حكاية تدشين “تيار شباب السودان” من الكواليس إلى وجوه السلام

بقلم: أحمد النور (ساركوزي) 

 

لم تكن البداية في قاعة مؤتمرات فخمة، ولا خلف مكاتب مكيفة، بل كانت عبر شاشات هواتف ذكية متصدعة، وفي “قروبات” واتساب تجمعنا من مدن النزوح في الداخل ومنافي الشتات في الخارج. كان القاسم المشترك شباب تلاقوا تحت مسمى “تيار شباب السودان” لم تجمعهم الجغرافيا، ولكن جمعتهم “الجراح” والرغبة الأكيدة في فعل شيء ما لوطنهم، وسط غبار وضجيج الحرب التي حاولت جاهدة طمس هويتنا والقضاء على أحلامنا المشروعة.

مثلت تلك اللقاءات تحدياً للمسافات ما بين مجتمعين تحت أزيز الرصاص وصمت الإنترنت وضعف خدماته وآخرين موزعين في “الشتات”. ورغم تلك المصاعب والتحديات والمخاطر فإن السؤال الحاضر الموجود: “كيف لنا أن ننبي تنظيمياً مؤسسياً لعضوية توزعت بين ولايات السودان المختلفة وأصقاع المنافي.. جزء كبير منهم في مصر وليبيا وأوغندا ودول أخرى؟!”. لذلك فإن خيار التواصل “أونلاين ” لم يكن خياراً ترفياً، بقدر ما كان الوسيلة الممكنة والفاعلة لاستكمال هذه المهام التنظيمية.

تعاملت هذه التجربة مع صعوبات لوجستية لا تخفى على أحد، من بينها انقطاع التيار الكهربائي وما ترتب عليه من غياب لعدد من أعضاء اللجان لأيام، وفي مرات فإن استقرار الكهرباء صاحبه ضعف في خدمات الإنترنت وانعدامها، وهو ما جعل الاجتماعات حتى عبر تطبيق “قوقل ميت”، الأقل احتياجاً لخدمات الإنترنت مقارنة بتطبيقات أخرى كالزووم وغيرها، هي معركة في حد ذاتها، وفوق ذلك فإن انشغال المشاركين والمشاركات في الاجتماع بتأمين مصدر قوتهم ورزقهم لهم ولأسرهم، وشمل هذا الموجودين داخل السودان وخارجه. اختار المشاركون والمشاركات أن يمضوا قُدُماً صابرين على تلك المصاعب والتحديات، وأن لا يجعلوا من المسافات عوائق تحول دون التواصل ومن الظروف سبباً للتوقف، بل على العكس أن يجعلوا من تلك المسافات جسوراً تربط بين المشاركين في داخل السودان أو خارجه، وتحويل العوائق لحافز البداية والانطلاق والاستمرار.

هذا طريق لم يعبَّد بالورد والأمنيات، خاصة أننا اخترنا لتدشين وإعلان “تيار شباب السودان” الاستفادة من رمزية ثورة ديسمبر وتواريخها الملهمة؛ اقترحنا 13 ديسمبر لتوافق ذكرى اندلاع الشرارة الأولى للثورة في مايرنو بولاية سنار، ثم 19 ديسمبر ليكون مع ذكرى إعلان استقلال السودان من البرلمان ورمزية حراك الثورة في 19 ديسمبر 2018م في كل من عطبرة والقضارف، حيث فشلنا في الإيفاء بهذا الموعد.

ظل الإحباط يطرق أبوابنا كلما حددنا ميقاتاً للتدشين ونفشل في الوفاء، وبدأ الخمول يتسلل بشكل خفي ليس لعوامل الإحباط منفردة، وإنما لتكالب ظروف أخرى منها ضغوط الحياة في الغربة والمنافي والتشتت، وفي بعض الأحيان يتزايد الشعور باليأس من جدوى وفائدة العمل المدني في ظل ارتفاع أصوات البنادق والمدافع.

حينها أعلنا أن “التدشين” ليس مجرد تاريخ، بل هو “نضوج”، وهذا الخمول كان وقوداً للمراجعة، وهذا الإحباط كان درساً في الصبر التنظيمي، ورغم كل العثرات، استطعنا أن نتجاوز مرحلة “التأسيس الورقي” إلى “الفعل الميداني”، فكانت حملة “وجوه من أجل السلام” هي بوابتنا لاستعادة الثقة.

جمعنا في حملة “وجوه من أجل السلام” ملامحنا السودانية الأصيلة، لنقول للعالم ولأنفسنا: “إن السلام يبدأ من وجوهنا، من تنوعنا، ومن قبولنا لبعضنا البعض”، وكانت هذه الحملة هي الرد العملي على كل لحظات اليأس التي مررنا بها.

نحن اليوم لا ننظر للخلف إلا لنأخذ العبرة، فأمامنا خطة استراتيجية مكثفة للأشهر الثلاثة المقبلة، تحمل في طياتها مفاجآت إعلامية وفنية كبرى، نحن بصدد مرحلة جديدة من العمل اللوجستي والميداني الذي سيعزز من دور الشباب في رتق النسيج الاجتماعي.

صحيح قد نكون بعيدين من بعضنا البعض بالمسافات، لكننا لم نكن أقرب بقلوبنا وأهدافنا كما نحن الآن. لذلك فإن حملة “وجوه من أجل السلام” لم تكن إلا البداية، والقادم يحمل “نبضاً” مختلفاً وصوتاً شبابياً لن ينقطع.

تلك كانت فصلاً من فصول حكاية تدشين “تيار شباب السودان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *