الحرب على مشارف عامها الرابع
السودان بين صراع الكارتيلات ومأسسة الهمجية
وضاح شرف الدين
في 15 أبريل 2026 تدخل حرب السودان عامها الرابع.
وهي لحظة لا تضعنا فقط أمام حربٍ طال أمدها، وإنما أمام انكشافٍ كامل لبنية الحكم نفسها: كيف تُدار البلاد حين تفشل الدولة في احتكار العنف، وكيف تتكاثر الجيوش على أنقاض المؤسسة، وكيف يتحول الضعف العام من مأزق يفترض تجاوزه إلى موردٍ سياسي واقتصادي تعيش عليه شبكات كاملة. فالمسألة لم تعد مجرد صراع بين قوتين مسلحتين على القصر والثكنة والقرار السيادي. الذي تبلور خلال ثلاث سنوات هو شيء أشد تركيبًا: نظام حرب تتعايش داخله مراكز قوى متعددة، تتصارع أحيانًا، وتتواطأ أحيانًا، لكنها تشترك، في العمق، في مصلحة واحدة: إبقاء السودان معلقًا في منتصف الطريق بين الدولة واللا-دولة.
هذا هو السياق الذي يجعل عبارة “الكارتيلات”، التي استعملها الدكتور بكري الجاك في توصيفه لبنية الحكم في السودان، وصفًا جديرًا بالتوقف عنده، لا مجرد استعارة صحفية لافتة. ففي إحدى مداخلاته المتداولة، شبّه الجاك ما يحكم السودان بكارتيلات شبيهة، في منطقها البنيوي، بكارتيلات تجارة المخدرات: شبكات مغلقة تحرس مصالحها بالعنف، تحتاج إلى دولة رخوة لا إلى دولة مكتملة، وتفضل تعدد الوسطاء ومناطق النفوذ والاقتصاد الموازي على قيام قانون عام يسري على الجميع. هذا التشبيه لا يعني تطابق النشاط حرفيًا، ولا يدّعي أن الفاعلين جميعًا يعملون في النوع نفسه من الاقتصاد الإجرامي؛ المقصود هو طريقة العمل: احتكار الموارد، توزيع الجغرافيا، استعمال السلاح أداة تفاوض، الاستثمار في ضعف القانون، وتحويل المجال العام إلى ساحة اقتسامٍ لا إلى فضاء مواطنة. هذا بالضبط ما يجعل المقارنة سليمة تفسيرًا لا إثارةً لغوية.
فالكارتيل، في علم السياسة كما في الاقتصاد الإجرامي، لا يحتاج إلى الفوضى المطلقة، لأن الفوضى المطلقة تهدد الجميع. ما يحتاجه هو فوضى مضبوطة: قدر من الانهيار يسمح بالاختراق، وقدر من الترتيب يسمح بجني الأرباح، وقدر من العنف يمنع الداخلين الجدد، وقدر من الخطاب السياسي يمنح الشبكة غطاءً أخلاقيًا أو وطنيًا أو أمنيًا. هذه الصيغة تبدو مناسبة على نحو مرعب لفهم السودان اليوم. فالحرب لم تنتج فقط ساحات قتال وخرائط سيطرة؛ لقد أنتجت شبكات احتكار للسلاح، والذهب، والتهريب، والجبايات، والإغاثة، والتمثيل السياسي، وحتى الحديث باسم الوطن. كل شبكة تريد من الدولة ما يكفي من الشرعية والمال والغطاء، لكنها لا تريدها قوية بما يكفي لكي تُنهي دورها أو تُخضعها لقانون عام.
ما يحكم السودان اليوم ليس مجرد فائض سلاح أو انفلات ميداني، وإنما هندسة متقنة للضعف العام، تُبقي الدولة هشة بما يكفي للاختراق، وتُبقي الكارتيلات قوية بما يكفي لتقاسم النفوذ والغنيمة.
ولهذا، فإن قراءة الحرب السودانية بوصفها مواجهة عسكرية مباشرة بين جيشٍ ومليشيا تظل قراءة ناقصة. الوقائع نفسها تشير إلى سيولة أعمق في بنية الولاء. قبل أيام، نقلت مصادر متعددة انشقاق القائد البارز في قوات الدعم السريع النور أحمد آدم، المعروف بالنور قُبّة، وانضمامه إلى الجيش مصحوبًا بعدد كبير من المركبات القتالية، وسط روايات تربط الخطوة بخلافات داخلية ذات أبعاد قيادية وقبلية داخل بنية الدعم السريع. حتى لو اختلفت التقديرات حول الأثر الميداني المباشر لهذا الانشقاق، فإن دلالته السياسية أوضح من أثره العسكري: الولاء في هذا الفضاء المسلح ما يزال عرضة لإعادة التشكيل وفق شبكات القرابة والمصلحة والتموضع المحلي، أكثر مما هو تعبير عن بنية مؤسسية صلبة ذات عقيدة موحدة.
وفي الجهة المقابلة، يتداول المجال السوداني على نحو مستمر أخبارًا عن انتقال مجموعات أو ضباط أو وحدات من الجيش إلى صفوف الدعم السريع، أو عن تعاطف وحدات بعينها معه، أو عن تغيّر تموضعها مع المعدات والسلاح. كثير من هذه الأخبار يبقى داخل ضباب الحرب، وبعضه يصعب تثبيته على نحو قاطع في اللحظة نفسها.
لكن القيمة التفسيرية هنا لا تقف فقط عند كل واقعة منفردة، وإنما في كثافة الظاهرة نفسها: بلد تُروى فيه أخبار الانتقال بين المعسكرات على نحو متكرر، ويفهم فيه السلاح بوصفه قابلًا لإعادة التموضع، هو بلد لم تُحسم فيه بعد مسألة المؤسسة لصالح الدولة. إن التبدل في الولاءات، سواء ثبت في حالات بعينها أو بقي بعضه في نطاق التداول، يكشف أن السودان ما يزال محكومًا ببنية مسلحة سائلة، لا بجيوش حديثة مغلقة على عقيدة وطنية مكتملة. وهذا تحديدًا أحد أعراض حكم الكارتيلات: الشبكة أهم من المؤسسة، والمصلحة أهم من التسلسل، والقابلية للانتقال جزء من اللعبة لا شذوذًا عنها.
من هنا ندخل إلى الطبقة الأعمق: اقتصاد الحرب.
الحرب لا تستمر لأن طرفين يرفضان التسوية فحسب. استمرارها صار مرتبطًا بشبكات مصالح كاملة راكمت سلطة وثروة ونفوذًا من بقاء البلد في حالته المعلقة. فالسلاح يخلق سوقه، والحصار يخلق وسطاءه، والنزوح يخلق أرباحه، والانهيار المالي يفتح أبواب المضاربة والتهريب، وتعدد الجيوش يخلق مجالًا واسعًا لعقود الولاء المؤقتة. وحتى السلطة القائمة في بورتسودان، وهي تتحدث باسم الدولة، تبدو في جزء من ممارستها كأنها تؤجل قيام الدولة مرة أخرى، عبر توسيع الاعتماد على الحركات المسلحة المتحالفة معها في دارفور وكردفان وسواهما، بدل التعجيل بدمجها واستيعابها داخل جيش وطني واحد. تقارير ميدانية وتحليلات متواترة واصلت الإشارة إلى الدور القتالي للحركات الدارفورية المتحالفة مع الجيش ضمن ما يُعرف بالقوات المشتركة، في وقت ما تزال فيه الترتيبات الأمنية التي وُعد بها السودانيون تتعثر أو تُستبدل بضرورات الحرب الجارية.
المشكلة هنا لا تقف عند الاستعانة العسكرية الظرفية.
المشكلة أن دفع المال والسلاح والامتيازات لقوى مسلحة كي تقاتل، مع الإبقاء على وضعها شبه المستقل أو على خصوصيتها التفاوضية، يعني عمليًا إعادة إنتاج سوق عسكرية لا مؤسسة وطنية. قد تمنح هذه الصيغة مكاسب تكتيكية في جبهة ما، لكنها على المستوى البنيوي تؤسس لمنطق أكثر خطورة: الاستئجار السياسي للعنف. في هذه اللحظة، لا يعود السلاح وظيفة عامة تحتكرها الدولة، وإنما خدمة تفاوضية يمكن شراؤها وتوجيهها وإعادة تدويرها. هكذا تتكاثر القوى بدل أن تذوب في جيش، وتُدار البلاد بشبكات حمل السلاح بدل إخضاع هذه الشبكات لدستور وقانون وسلسلة قيادة موحدة. وهذا هو الجوهر الفعلي للكارتيل: ليس فقط جمع المال بالقوة، وإنما بناء نظام نفوذ يحتاج دائمًا إلى شركاء مسلحين، وإلى مركزٍ ضعيف بما يكفي للحاجة إليهم، وقوي بما يكفي لمنحهم الشرعية والتمويل.
وهنا نصل إلى المفهوم الآخر الذي لا يكتمل المقال من دونه: مأسسة الهمجية. فالمشكلة في السودان لم تعد مقتصرة على وجود عنف منفلت أو فاعلين مسلحين خارج السيطرة، وإنما في انتقال هذا العنف نفسه إلى داخل آلية الحكم. حين يصبح التشظي أداة إدارة، وحين يُموَّل السلاح بدل أن يُحتكر، وحين تُستدعى الحركات للقتال بدل دمجها، وحين يُكافأ الولاء المسلح أكثر مما تُكافأ المؤسسة، فإن الهمجية لا تبقى خارج الدولة؛ إنها تدخل إليها، أو إلى ما تبقى منها، وتعيد تشكيلها من الداخل. عند هذه النقطة لا يعود الخراب أثرًا جانبيًا للحرب، وإنما يصبح وظيفة سياسية. وتلك هي مأسسة الهمجية: أن يتحول العنف من انفلات طارئ إلى صيغة تنظيم، وأن تتحول الوحشية من استثناء إلى أداة حكم، وأن يُعاد توزيع السلطة والثروة والشرعية عبر شبكات السلاح والخوف لا عبر القانون والمؤسسة العامة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبقى هندسة الضعف مفيدة لكثير من الفاعلين.
البلد لا يُدار رغم التشظي كما قد يبدو في الظاهر، وإنما يُدار بالتشظي نفسه؛ بتعدد الجيوش، وتوزع الولاءات، واستبقاء الهشاشة بوصفها مادة حكم لا عارضًا ينبغي تجاوزه.
الجيش المهني المكتمل يهدد قادة المليشيات. تفكيك الاقتصاد الموازي يهدد المستفيدين من التهريب والجبايات. الدمج الحقيقي يهدد من يعيشون على تفاوض السلاح. العدالة تهدد أمراء الحرب. والسلام الجاد، إذا حمل مشروعًا لبناء دولة عامة ومؤسسات محايدة، يهدد بنية كاملة من الامتيازات تراكمت خلال السنوات الثلاث الماضية. لهذا لا تبدو الحرب، في عمقها، مجرد فشل في الوصول إلى السلام؛ إنها أيضًا نجاحٌ مستمر لكارتيلات الحرب في تعطيل أي سلام يفضي إلى دولة.
وإذا كانت هذه البنية تحتاج إلى حجة راهنة تكشفها، فإنها تظهر حتى في طريقة التعامل مع العالم الخارجي. ففي 15 أبريل 2026 تستضيف برلين مؤتمرًا دوليًا حول السودان بمشاركة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، مع حضور أممي وإنساني ومدني، في محاولة لإبقاء السودان على الأجندة الدولية مع دخول الحرب عامها الرابع. ألمانيا وشركاؤها قدموا المؤتمر باعتباره منصة لدعم الجهد الإنساني والسياسي وإعادة تركيز الاهتمام العالمي على الحرب.
لكن الحكومة السودانية اعترضت رسميًا على المؤتمر بسبب عقده من دون مشاركتها، واعتبرت ذلك مساسًا بالسيادة ومقاربة وصائية تجاه السودان. كما برز رفض سياسي وإعلامي من دوائر متحالفة مع السلطة القائمة في بورتسودان. هذا الاعتراض له وجه قانوني وسيادي مفهوم من حيث الشكل. غير أن القراءة التفكيكية تذهب أبعد من ذلك. فالكارتيلات التي تنمو داخل الحرب لا تنظر بعين الارتياح إلى أي منصة دولية قد تعيد طرح أسئلة من نوع: من يملك قرار الحرب؟ أين تذهب الموارد؟ من يموّل من؟ من يستفيد من استمرار القتال؟ كيف يمكن رد الاعتبار للمدنيين وللمجال العام وللمساءلة؟ أي مسار يحرّك هذه الأسئلة، حتى لو كان محدود الأثر، يُعد تهديدًا محتملًا لبنية الاستفادة من الحرب. اعتراض بورتسودان على مؤتمر برلين موثق رسميًا. أما معارضة الكارتيلات المستفيدة من الحرب له، فهي تُقرأ في ضوء هذه المصلحة البنيوية: أي حراك يقترب من منطق الدولة والمساءلة يربك عالمًا يعيش أصلًا على تعطيلهما.
ولا يعني ذلك أن المؤتمرات الدولية بريئة أو كافية أو نزيهة تلقائيًا. كثير منها يتحول إلى إدارة لغوية للأزمة، أو إلى تدوير للنفوذ بين عواصم إقليمية ودولية. لكن حتى هذا القصور الدولي لا ينفي حقيقة أساسية: هناك فاعلون داخل السودان يربحون من بقاء الملف في يد شبكات الحرب أكثر مما يربحون من إدخاله في أي مسار يوسّع النقاش حول المدنيين، والتمويل، والحماية، والعدالة، واحتكار الدولة للعنف. هنا تتحول السيادة، في كثير من الأحيان، من مبدأ دستوري جامع إلى راية ترفعها شبكات مسلحة حين تريد تحصين مصالحها من أي مساءلة خارج منطق الميدان.
