسى المواقف التنظيمية بعبارات ذات طابع أخلاقي وروحي تمنحها هالة من القداسة. غير أن هذا الأسلوب، الذي كان لسنوات طويلة أحد أهم أدوات التعبئة السياسية، يواجه اليوم اختبارًا مختلفًا في المجال العام السوداني، إذ لم يعد الخطاب الديني وحده كافيًا لحسم النقاش السياسي، أو إضفاء الشرعية على المواقف التنظيمية للإخوانجية.

في هذا السياق جاء البيان الذي أصدره الأمين العام لـ الحركة الإسلامية في السودان، علي أحمد كرتي، ردًا على قرار الولايات المتحدة الأمريكية تصنيف الحركة الإسلامية السودانية ضمن قائمة الجماعات الإرهابية.

ورغم تضارب البيانات المنسوبة للحركة الإسلامية في وسائل التواصل، وصدور نفي لبعضها باعتبارها مفبركة، يظل السؤال حول الجهة التي تمثل الخطاب الرسمي للحركة مطروحًا في المجال العام. وعلى كلٍ ما تم طرحه في البيان المنسوب لعلي كرتي يظل يعبر عن وجهة نظر الحركات الإسلامية في السودان تاريخياً.

فالبيان، بدلاً من أن يقدم دفاعًا سياسيًا مفصلًا يناقش القرار وأسبابه، اختار أن يعود إلى لغة خطابية مألوفة تقوم على استدعاء العاطفة الدينية، وتوسيع دائرة الاتهام لتشمل المجتمع السوداني بأسره.

منذ بدايته اختار البيان أن يضع نفسه في إطار ديني صريح، مستهلًا بآية قرآنية، وهو تقليد درجت عليه أدبيات الحركات الإسلامية لإضفاء بعد أخلاقي وديني على الموقف السياسي. غير أن الإشكال لا يكمن في الاستشهاد الديني في حد ذاته، بل في الطريقة التي يجري بها توظيفه داخل الخطاب؛ إذ ينتقل البيان سريعًا من الدفاع عن تنظيم سياسي بعينه إلى الإيحاء بأن استهداف الحركة الإسلامية هو استهداف للإسلام في المجتمع السوداني.

هذا الخلط المتعمد بين الدين والتنظيم السياسي يمثل واحدة من الإشكالات الفكرية التي طبعت خطاب الإسلام السياسي في السودان لعقود. فالإسلام في السودان، بطبيعة الحال، حقيقة اجتماعية وثقافية راسخة تعود إلى قرون طويلة، وهو جزء أصيل من نسيج المجتمع وتكوينه الروحي. أما الحركة الإسلامية فهي تنظيم سياسي حديث نشأ في سياق الصراع السياسي المعاصر.

 

ومن ثم فإن محاولة تقديم التنظيم باعتباره التعبير الطبيعي، أو الحارس الحصري للدين في المجتمع، تبدو أقرب إلى محاولة توسيع شرعيته عبر توظيف الرصيد الرمزي للدين في الوجدان العام.

الأكثر إشكالًا في البيان هو انتقاله من الدفاع عن الحركة الإسلامية إلى الادعاء بأن تصنيفها كجماعة إرهابية يرقى عمليًا إلى تصنيف الشعب السوداني نفسه بالإرهاب. هذه الحجة، التي تبدو للوهلة الأولى محاولة لاستثارة الحس الوطني، تنطوي في جوهرها على قدر كبير من التعميم غير المبرر. فالقرارات السياسية الدولية، مهما كانت مثار جدل أو اعتراض، تستهدف في العادة تنظيمًا محددًا أو بنية تنظيمية بعينها، لا مجتمعًا كاملًا ولا شعبًا بأسره. ولذلك فإن توسيع دائرة الاتهام لتشمل المجتمع السوداني يبدو أقرب إلى محاولة استخدام المجتمع كدرع رمزي لحماية التنظيم من النقد أو المساءلة.

ومن زاوية الخطاب السياسي، فإن البيان يفتقر إلى عناصر الدفاع الموضوعي المطلوبة لتعزز موقف كاتبيه. فلا نجد فيه تفنيدًا مفصلًا للأسباب التي استند إليها قرار التصنيف، ولا عرضًا لحجج سياسية أو قانونية مضادة، بل يذهب مباشرة إلى الهجوم على الجهة التي أصدرت القرار، مستخدمًا لغة اتهامية حادة مصحوبة بزخم من الشعارات والاستدعاءات الرمزية. فهذا الأسلوب، وإن كان شائعًا في البيانات السياسية، إلا أنه غالبًا ما يضعف قوة الحجة إذا كانت هنالك حجة من الأصل. ويبدو أن هذا التنظيم الارهابي لا يملك ما يفند به وجاهة القرار لذا غاب في البيان النقاش الموضوعي لصالح الخطاب الانفعالي، واختار العودة إلى خطاب تعبوي تقليدي يعتمد على إثارة العاطفة واستدعاء الرموز الدينية. وهو خطاب ربما كان يجد صدى أوسع في مراحل سابقة، لكنه يبدو اليوم أقل قدرة على الإقناع في ظل التحولات العميقة التي شهدها الوعي السياسي في السودان.

فالمجتمع السوداني لم يعد يتعامل مع خطاب الحركة الإسلامية بالمنطق ذاته الذي ساد في عقود سابقة. فقد أفرزت التجربة السياسية الطويلة مع الإسلاميين، في الحكم والمعارضة، نقاشاً عاماً واسعاً حول علاقة الدين بالسلطة وحدود توظيفه في الصراع السياسي. وجاءت الثورة السودانية 2018–2019، بكل زخمها الجماهيري وشعاراتها وصمود شبابها في الشوارع والساحات، لتقدم مؤشراً واضحاً على هذا التحول. فقد خرج ملايين السودانيين مطالبين بإسقاط النظام الذي حكم باسم المشروع الإسلامي لعقود، وهو ما انتهى بسقوط نظام عمر حسن أحمد البشير، في لحظة تاريخية عكست رفضاً واسعاً لهيمنة الحركة الإسلامية على الدولة والمجال العام.

وفي هذا السياق، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام بأن أي انتقاد للحركة الإسلامية أو لأي تنظيم سياسي يرتبط بها هو بالضرورة استهداف للدين أو للهوية الدينية للمجتمع. فالسودانيون الذين خرجوا في الشوارع مطالبين بالتغيير لم يكونوا في مواجهة الدين، بل في مواجهة تجربة سياسية بعينها رأوا أنها أجرمت ومارست العنف المفرط والإرهاب في إدارة الدولة، وأثقلت كاهل المجتمع بأزمات متراكمة وصراعات مستمرة.

لذلك فإن محاولة إعادة إنتاج الخطاب التعبوي القديم، القائم على الخلط بين الدين والتنظيم السياسي، تبدو اليوم محاولة للعودة إلى لغة تجاوزها الواقع السوداني نفسه. فالتحولات التي أطلقتها الثورة جعلت المجال العام أكثر حساسية تجاه هذا النوع من الخطابات، وأكثر ميلاً إلى مساءلة التنظيمات السياسية بميزان السياسة على غرار “لا قداسة مع السياسة”.

خلاصة القول، إن الخطاب العاطفي الذي يعتمد عليه البيان يبدو أقل تأثيرًا في السياق السوداني الراهن. فقد شهد المجتمع السوداني خلال العقود الماضية تجربة سياسية طويلة مع تيارات الإسلام السياسي، وهي تجربة أفرزت قدرًا كبيرًا من النقاش العام حول علاقة الدين بالسلطة وحدود توظيف الخطاب الديني في الصراع السياسي. وفي ظل هذا الوعي المتنامي، لم يعد من السهل إقناع الرأي العام بأن أي نقد لتنظيم سياسي بعينه هو بالضرورة استهداف للدين أو للهوية الدينية للمجتمع، وعلى تنظيم الإخوان أن يتحمل وزر نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *