بقلم: عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
في مثل هذا اليوم، يثقل الهواء بذكريات رجلٍ حمل همَّ السودان على كتفيه عقودًا طوالًا، ثم غاب جسدًا وبقي أثرًا، ونام في الثرى وبقي فكره يقِظًا في ضمائر الناس. تمرّ ذكرى رحيل الإمام الصادق المهدي، فيستيقظ في قلوب محبّيه سؤال واحد: هل كان رحيلًا؟ أم عبورًا إلى طورٍ جديد من الرسالة؟ إنَّ أعمار الأشخاص تُقاس بالسنوات، غير أن أعمار المدارس تُقاس بقدرتها على الاستمرار بعد أن يغيب مؤسسوها.. وهنا تتبدّى حقيقة الإمام: رجلٌ انتهت حياته البيولوجية، واستمرّت حياته الرسالية.
وُلد الصادق الصغير في أم درمان عام 1935م، في بيتٍ مشحون بتاريخ المهدية، وبتجربة الدين حين يتحول من طاقة روحية إلى مشروع تحرر وطني، ثم صعد شابًا إلى صدارة المشهد قائدًا لحزب الأمة، إمامًا للأنصار، ورئيسًا لوزراء السودان في فترتين تاريخيتين، قبل أن يُطاح بحكومته المنتخبة في انقلاب 30 يونيو 1989م، ويواصل بعدها عقودًا من المعارضة الفكرية والسياسية حتى رحيله في نوفمبر 2020م في أبوظبي متأثرًا بفيروس كورونا المستجد.
هو آخر رئيس وزراء جاء عبر صناديق اقتراع في السودان قبل أن تُغلق أبواب الديمقراطية زمنًا طويلًا تحت سلطة الانقلابات.
غير أن هذه السيرة، على اتساعها، لا تكفي لشرح الظاهرة. فالإمام لم يكن مجرّد سياسي مخضرم، ولا مجرد زعيم طائفي، ولا مجرد كاتب غزير الإنتاج؛ إنما كان حالةً مركّبة تجمع بين دور المفكر المجدِّد، والزعيم الديمقراطي، والفقيه المستنير، والمجاهد المدني، والإنسان الكوني الذي خاطب ضمائر المسلمين، كما خاطب عقول الباحثين في جامعات العالم، وخاطب الريف السوداني كما خاطب قاعات الأمم والمنظمات الدولية.
من هنا، فإن أي تأبين يليق به لا يكتفي بالبكاء على الأطلال، ولا يراوح عند حافة العاطفة الجيّاشة، وإنما يتجاوز ذلك إلى رسم ملامح “عهد الإمام” بوصفه مشروعًا نهضويًا متكاملًا، يقدّم للسودان، وللمنطقة، وللعالم الإسلامي، وللإنسانية، نموذجًا نادرًا في الجمع بين الإيمان والعقل، بين الأصالة والمعاصرة، بين الوطنية والكونية، بين قوة الموقف ومرونة الوسيلة.
أولًا: الإمام كظاهرة فكرية: عقلٌ يتعب.. وإيمانٌ يستبشر
من يقرأ نصوص الإمام في السياسة والفكر والدين والتاريخ يدرك سريعًا أنه أمام عقلٍ لا يرتاح؛ عقل يطرح الأسئلة قبل أن يقدّم الأجوبة، ويعرض الاعتراض ثم يبني الاقتناع، ويُنصت للتراث ثم يَعرضه على مقاصد الشريعة ومعايير العصر، فيستبقي ما يفتح أفقًا، ويتجاوز ما يغلق بابًا.
كان الإمام يرى أن أكبر عطب أصاب الأمة هو تحالف الاستبداد مع الجمود؛ استبداد سياسي صادر إرادة الناس، وجمود فقهي صادر اجتهاد العقول. لذلك جاءت محاولته الفكرية الكبرى لتفكّ هذا التحالف؛ فبنى في كتبه ومحاضراته ما يمكن تسميته بـ”العقل الإيماني الناقد”؛ عقلٌ يتحرّك تحت سقف النص، غير أنه يرفض أن يكون أسير حرفية معزولة عن المصلحة والمقصد والزمان والمكان.
في دراساته عن مستقبل الإسلام في السودان، وعن الصحوة الإسلامية، وعن الديمقراطية والتعدّدية، صاغ الإمام معادلة دقيقة: دينٌ يتجدد من داخل أصوله، ودولةٌ مدنية ذات مرجعية متَّفَق عليها، وفقهٌ يعترف بالحركة التاريخية للأحكام، ويستدعي تراث الأئمة ليُحرّكه في اتجاه عصره، لا ليُحوِّلَه إلى أصنامٍ تُعبد من دون الله.
هكذا ظهر معجم خاص يمكن أن نسمّيه “قاموس الإمام”:
- حديثٌ متكرر عن الاجتهاد المستمر، في مواجهة قفل باب الاجتهاد.
- إصرار على الجمع بين الشريعة والحقيقة، بين فقه النص وفقه القلوب.
- تأكيد على الصحوة المجدِّدة لا الصحوة الانفعالية.
- دفاع عن الديمقراطية التعددية بوصفها أقرب الصيغ السياسية لمعاني الشورى والعدل والكرامة في العصر الحديث.
ومع مرور الوقت، تحوّل هذا القاموس إلى مدرسة كاملة الأسس:
- فقه العبور: عبور من حرفية النص إلى مقاصده، من اللحظة الانفعالية إلى الرؤية الإستراتيجية، من رد الفعل إلى فعلٍ مبادرٍ يفتح المسار.
- فقه السَّعة: سعةٌ في استيعاب التنوّع المذهبي، والتعدد الفكري، والاختلاف السياسي، ضمن إطارٍ جامع لا يسقط الحق في الاختلاف ولا يبدّد واجب التعايش.
- فقه المآلات: فقه يبحث في نتائج الفتوى قبل إصدارها، وفي مآلات القرار قبل اتخاذه؛ فالمعيار عنده ليس الصواب المجرد، وإنما الصواب الذي يجنّب المجتمع فتنة، ويقربه من عدالة، ويمنحه فرصةً جديدة للخروج من عنق الزجاجة.
هذه المفاهيم لم تظلّ حبيسة الورق، وإنما تسللت إلى خطاب أجيال من الإسلاميين المستنيرين، والديمقراطيين المؤمنين بقيم الدين، والوطنيين الباحثين عن صيغة تخرج بالسودان من أسر “الدولة الانقلابية” و”الدولة الغنائمية”، نحو دولة المواطنة والحق والواجب.
ثانيا: الإمام كمشروع نهضوي سوداني: من المهدية إلى الدولة المدنية
تجربة المهدية الأولى في السودان شكّلت في وعي الإمام ليس مجرد تاريخ مجيد، وإنما اختبارًا كبيرًا: كيف يمكن للأمة أن تحوِّل الطاقة الروحية إلى مشروع سياسي، من دون أن تقع في فخّ التقديس الموروث أو القطيعة التامة؟
استفاد الإمام من درس المهدية على مستويين:
الأول: استلهام الجرأة الروحية والقدرة على بعث الأمل في لحظات الانهيار، ذلك البعد الذي جعل المهدية الأولى حركة تحررٍ ضد الاستعمار والظلم، وأطلق الإمكان الكامن في الفلاح السوداني والفقير المهمّش والمحارب البسيط.
الثاني: نقد الأخطاء التي وقعت فيها التجربة حين تحوّلت الدولة إلى مركز مغلق للنخبة، وانكمش الاجتهاد، وتوسّعت دائرة “حكم الضرورة” على حساب بناء المؤسسة المستدامة.
من هذا التفاعل ولدت عند الإمام فكرة “المهدية الثانية”، لا بمعنى تكرار الشكل، وإنما بمعنى تجديد الوظيفة:
- التديّن يتحرّك في اتجاه الحرية لا في اتجاه الوصاية،
- الرسالية تفتح أبواب الاجتهاد لا أبواب التكفير،
- الإرث الروحي يتحول إلى رصيد للأمة كلها، لا إلى احتكار لأسرة أو تنظيم.
على هذا الأساس اشتغل الإمام في السياسة الوطنية:
قاد حزب الأمة، وهو في مطلع شبابه، وصل إلى رئاسة الوزراء أول مرة في ستينيات القرن الماضي، ثم عاد إلى رئاسة الحكومة المنتخبة بعد انتفاضة أبريل 1985، قبل أن يُطاح به بانقلاب عسكري حوّل السودان إلى ساحة استبداد طويل.
غير أن المهم في هذه المحطات ليس مقعد السلطة في حد ذاته، وإنما الدرس الذي كرّره الإمام كل مرة: السلطة وظيفة مؤقتة، والرسالة مشروعٌ أبقى. خرج من السلطة إلى السجون، ثم إلى المنافي، ثم عاد إلى ساحة النضال السلمي، يفاوض حين تقتضي المصلحة، ويعارض حين تنقلب الاتفاقات إلى غطاء لتمكين جديد، ويطرح المبادرات تلو المبادرات بحثًا عن “سلام عادل شامل”، لا عن هدنةٍ هشة تسبق حربًا أخرى.
في قلب مشروعه للسودان كان هناك دائمًا مثلث واضح:
- ديمقراطية تعددية تقطع طريق العودة إلى حكم الفرد،
- سلام عادل يعترف بجذور المظالم في الجنوب والغرب والشرق،
- تنمية عادلة تنزع فتيل الحرب من الأرض عبر توزيع الثروة والسلطة.
هذا المثلث لم ينجح الخصوم في إلغائه، رغم ما امتلكوا من سلاح وقوة قهر، لأن الإمام زرعه في وعي أجيال؛ في قلوب الأنصار، وفي ضمائر نخب مدنية كثيرة رأت في هذا الرجل ضمانة أخلاقية وفكرية لعدم انحراف البوصلة الوطنية.
ثالثًا: الإمام كمدرسة أخلاقية: السياسة بوصفها عبادة عامة
في زمنٍ استُبيحت فيه السياسة في عالمنا العربي، وتحولت عند كثيرين إلى مهنةٍ بلا ضمير، وعند آخرين إلى شعاراتٍ بلا كلفة، برزت مدرسة الإمام الأخلاقية فارقةً في لغتها وسلوكها.
كان ينظر إلى السياسة على أنها “عبادة عامة”، وأن كل توقيع سياسي، وكل كلمة في منبر، وكل تحالفٍ في لحظةٍ حرجة، إمّا أن يرفع صاحبَه في سجلّ التاريخ أو يضعه في خانة من باعوا الأمانة. لذلك حافظ على نبرةٍ مميزة في الخطاب:
- حادٌّ في المبدأ،
- رفيقٌ في اللغة،
- قاسٍ على الاستبداد،
- رحيمٌ بالخصوم إذا فتحوا باب التوبة السياسية.
اختار “الجهاد المدني” نهجًا؛ جهادًا يستنفر الجماهير عبر الكلمة، وعبر الحشد الجماهيري، وعبر المقاطعة، وعبر العصيان، من دون أن يتحول الوطن إلى ساحة اقتتال أهلي، يدفع ثمنها المزارع والعامل والمرأة والطفل. كان يدرك أن البندقية قد تقتل طاغية، غير أنها قد تُنبت طغاة جددًا، أما الوعي إذا استيقظ فهو الحارس الحقيقي للمستقبل.
في لحظات الانكسار الكبرى، لم يسمح للغة الكراهية أن تتسلل إلى خطابه، حتى حين كان الظلم في ذروته. كانت قناعته أن السودان وطن هشُّ النسيج، وأن كلمةً واحدة قد تشق صفًّا قبليًا، أو توقظ جرحًا تاريخيًا، أو تفتح باب ثأرٍ لا يُغلق. لذلك درس التركيبة الاجتماعية والتاريخية للسودان في كتاباته، ووضع ما يمكن وصفه بـ”أخلاقيات الخطاب في مجتمع مهدّد بالتشظي”:
- مقاومةٌ من دون شيطنة،
- نقدٌ من دون تجريح شخصي،
- وضوحٌ في تسمية المسؤوليات، مع حرصٍ على فتح باب العودة للصف الوطني.