وفي الخلفية الإنسانية، تتضح فداحة المشهد كله. خطة الأمم المتحدة الإنسانية للسودان لعام 2026 تصف وضعًا هائل القسوة، مع عشرات الملايين من المحتاجين إلى المساعدة، واستمرار النزوح الواسع، وتدهور حاد في الأمن الغذائي والخدمات الأساسية. وفي الأيام الأخيرة، ترافقت الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب مع تقارير عن تصاعد حرب المسيّرات، بما في ذلك ضربة على حفل زفاف في شمال دارفور أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين، إلى جانب تحذيرات أممية من تخفيضات مؤلمة في المساعدات للاجئين السودانيين في تشاد بسبب فجوات التمويل. هذه الوقائع ليست خلفية إنسانية محايدة لحرب سياسية؛ إنها جزء من آلية الحكم نفسها. فكلما تمددت الحرب، اتسع المجال الذي تتحرك فيه الكارتيلات: في الجوع، وفي المساعدات، وفي النزوح، وفي الحماية، وفي تجارة الخوف.
بهذا المعنى، لا يبدو السودان اليوم محكومًا بمؤسسات متنافسة داخل دولة مستقرة، ولا حتى بطرفين واضحين يخوضان حربًا تنتهي بانتصار أحدهما. الأصح أننا أمام نظام تشظٍّ منظّم: جيوش متجاورة، حركات تُستأجر ولا تُدمج، اقتصاد رمادي يتغذى على الفوضى، ولاءات قابلة لإعادة البيع، ومركز سياسي لا يسارع إلى إنهاء هذا كله لأنه، في جانب مهم، يعيش عليه. هذه هي قيمة مفهوم “الكارتيلات” حين يُستخدم بدقة. إنه لا يشتم الواقع، بل يشرحه. يشرح لماذا يظل البلد قابلًا للحرب. يشرح لماذا يُترك الجيش غير مكتمل. يشرح لماذا تبقى الحركات خارج المؤسسة أو عند هامشها المسلح. يشرح لماذا تتراكم الثروة في الظل بينما ينهار المجال العام. ويشرح لماذا يبدو السلام الحقيقي، سلام الدولة والقانون والعدالة والدمج، خطرًا على فئات واسعة أكثر مما تبدو الحرب خطرًا عليها.
السلام الشامل، إذا اقترن بالعدالة واحتكار الدولة للسلاح، يهدد كارتيلات الحرب أكثر بكثير مما تهددها المعارك، لأن الحرب بالنسبة إليها ليست كارثة فقط، وإنما بنية مصالح كاملة.
لذلك فإن السؤال الحاسم مع دخول الحرب عامها الرابع لا يتعلق فقط بمن ربح هذه المدينة أو تلك، ولا بمن انشق اليوم أو غدًا، ولا بأي راية تقدمت ميدانيًا. السؤال الأعمق: من الذي يحتاج إلى بقاء السودان قابلًا للحرب؟
من الذي يحتاج إلى جيش لا يحتكر القوة؟
من الذي يحتاج إلى حركات لا تذوب في المؤسسة؟
من الذي يحتاج إلى اقتصاد موازٍ يلتهم الدولة من الداخل؟
من الذي يحتاج إلى سلامٍ ناقص، وعدالةٍ مؤجلة، ودولةٍ مؤجلة؟
الجواب المؤلم أن عددًا غير قليل من الفاعلين صاروا يعيشون، ماديًا وسياسيًا، على هذا التأجيل.
وهنا يبدأ العام الرابع للحرب على حقيقته: لا بوصفه امتدادًا زمنيًا لمأساة سابقة فقط، وإنما بوصفه مرحلة تتكشف فيها بنية كارتيلات الحرب بوضوح أكبر، ويتأكد فيها أن معركة السودان لم تعد مع قوتين مسلحتين وحدهما، بل مع نظام واسع من الشبكات والمصالح يرى في اكتمال الدولة تهديدًا وجوديًا له.
وحين يصل بلد إلى هذه الحافة، يصبح السؤال أكثر جذرية من سؤال الحرب والسلام.
يصبح السؤال: كيف يُنتزع السودان من أيدي الكارتيلات، قبل أن تتحول الهاوية نفسها إلى شكل الحكم النهائي؟