بيان بورتسودان: حين تدين خارجية الانقلاب حاضنتها السياسية
السفير عادل إبراهيم مصطفى
صدر عن وزارة خارجية سلطة بورتسودان الانقلابية بيان قالت فيه إن حكومة السودان تابعت قرار الحكومة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً، مؤكدة في الوقت نفسه موقفها “المبدئي والثابت في إدانة جميع أشكال الإرهاب والتطرف العنيف دون استثناء أو انتقائية”، ومطالبة بالاستجابة للدعوات القوية لتصنيف قوات الدعم السريع جماعةً إرهابية.
اللافت في البيان ليس فقط مضمونه السياسي، بل أيضاً خلوّه من أي اعتراض أو تحفظ دبلوماسي على القرار الأمريكي، وهو أمر غير مألوف في خطاب الدول حين يتعلق الأمر بتصنيفات تصدرها حكومات أجنبية بحق جماعات تنشط داخل حدودها. وهكذا بدا البيان، في جوهره، وكأنه يقرّ ضمناً بذلك التصنيف، بل يوظِّفه سياسياً في سياق الصراع الداخلي في السودان.
عندما قرأت نص البيان، فركت عينيّ لأتأكد أنني لم أُخطئ القراءة. لكن الكلمات كانت واضحة لا تحتمل اللبس.
والحقيقة أن المفارقة في هذا البيان لا تكمن فقط في مضمونه السياسي، بل في السياق الذي صدر فيه. فالحكومة التي تصدر هذا الموقف هي ذاتها سلطة سياسية أعادت – بعد انقلاب أكتوبر 2021 – إلى مفاصل الدولة كوادر ارتبطت تاريخياً بتنظيم الإخوان المسلمين، وكان كثير منهم، بما فيهم وزير الخارجية نفسه، قد فُصلوا من الخدمة بقرارات لجنة تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو بسبب تلك الصلات التنظيمية. ومن هنا تبرز المفارقة: إذ يبدو البيان، في جوهره، وكأنه يقرّ ضمنياً بتصنيف التنظيم الذي شكّل إحدى الحواضن السياسية والإدارية للنظام الذي أعاد الانقلاب تمكينه داخل مؤسسات الدولة.
لذلك، فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل وزارة الخارجية التي أصدرت هذا البيان، ووزيرها وكثير من منسوبيها من الدبلوماسيين، شيء غير الامتداد البيروقراطي والتنظيمي لشبكات التمكين التي بناها نظام الثلاثين من يونيو داخل الدولة؟!.
لقد سبق أن فصلت لجنة تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو عدداً كبيراً من هؤلاء من الخدمة، بما فيهم وزير الخارجية، كما سلفت الإشارة، بسبب ارتباطاتهم بتنظيم الإخوان المسلمين وشبكاته الأمنية. غير أن انقلاب 25 أكتوبر 2021 أعادهم إلى مواقعهم، في واحدة من أوضح عمليات إعادة تمكين كوادر النظام القديم داخل مؤسسات الدولة.
في واقع الأمر، لم يكن الانقلاب حدثاً معزولاً، بل جاء تتويجاً لسلسلة طويلة من المناورات التي قادتها دولة الإخوان المسلمين العميقة بالتنسيق مع المجلس العسكري الانتقالي بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، في محاولة لإجهاض ثورة ديسمبر المجيدة. وقد تمثلت تلك المناورات في جملة من السياسات والتدابير التي استهدفت إنهاك الحكومة الانتقالية وإضعاف ثقة المواطنين فيها، من بينها خلق حالة من السيولة الأمنية المتعمدة، وصناعة أزمات الندرة في السلع الأساسية والخدمات، والتلاعب بالإمدادات الاقتصادية، وحتى خنق البلد بإغلاق الميناء في سياق محاولة ممنهجة لإظهار الدولة وكأنها تسير نحو الانهيار في ظل الحكم المدني. وحين فشلت تلك الأساليب في تحقيق هدفها النهائي، لجأت تلك القوى إلى الانقلاب العسكري المباشر. وعليه، لم يكن مستغرباً أن تكون أولى خطوات الانقلاب حل لجنة تفكيك التمكين، وإعادة الكوادر التي فصلتها اللجنة إلى الخدمة، بل وإعادة الأموال المنهوبة إلى من نهبوها، في عملية سياسية وإدارية هدفت إلى إعادة بناء شبكة التمكين القديمة داخل الدولة.
في ضوء ذلك كله، يبدو بيان وزارة الخارجية مثيراً لمفارقة سياسية لافتة: فهو من جهة يؤكد موقفاً يدين الإرهاب ويُظهر قبولاً ضمنياً بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، ومن جهة أخرى يصدر عن سلطة سياسية قامت على إعادة تمكين كوادر ذلك التنظيم نفسه داخل مؤسسات الدولة.
وأما مطالبة البيان بتصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، فهي مسألة قد تكون موضوع نقاش سياسي أو قانوني مشروع. غير أن المفارقة الكبرى تظل في أن الجهة التي تطلق هذا المطلب هي سلطة أعادت إلى مؤسسات الدولة كوادر تنظيم يقرّ البيان ذاته، ضمناً، بإدراجه ضمن الجماعات المصنفة إرهابية. وهكذا يتحول البيان من موقف دبلوماسي يُفترض فيه الاتساق والرصانة، إلى نص يكشف عمق الأزمة السياسية التي تعيشها سلطة الانقلاب، ويعكس حالة واضحة من التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الفعلي.
إن أخطر ما يكشفه هذا البيان ليس فقط ضعف الحجة السياسية، بل التناقض العميق في الخطاب الرسمي. فعندما تصدر وزارة الخارجية بياناً يحمل في طياته إدانة ضمنية لبيئة سياسية أعادتها السلطة نفسها إلى مؤسسات الدولة، فإن ذلك يعكس أزمة أعمق من مجرد موقف دبلوماسي عابر.
إنها أزمة سلطة فقدت القدرة على التوفيق بين خطابها السياسي وواقعها الفعلي. ولهذا كله، يبدو أن البيان – من حيث لا يقصد أصحابه – قد قدّم مثالاً جديداً على مفارقات السياسة السودانية في زمن الانقلاب.
وصدق القول القديم: إذا لم تستحِ، فقل ما تشاء.