هذه المدرسة الأخلاقية تحتاج اليوم إلى من يتبنّاها ويدافع عنها؛ فالتفكك الأخلاقي في السياسة خطرٌ لا يقل عن التفكك الاقتصادي أو الأمني. والإمام ترك إرثًا ثريًا من التجربة يمكن أن يتحول إلى “ميثاق سلوك سياسي” تلتزم به القوى الوطنية، إن أرادت حقًا أن تبني وطنًا لا مجرد سلطة.
رابعًا: الإمام والدوائر الخمس: من أم درمان إلى العالم
كان الإمام ابن أم درمان في التفاصيل؛ في اللغة، في الحس الشعبي، في استحضار التاريخ الوطني، في محبته للريف والبادية ونيله العظيم، غير أن أفقه كان أوسع من حدود الجغرافيا السودانية.
طوّر رؤيته في إطار ما يمكن تسميته بـ”الدوائر الخمس” التي تتحرك فيها رسالة السودان:
- الدائرة السودانية: حيث التنوّع الإثني واللغوي والديني، وحيث ضرورة عقد اجتماعي جديد يساوي بين المواطنين في الحق والواجب، ويُقرّ بالتعددية بوصفها نعمة إذا حُسن تدبيرها، ونقمة إذا استُغلّت أداةً للتمزيق.
- الدائرة العربية: حيث السودان جزء من فضاء لغوي وثقافي ومصلحي ممتد، يتفاعل مع قضاياه من موقع الشراكة لا التبعية؛ يدعم القضية الفلسطينية، ويشارك في هموم النهضة العربية، غير أنه يحتفظ لنفسه بحق أن يقول “لا” حين تتحول السياسات الإقليمية إلى عبءٍ على وحدته واستقلاله.
- الدائرة الإسلامية: حيث الإمام مفكر في قضايا التجديد الديني، والاجتهاد، وعلاقة الإسلام بالدولة، وموقف المسلمين من الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحوار المذاهب، ومواجهة التطرف والتكفير والإرهاب. كتب في هذه الملفات، وشارك في مؤسسات ومنتديات، وجال في العواصم، حَمْلًا لفكرة أن الإسلام قادر على أن يقدم للعالم نموذجًا جديدًا في التعايش والعدل والتكافل إذا تحرر من ثقل الاستبداد باسم الدين ومن حِمْل الاغتراب عن قيمه.
- الدائرة الإفريقية: حيث السودان جسر بين العرب وإفريقيا، وبين الإسلام والديانات الإفريقية والمسيحية، وملف الجنوب سابقًا، وملف الجوار الإفريقي، وتقاطعات نزاعات القرن الإفريقي وحوض النيل، كل ذلك جعل الإمام يفكر في السودان بوصفه “مفصل قارة”، لا مجرد دولة على الهامش.
- الدائرة الإنسانية: حيث خاطب العالم بلغة الكرامة الإنسانية، والعدالة الدولية، وحق الشعوب في التحرر من الهيمنة، ونقد اختلال ميزان القوى بين الشمال والجنوب، انطلاقًا من خلفية دينية ترى الإنسان مكرّمًا قبل أن يُعرّف بجواز سفر أو جنسية.
هذه الدوائر الخمس لم تكن نظريّة في ذهنه؛ بل انعكست في مواقفه من ملفات اللاجئين والنازحين، ومن الحروب الأهلية، ومن قضايا الحريات العامة، ومن العلاقات الدولية للسودان. وهكذا تشكّل “الضمير العالمي للإمام”: ضميرٌ يستمد جذوره من تربة السودان، غير أنه يمدّ أغصانه في فضاءٍ أبعد كثيرًا من حدود الخرائط.
خامسًا: ماذا يبقى بعد الرحيل؟ من رثاء الأشخاص إلى بناء المدارس
أيها السائرون في درب الإمام، أيها المحبون الذين آلمهم الرحيل، وأيها السودانيون الذين اختلفوا معه يومًا أو التقت طرقهم به يومًا آخر:
إن العبرة في مثل هذا اليوم ليست أن نُحصي مآثر رجل عظيم ثم نغلق الكتاب، وإنما أن نسأل أنفسنا بصدق: ما الذي نفعله بهذا الإرث الآن؟
الإمام ترك وراءه ثلاثة كنوز كبرى:
- كنز النصوص من عشرات الكتب، ومئات الأوراق، وآلاف الخطب والمحاضرات والحوارات، تنتظر من يحولها إلى مناهج للتكوين الفكري والسياسي والأخلاقي. يمكن أن تنشأ حولها “مدرسة الإمام الصادق للفكر العام”، تدرّس للطلاب والكوادر والشباب، لا لتخريج مقلِّدين، وإنما لتخريج عقول تجتهد بروحه لا بنصه.
- كنز التجربة السياسية، قوامه مسار طويل من الحكم والمعارضة، من التفاوض والمواجهة، من التحالف والانفضاض، من الصبر على الاعتقال والنفي والملاحقة، كل ذلك يشكل مادةً نادرة لدراسة “فن السياسة في بيئة هشّة”. لو جُمعت هذه التجربة في دراسات وأطروحات، وقدّمت للأجيال الجديدة، فإنها ستختصر عليهم كثيرًا من أخطاء التعلّم البطيء من الواقع.
- كنز المثال الأخلاقي، تعكسه الصورة التي انطبعت في أذهان كثيرين عن الإمام: عقلٌ حاضر، وقلبٌ متسامح، ولسانٌ لا يطعن في الأعراض، وظهرٌ لا ينحني للطغيان. هذا المثال يحتاج أن يُصان من التشويه، وأن يُقدَّم للشباب في زمنٍ تتساقط فيه القدوات، ويُستبدل فيها النموذج الإنساني بنموذج الاستهلاك والشهرة الفارغة.
لكي يتحول التأبين إلى عهد، تحتاج القوى الوطنية والإسلامية والمدنية إلى خطوات عملية، من قبيل:
- إنشاء مركز بحثي يحمل اسم الإمام، يواصل خطه في الاجتهاد الفكري وتجديد الفقه السياسي.
- إدماج رؤاه حول الديمقراطية التوافقية، والسلام العادل، وإدارة التنوع، في مشاريع الدساتير والبرامج الحزبية.
- إطلاق برامج لتكوين قيادات شابة تتربى على قيم “الجهاد المدني” و”أخلاقيات الخلاف”، بعيدًا عن العنف اللفظي والمادي.
- جمع تراثه في موسوعة محقَّقة، تُتاح ورقيًا ورقميًا، ليصبح في متناول الباحثين والناشطين والطلاب داخل السودان وخارجه.
حين يحدث ذلك، يتحول يوم الرحيل من ذكرى حزنٍ إلى موعد تجديد؛ موعد يراجع فيه كل واحد منا موقعه على الخريطة: هل هو متفرّج، أم حامل لشعلة استلمها من جيل حملها من قبل في وجه العواصف؟
سادسًا: رسالة إلى السودان في حضرة الإمام الغائب الحاضر
يا سودان الإمام؛ يا أرض النيلين، وسهول كردفان، وجبال النوبة، ووديان دارفور، وسواحل البحر الأحمر، وبيوت الطين والقش في أطراف المدن:
هذا رجلٌ أعطيته من عمرك أربعة وثمانين عامًا، فأعطاك من عقله وقلبه وأعصابه ومنفاه وسجنه وسهره ما يتجاوز عمر فرد، ويقترب من عمر أمة تُصارع من أجل أن تولد من جديد.
علّمك أن الخلاص لا يأتي عبر دبابةٍ تُصفّر فوهتها في الهواء وتزعم أنها جاءت “من أجل الشعب”، وإنما يأتي عبر شعبٍ يستيقظ من سُباته، ويكتشف أن صوته أثقل وزنًا في ميزان التاريخ من أي بيان عسكري.
علّمك أن الدين لا يُختزَل في لائحة محظورات، ولا في شعار على الرايات، ولا في خطبة عصبية، وإنما يتجلى في عدلٍ يُقام، ودمٍ يُصان، وجائعٍ يُطعَم، ومظلومٍ يُنصَف، ومحبوس رأي يُطلَق من حبسه لأن الاختلاف حق لا جريمة.
علّمك أن الهويّة ليست سجنًا إثنيًا أو جغرافيًا أو أيديولوجيًا؛ إنما هي نهرٌ من روافد عديدة، يصب في بحرٍ واحد اسمه السودان، ثم يتدفّق خارج الحدود مساهمةً في محيط عربي وإسلامي وإفريقي وإنساني واسع.
في هذه الذكرى، يلوح خطرٌ مزدوج:
- خطر أن يتحول الإمام إلى صورةٍ مؤطرةٍ على الجدار، نزيّن بها الصالونات ونترك واقعه في الكتب لا يتجاوزها،
- وخطر أن يُحاكَم بمنطق الانقسام الراهن، فيُختزَل في خانة حزبية أو جهوية أو فئوية، في حين أن مشروعه أوسع من ذلك بكثير.
الخيار الأجدر بسودان جريح يريد أن ينهض أن يتعامل مع الإمام بوصفه “رأس مال رمزيًا مشتركًا”؛ رأس مالٍ يمكن أن تتقاطع عنده القوى الديمقراطية، الوطنية، الإصلاحية، الإسلامية المستنيرة، والحركات المدنية، لتؤسس عليه جبهةً واسعة ضد الاستبداد والحرب والفساد.
سابعًا: كلمة أخيرة للسائرين في دربه
إلى الأنصار الذين بنوا خيامهم السياسية والفكرية على ظلال هذه المدرسة،
وإلى شباب السودان الذين سمعوا باسم الإمام أكثر مما قرأوا له،
وإلى النخب التي خالفت الإمام في مواقف وتحالفت معه في مواقف أخرى،
إلى الجميع نقول:
هذا الطريق الذي سار فيه الإمام طويلًا لَم يكن ممرًّا مفروشًا بالورود، وإنما كان دربًا ممتدًا بين سجون وحروب وانقلابات وخيبات وأملٍ لا ينطفئ.
قيمة هذا الطريق أنّه ما انقطع؛ كان يتعرّج حينًا، ويضيق حينًا، ويتسع حينًا، غير أن وجهته بقيت ثابتة:
- سودان ديمقراطي تعددي،
- دولة مدنية ذات مرجعية متَّفَق عليها،
- سلامٌ يُنصف الضحايا،
- تنميةٌ تقتلع جذور الفقر والغبن،
- وصحوةٌ إسلاميةٌ رحيمةٌ بالعالمين، قوية المقصد، إنسانية الروح.
إذا استمر السائرون في هذا الاتجاه، وأضافوا إلى ما قدّم الإمام من فكرٍ وتجربة ما تمليه لحظتهم التاريخية من اجتهادات جديدة، فإن الطريق سيوصل إلى غايته، وإن طال السفر. أما إذا تحوَّلت الذكرى إلى موسم بكاءٍ ثم انفضاض، فإن الخسارة لن تكون لشخصٍ غاب، وإنما لوطنٍ يفتقد في كل يوم قيادات من طينته.
في هذا اليوم، يمكن أن نقف لحظة صمتٍ إجلالًا لروحه، غير أن أصدق ما يُهدى له ليس الصمت، وإنما حوارٌ جاد حول مستقبل السودان، وعملٌ منظم لصناعة هذا المستقبل، وجرأة في مواجهة الاستبداد والفساد، ووفاءٌ لقيمٍ حملها دهراً:
الحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع،
والإنسان مكرّمٌ لا يُهان،
والوطن أمانةٌ لا غنيمة،
والدين رحمةٌ لا قهر،
والفكرة إذا صحت لا تموت،
ورجالُ الرسالة يغيبون، غير أن العهد الذي قطعوه مع الله ومع شعوبهم يبقى ممتدًا في كل جيلٍ يحمل الراية من بعدهم.
ذلك هو “عهد الإمام”؛
عهْدُ فكرٍ لا يُستقال،
وقيمٍ لا تُشترى،
وطريقٍ يطول، غير أنه يُفضي في النهاية إلى صبحٍ جديد،
ولو بعد حين.
بقلم: عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
في مثل هذا اليوم، يثقل الهواء بذكريات رجلٍ حمل همَّ السودان على كتفيه عقودًا طوالًا، ثم غاب جسدًا وبقي أثرًا، ونام في الثرى وبقي فكره يقِظًا في ضمائر الناس. تمرّ ذكرى رحيل الإمام الصادق المهدي، فيستيقظ في قلوب محبّيه سؤال واحد: هل كان رحيلًا؟ أم عبورًا إلى طورٍ جديد من الرسالة؟ إنَّ أعمار الأشخاص تُقاس بالسنوات، غير أن أعمار المدارس تُقاس بقدرتها على الاستمرار بعد أن يغيب مؤسسوها.. وهنا تتبدّى حقيقة الإمام: رجلٌ انتهت حياته البيولوجية، واستمرّت حياته الرسالية.
وُلد الصادق الصغير في أم درمان عام 1935م، في بيتٍ مشحون بتاريخ المهدية، وبتجربة الدين حين يتحول من طاقة روحية إلى مشروع تحرر وطني، ثم صعد شابًا إلى صدارة المشهد قائدًا لحزب الأمة، إمامًا للأنصار، ورئيسًا لوزراء السودان في فترتين تاريخيتين، قبل أن يُطاح بحكومته المنتخبة في انقلاب 30 يونيو 1989م، ويواصل بعدها عقودًا من المعارضة الفكرية والسياسية حتى رحيله في نوفمبر 2020م في أبوظبي متأثرًا بفيروس كورونا المستجد.
هو آخر رئيس وزراء جاء عبر صناديق اقتراع في السودان قبل أن تُغلق أبواب الديمقراطية زمنًا طويلًا تحت سلطة الانقلابات.
غير أن هذه السيرة، على اتساعها، لا تكفي لشرح الظاهرة. فالإمام لم يكن مجرّد سياسي مخضرم، ولا مجرد زعيم طائفي، ولا مجرد كاتب غزير الإنتاج؛ إنما كان حالةً مركّبة تجمع بين دور المفكر المجدِّد، والزعيم الديمقراطي، والفقيه المستنير، والمجاهد المدني، والإنسان الكوني الذي خاطب ضمائر المسلمين، كما خاطب عقول الباحثين في جامعات العالم، وخاطب الريف السوداني كما خاطب قاعات الأمم والمنظمات الدولية.
من هنا، فإن أي تأبين يليق به لا يكتفي بالبكاء على الأطلال، ولا يراوح عند حافة العاطفة الجيّاشة، وإنما يتجاوز ذلك إلى رسم ملامح “عهد الإمام” بوصفه مشروعًا نهضويًا متكاملًا، يقدّم للسودان، وللمنطقة، وللعالم الإسلامي، وللإنسانية، نموذجًا نادرًا في الجمع بين الإيمان والعقل، بين الأصالة والمعاصرة، بين الوطنية والكونية، بين قوة الموقف ومرونة الوسيلة.
أولًا: الإمام كظاهرة فكرية: عقلٌ يتعب.. وإيمانٌ يستبشر
من يقرأ نصوص الإمام في السياسة والفكر والدين والتاريخ يدرك سريعًا أنه أمام عقلٍ لا يرتاح؛ عقل يطرح الأسئلة قبل أن يقدّم الأجوبة، ويعرض الاعتراض ثم يبني الاقتناع، ويُنصت للتراث ثم يَعرضه على مقاصد الشريعة ومعايير العصر، فيستبقي ما يفتح أفقًا، ويتجاوز ما يغلق بابًا.
كان الإمام يرى أن أكبر عطب أصاب الأمة هو تحالف الاستبداد مع الجمود؛ استبداد سياسي صادر إرادة الناس، وجمود فقهي صادر اجتهاد العقول. لذلك جاءت محاولته الفكرية الكبرى لتفكّ هذا التحالف؛ فبنى في كتبه ومحاضراته ما يمكن تسميته بـ”العقل الإيماني الناقد”؛ عقلٌ يتحرّك تحت سقف النص، غير أنه يرفض أن يكون أسير حرفية معزولة عن المصلحة والمقصد والزمان والمكان.
في دراساته عن مستقبل الإسلام في السودان، وعن الصحوة الإسلامية، وعن الديمقراطية والتعدّدية، صاغ الإمام معادلة دقيقة: دينٌ يتجدد من داخل أصوله، ودولةٌ مدنية ذات مرجعية متَّفَق عليها، وفقهٌ يعترف بالحركة التاريخية للأحكام، ويستدعي تراث الأئمة ليُحرّكه في اتجاه عصره، لا ليُحوِّلَه إلى أصنامٍ تُعبد من دون الله.
هكذا ظهر معجم خاص يمكن أن نسمّيه “قاموس الإمام”:
- حديثٌ متكرر عن الاجتهاد المستمر، في مواجهة قفل باب الاجتهاد.
- إصرار على الجمع بين الشريعة والحقيقة، بين فقه النص وفقه القلوب.
- تأكيد على الصحوة المجدِّدة لا الصحوة الانفعالية.
- دفاع عن الديمقراطية التعددية بوصفها أقرب الصيغ السياسية لمعاني الشورى والعدل والكرامة في العصر الحديث.
ومع مرور الوقت، تحوّل هذا القاموس إلى مدرسة كاملة الأسس:
- فقه العبور: عبور من حرفية النص إلى مقاصده، من اللحظة الانفعالية إلى الرؤية الإستراتيجية، من رد الفعل إلى فعلٍ مبادرٍ يفتح المسار.
- فقه السَّعة: سعةٌ في استيعاب التنوّع المذهبي، والتعدد الفكري، والاختلاف السياسي، ضمن إطارٍ جامع لا يسقط الحق في الاختلاف ولا يبدّد واجب التعايش.
- فقه المآلات: فقه يبحث في نتائج الفتوى قبل إصدارها، وفي مآلات القرار قبل اتخاذه؛ فالمعيار عنده ليس الصواب المجرد، وإنما الصواب الذي يجنّب المجتمع فتنة، ويقربه من عدالة، ويمنحه فرصةً جديدة للخروج من عنق الزجاجة.
هذه المفاهيم لم تظلّ حبيسة الورق، وإنما تسللت إلى خطاب أجيال من الإسلاميين المستنيرين، والديمقراطيين المؤمنين بقيم الدين، والوطنيين الباحثين عن صيغة تخرج بالسودان من أسر “الدولة الانقلابية” و”الدولة الغنائمية”، نحو دولة المواطنة والحق والواجب.
ثانيا: الإمام كمشروع نهضوي سوداني: من المهدية إلى الدولة المدنية
تجربة المهدية الأولى في السودان شكّلت في وعي الإمام ليس مجرد تاريخ مجيد، وإنما اختبارًا كبيرًا: كيف يمكن للأمة أن تحوِّل الطاقة الروحية إلى مشروع سياسي، من دون أن تقع في فخّ التقديس الموروث أو القطيعة التامة؟
استفاد الإمام من درس المهدية على مستويين:
الأول: استلهام الجرأة الروحية والقدرة على بعث الأمل في لحظات الانهيار، ذلك البعد الذي جعل المهدية الأولى حركة تحررٍ ضد الاستعمار والظلم، وأطلق الإمكان الكامن في الفلاح السوداني والفقير المهمّش والمحارب البسيط.
الثاني: نقد الأخطاء التي وقعت فيها التجربة حين تحوّلت الدولة إلى مركز مغلق للنخبة، وانكمش الاجتهاد، وتوسّعت دائرة “حكم الضرورة” على حساب بناء المؤسسة المستدامة.
من هذا التفاعل ولدت عند الإمام فكرة “المهدية الثانية”، لا بمعنى تكرار الشكل، وإنما بمعنى تجديد الوظيفة:
- التديّن يتحرّك في اتجاه الحرية لا في اتجاه الوصاية،
- الرسالية تفتح أبواب الاجتهاد لا أبواب التكفير،
- الإرث الروحي يتحول إلى رصيد للأمة كلها، لا إلى احتكار لأسرة أو تنظيم.
على هذا الأساس اشتغل الإمام في السياسة الوطنية:
قاد حزب الأمة، وهو في مطلع شبابه، وصل إلى رئاسة الوزراء أول مرة في ستينيات القرن الماضي، ثم عاد إلى رئاسة الحكومة المنتخبة بعد انتفاضة أبريل 1985، قبل أن يُطاح به بانقلاب عسكري حوّل السودان إلى ساحة استبداد طويل.
غير أن المهم في هذه المحطات ليس مقعد السلطة في حد ذاته، وإنما الدرس الذي كرّره الإمام كل مرة: السلطة وظيفة مؤقتة، والرسالة مشروعٌ أبقى. خرج من السلطة إلى السجون، ثم إلى المنافي، ثم عاد إلى ساحة النضال السلمي، يفاوض حين تقتضي المصلحة، ويعارض حين تنقلب الاتفاقات إلى غطاء لتمكين جديد، ويطرح المبادرات تلو المبادرات بحثًا عن “سلام عادل شامل”، لا عن هدنةٍ هشة تسبق حربًا أخرى.
في قلب مشروعه للسودان كان هناك دائمًا مثلث واضح:
- ديمقراطية تعددية تقطع طريق العودة إلى حكم الفرد،
- سلام عادل يعترف بجذور المظالم في الجنوب والغرب والشرق،
- تنمية عادلة تنزع فتيل الحرب من الأرض عبر توزيع الثروة والسلطة.
هذا المثلث لم ينجح الخصوم في إلغائه، رغم ما امتلكوا من سلاح وقوة قهر، لأن الإمام زرعه في وعي أجيال؛ في قلوب الأنصار، وفي ضمائر نخب مدنية كثيرة رأت في هذا الرجل ضمانة أخلاقية وفكرية لعدم انحراف البوصلة الوطنية.
ثالثًا: الإمام كمدرسة أخلاقية: السياسة بوصفها عبادة عامة
في زمنٍ استُبيحت فيه السياسة في عالمنا العربي، وتحولت عند كثيرين إلى مهنةٍ بلا ضمير، وعند آخرين إلى شعاراتٍ بلا كلفة، برزت مدرسة الإمام الأخلاقية فارقةً في لغتها وسلوكها.
كان ينظر إلى السياسة على أنها “عبادة عامة”، وأن كل توقيع سياسي، وكل كلمة في منبر، وكل تحالفٍ في لحظةٍ حرجة، إمّا أن يرفع صاحبَه في سجلّ التاريخ أو يضعه في خانة من باعوا الأمانة. لذلك حافظ على نبرةٍ مميزة في الخطاب:
- حادٌّ في المبدأ،
- رفيقٌ في اللغة،
- قاسٍ على الاستبداد،
- رحيمٌ بالخصوم إذا فتحوا باب التوبة السياسية.
اختار “الجهاد المدني” نهجًا؛ جهادًا يستنفر الجماهير عبر الكلمة، وعبر الحشد الجماهيري، وعبر المقاطعة، وعبر العصيان، من دون أن يتحول الوطن إلى ساحة اقتتال أهلي، يدفع ثمنها المزارع والعامل والمرأة والطفل. كان يدرك أن البندقية قد تقتل طاغية، غير أنها قد تُنبت طغاة جددًا، أما الوعي إذا استيقظ فهو الحارس الحقيقي للمستقبل.
في لحظات الانكسار الكبرى، لم يسمح للغة الكراهية أن تتسلل إلى خطابه، حتى حين كان الظلم في ذروته. كانت قناعته أن السودان وطن هشُّ النسيج، وأن كلمةً واحدة قد تشق صفًّا قبليًا، أو توقظ جرحًا تاريخيًا، أو تفتح باب ثأرٍ لا يُغلق. لذلك درس التركيبة الاجتماعية والتاريخية للسودان في كتاباته، ووضع ما يمكن وصفه بـ”أخلاقيات الخطاب في مجتمع مهدّد بالتشظي”:
- مقاومةٌ من دون شيطنة،
- نقدٌ من دون تجريح شخصي،
- وضوحٌ في تسمية المسؤوليات، مع حرصٍ على فتح باب العودة للصف الوطني.
هذه المدرسة الأخلاقية تحتاج اليوم إلى من يتبنّاها ويدافع عنها؛ فالتفكك الأخلاقي في السياسة خطرٌ لا يقل عن التفكك الاقتصادي أو الأمني. والإمام ترك إرثًا ثريًا من التجربة يمكن أن يتحول إلى “ميثاق سلوك سياسي” تلتزم به القوى الوطنية، إن أرادت حقًا أن تبني وطنًا لا مجرد سلطة.
رابعًا: الإمام والدوائر الخمس: من أم درمان إلى العالم
كان الإمام ابن أم درمان في التفاصيل؛ في اللغة، في الحس الشعبي، في استحضار التاريخ الوطني، في محبته للريف والبادية ونيله العظيم، غير أن أفقه كان أوسع من حدود الجغرافيا السودانية.
طوّر رؤيته في إطار ما يمكن تسميته بـ”الدوائر الخمس” التي تتحرك فيها رسالة السودان:
- الدائرة السودانية: حيث التنوّع الإثني واللغوي والديني، وحيث ضرورة عقد اجتماعي جديد يساوي بين المواطنين في الحق والواجب، ويُقرّ بالتعددية بوصفها نعمة إذا حُسن تدبيرها، ونقمة إذا استُغلّت أداةً للتمزيق.
- الدائرة العربية: حيث السودان جزء من فضاء لغوي وثقافي ومصلحي ممتد، يتفاعل مع قضاياه من موقع الشراكة لا التبعية؛ يدعم القضية الفلسطينية، ويشارك في هموم النهضة العربية، غير أنه يحتفظ لنفسه بحق أن يقول “لا” حين تتحول السياسات الإقليمية إلى عبءٍ على وحدته واستقلاله.
- الدائرة الإسلامية: حيث الإمام مفكر في قضايا التجديد الديني، والاجتهاد، وعلاقة الإسلام بالدولة، وموقف المسلمين من الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحوار المذاهب، ومواجهة التطرف والتكفير والإرهاب. كتب في هذه الملفات، وشارك في مؤسسات ومنتديات، وجال في العواصم، حَمْلًا لفكرة أن الإسلام قادر على أن يقدم للعالم نموذجًا جديدًا في التعايش والعدل والتكافل إذا تحرر من ثقل الاستبداد باسم الدين ومن حِمْل الاغتراب عن قيمه.
- الدائرة الإفريقية: حيث السودان جسر بين العرب وإفريقيا، وبين الإسلام والديانات الإفريقية والمسيحية، وملف الجنوب سابقًا، وملف الجوار الإفريقي، وتقاطعات نزاعات القرن الإفريقي وحوض النيل، كل ذلك جعل الإمام يفكر في السودان بوصفه “مفصل قارة”، لا مجرد دولة على الهامش.
- الدائرة الإنسانية: حيث خاطب العالم بلغة الكرامة الإنسانية، والعدالة الدولية، وحق الشعوب في التحرر من الهيمنة، ونقد اختلال ميزان القوى بين الشمال والجنوب، انطلاقًا من خلفية دينية ترى الإنسان مكرّمًا قبل أن يُعرّف بجواز سفر أو جنسية.
هذه الدوائر الخمس لم تكن نظريّة في ذهنه؛ بل انعكست في مواقفه من ملفات اللاجئين والنازحين، ومن الحروب الأهلية، ومن قضايا الحريات العامة، ومن العلاقات الدولية للسودان. وهكذا تشكّل “الضمير العالمي للإمام”: ضميرٌ يستمد جذوره من تربة السودان، غير أنه يمدّ أغصانه في فضاءٍ أبعد كثيرًا من حدود الخرائط.
خامسًا: ماذا يبقى بعد الرحيل؟ من رثاء الأشخاص إلى بناء المدارس
أيها السائرون في درب الإمام، أيها المحبون الذين آلمهم الرحيل، وأيها السودانيون الذين اختلفوا معه يومًا أو التقت طرقهم به يومًا آخر:
إن العبرة في مثل هذا اليوم ليست أن نُحصي مآثر رجل عظيم ثم نغلق الكتاب، وإنما أن نسأل أنفسنا بصدق: ما الذي نفعله بهذا الإرث الآن؟
الإمام ترك وراءه ثلاثة كنوز كبرى:
- كنز النصوص من عشرات الكتب، ومئات الأوراق، وآلاف الخطب والمحاضرات والحوارات، تنتظر من يحولها إلى مناهج للتكوين الفكري والسياسي والأخلاقي. يمكن أن تنشأ حولها “مدرسة الإمام الصادق للفكر العام”، تدرّس للطلاب والكوادر والشباب، لا لتخريج مقلِّدين، وإنما لتخريج عقول تجتهد بروحه لا بنصه.
- كنز التجربة السياسية، قوامه مسار طويل من الحكم والمعارضة، من التفاوض والمواجهة، من التحالف والانفضاض، من الصبر على الاعتقال والنفي والملاحقة، كل ذلك يشكل مادةً نادرة لدراسة “فن السياسة في بيئة هشّة”. لو جُمعت هذه التجربة في دراسات وأطروحات، وقدّمت للأجيال الجديدة، فإنها ستختصر عليهم كثيرًا من أخطاء التعلّم البطيء من الواقع.
- كنز المثال الأخلاقي، تعكسه الصورة التي انطبعت في أذهان كثيرين عن الإمام: عقلٌ حاضر، وقلبٌ متسامح، ولسانٌ لا يطعن في الأعراض، وظهرٌ لا ينحني للطغيان. هذا المثال يحتاج أن يُصان من التشويه، وأن يُقدَّم للشباب في زمنٍ تتساقط فيه القدوات، ويُستبدل فيها النموذج الإنساني بنموذج الاستهلاك والشهرة الفارغة.
لكي يتحول التأبين إلى عهد، تحتاج القوى الوطنية والإسلامية والمدنية إلى خطوات عملية، من قبيل:
- إنشاء مركز بحثي يحمل اسم الإمام، يواصل خطه في الاجتهاد الفكري وتجديد الفقه السياسي.
- إدماج رؤاه حول الديمقراطية التوافقية، والسلام العادل، وإدارة التنوع، في مشاريع الدساتير والبرامج الحزبية.
- إطلاق برامج لتكوين قيادات شابة تتربى على قيم “الجهاد المدني” و”أخلاقيات الخلاف”، بعيدًا عن العنف اللفظي والمادي.
- جمع تراثه في موسوعة محقَّقة، تُتاح ورقيًا ورقميًا، ليصبح في متناول الباحثين والناشطين والطلاب داخل السودان وخارجه.
حين يحدث ذلك، يتحول يوم الرحيل من ذكرى حزنٍ إلى موعد تجديد؛ موعد يراجع فيه كل واحد منا موقعه على الخريطة: هل هو متفرّج، أم حامل لشعلة استلمها من جيل حملها من قبل في وجه العواصف؟
سادسًا: رسالة إلى السودان في حضرة الإمام الغائب الحاضر
يا سودان الإمام؛ يا أرض النيلين، وسهول كردفان، وجبال النوبة، ووديان دارفور، وسواحل البحر الأحمر، وبيوت الطين والقش في أطراف المدن:
هذا رجلٌ أعطيته من عمرك أربعة وثمانين عامًا، فأعطاك من عقله وقلبه وأعصابه ومنفاه وسجنه وسهره ما يتجاوز عمر فرد، ويقترب من عمر أمة تُصارع من أجل أن تولد من جديد.
علّمك أن الخلاص لا يأتي عبر دبابةٍ تُصفّر فوهتها في الهواء وتزعم أنها جاءت “من أجل الشعب”، وإنما يأتي عبر شعبٍ يستيقظ من سُباته، ويكتشف أن صوته أثقل وزنًا في ميزان التاريخ من أي بيان عسكري.
علّمك أن الدين لا يُختزَل في لائحة محظورات، ولا في شعار على الرايات، ولا في خطبة عصبية، وإنما يتجلى في عدلٍ يُقام، ودمٍ يُصان، وجائعٍ يُطعَم، ومظلومٍ يُنصَف، ومحبوس رأي يُطلَق من حبسه لأن الاختلاف حق لا جريمة.
علّمك أن الهويّة ليست سجنًا إثنيًا أو جغرافيًا أو أيديولوجيًا؛ إنما هي نهرٌ من روافد عديدة، يصب في بحرٍ واحد اسمه السودان، ثم يتدفّق خارج الحدود مساهمةً في محيط عربي وإسلامي وإفريقي وإنساني واسع.
في هذه الذكرى، يلوح خطرٌ مزدوج:
- خطر أن يتحول الإمام إلى صورةٍ مؤطرةٍ على الجدار، نزيّن بها الصالونات ونترك واقعه في الكتب لا يتجاوزها،
- وخطر أن يُحاكَم بمنطق الانقسام الراهن، فيُختزَل في خانة حزبية أو جهوية أو فئوية، في حين أن مشروعه أوسع من ذلك بكثير.
الخيار الأجدر بسودان جريح يريد أن ينهض أن يتعامل مع الإمام بوصفه “رأس مال رمزيًا مشتركًا”؛ رأس مالٍ يمكن أن تتقاطع عنده القوى الديمقراطية، الوطنية، الإصلاحية، الإسلامية المستنيرة، والحركات المدنية، لتؤسس عليه جبهةً واسعة ضد الاستبداد والحرب والفساد.
سابعًا: كلمة أخيرة للسائرين في دربه
إلى الأنصار الذين بنوا خيامهم السياسية والفكرية على ظلال هذه المدرسة،
وإلى شباب السودان الذين سمعوا باسم الإمام أكثر مما قرأوا له،
وإلى النخب التي خالفت الإمام في مواقف وتحالفت معه في مواقف أخرى،
إلى الجميع نقول:
هذا الطريق الذي سار فيه الإمام طويلًا لَم يكن ممرًّا مفروشًا بالورود، وإنما كان دربًا ممتدًا بين سجون وحروب وانقلابات وخيبات وأملٍ لا ينطفئ.
قيمة هذا الطريق أنّه ما انقطع؛ كان يتعرّج حينًا، ويضيق حينًا، ويتسع حينًا، غير أن وجهته بقيت ثابتة:
- سودان ديمقراطي تعددي،
- دولة مدنية ذات مرجعية متَّفَق عليها،
- سلامٌ يُنصف الضحايا،
- تنميةٌ تقتلع جذور الفقر والغبن،
- وصحوةٌ إسلاميةٌ رحيمةٌ بالعالمين، قوية المقصد، إنسانية الروح.
إذا استمر السائرون في هذا الاتجاه، وأضافوا إلى ما قدّم الإمام من فكرٍ وتجربة ما تمليه لحظتهم التاريخية من اجتهادات جديدة، فإن الطريق سيوصل إلى غايته، وإن طال السفر. أما إذا تحوَّلت الذكرى إلى موسم بكاءٍ ثم انفضاض، فإن الخسارة لن تكون لشخصٍ غاب، وإنما لوطنٍ يفتقد في كل يوم قيادات من طينته.
في هذا اليوم، يمكن أن نقف لحظة صمتٍ إجلالًا لروحه، غير أن أصدق ما يُهدى له ليس الصمت، وإنما حوارٌ جاد حول مستقبل السودان، وعملٌ منظم لصناعة هذا المستقبل، وجرأة في مواجهة الاستبداد والفساد، ووفاءٌ لقيمٍ حملها دهراً:
الحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع،
والإنسان مكرّمٌ لا يُهان،
والوطن أمانةٌ لا غنيمة،
والدين رحمةٌ لا قهر،
والفكرة إذا صحت لا تموت،
ورجالُ الرسالة يغيبون، غير أن العهد الذي قطعوه مع الله ومع شعوبهم يبقى ممتدًا في كل جيلٍ يحمل الراية من بعدهم.
ذلك هو “عهد الإمام”؛
عهْدُ فكرٍ لا يُستقال،
وقيمٍ لا تُشترى،
وطريقٍ يطول، غير أنه يُفضي في النهاية إلى صبحٍ جديد،
ولو بعد حين.