بين فقه التقية وتصدع المعسكر: ماذا يعني تصنيف “إخوان السودان” تنظيماً إرهابياً؟

بين فقه التقية وتصدع المعسكر: ماذا يعني تصنيف “إخوان السودان” تنظيماً إرهابياً؟

وضاح شرف الدين

لم يكن بيان وزارة الخارجية السودانية بشأن تصنيف ما يسمى بـ«إخوان السودان» تنظيماً إرهابياً حدثاً عادياً في سياق الحرب الدائرة، بل كان مؤشراً سياسياً عميق الدلالة على تحولات تجري داخل معسكر الإسلاميين نفسه. فالمسألة لا تتعلق فقط بقرار دولي، بل بارتدادات داخلية بدأت تظهر في خطاب رموز الحركة الإسلامية وأقلامها الإعلامية، ومن بينها مقال الصحفي الهندي عز الدين الذي حاول تصوير البيان باعتباره «هزيمة وخضوعاً» للولايات المتحدة.

لكن القراءة السياسية الهادئة تكشف أن ردود الفعل الغاضبة هذه ليست سوى انعكاس لحالة قلق حقيقي داخل المعسكر الإسلامي، الذي يواجه لأول مرة احتمال تحوله من فاعل سياسي إلى عبء قانوني وأمني على الدولة التي يدّعي الدفاع عنها.

 

القرار الدولي: من السياسة إلى القانون

حين يُصنَّف تنظيم ما إرهابياً، فإن الأمر لا يقف عند حدود البيانات السياسية. فالتصنيف يفتح باباً واسعاً من الإجراءات القانونية والمالية والدبلوماسية، تشمل تجميد الأصول، وملاحقة الشبكات المالية، ومنع السفر، وفرض قيود على كل من يتعامل مع التنظيم أو يدعمه.

وفي حالة الحركة الإسلامية السودانية، فإن هذا التحول يضرب جوهر البنية التي قامت عليها طوال عقود: شبكات المال، والجمعيات، والشركات، والمنابر الإعلامية، والعلاقات الخارجية.

فالتنظيم الذي ظل يعمل في المنطقة الرمادية بين الدولة والتنظيم، يواجه الآن احتمال أن يتحول إلى ملف أمني دولي، لا مجرد خلاف سياسي داخلي.

 

بيان الخارجية: لغة مزدوجة

اللافت في بيان الخارجية السودانية أنه جاء بلغة يمكن وصفها بأنها لغة توازنٍ أو تقيَّةٍ سياسية. فالبيان لم يدخل في مواجهة مباشرة مع القرار الدولي، لكنه في الوقت نفسه حاول إبقاء مساحة خطابية تتحدث عن «إدانة جميع أشكال الإرهاب» وتطالب بتصنيف قوات الدعم السريع أيضاً.

هذه الصيغة ليست صدفة، بل تعكس مأزق السلطة في بورتسودان: فهي من جهة لا تستطيع تحدي المجتمع الدولي في لحظة عزلة شديدة، ومن جهة أخرى لا تستطيع الاصطدام المباشر بالحركة الإسلامية التي تمسك بجزء مهم من البنية العسكرية والسياسية للنظام.

بعبارة أخرى: البيان كان محاولة للسير فوق حبل مشدود بين الخارج والداخل.

 

تصدع داخل المعسكر الإسلامي

الردود الغاضبة التي ظهرت في بعض المنابر الإعلامية المحسوبة على الإسلاميين تكشف عن بداية تصدع داخل المعسكر نفسه.

فهناك ثلاثة اتجاهات بدأت تتشكل:

  1. تيار صدامي

يرى أن على السلطة رفض القرار الدولي بالكامل واعتباره تدخلاً في السيادة.

  1. تيار براغماتي داخل الدولة

يدرك أن الاستمرار في حماية الحركة الإسلامية قد يعرّض السودان لعزلة وعقوبات أوسع.

  1. تيار انتهازي إعلامي

يحاول استثمار الخطاب الشعبوي ضد أمريكا وإسرائيل لتغطية المأزق السياسي الحقيقي.

وهنا يصبح الغضب الإعلامي مفهوماً: فالتصنيف لا يهدد التنظيم فقط، بل يهدد شبكة المصالح التي نشأت حوله خلال عقود.

 

أزمة “الأقلام الارتزاقية”

من أكثر ما يكشفه الجدل الحالي هو مأزق ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الدعاية السياسية».

فعدد كبير من الكتاب والمنابر الإعلامية ارتبط وجودهم المالي والمهني بوجود الحركة الإسلامية في السلطة أو في قلب المشهد السياسي. وحين يبدأ هذا الوجود في الاهتزاز، يصبح الخطاب أكثر حدة وعصبية.

لذلك نرى لغة تعبئة عاطفية تقوم على ثلاث ثيمات متكررة:

  • الحديث عن «السيادة الوطنية»
  • شيطنة الولايات المتحدة وإسرائيل
  • تصوير الحركة الإسلامية كقوة وطنية تقود «معركة الكرامة»

لكن هذه اللغة تخفي حقيقة أبسط: أن التنظيم الذي حكم السودان ثلاثين عاماً ترك وراءه دولة منهكة، واقتصاداً منهاراً، وحروباً أهلية انتهت بانفصال الجنوب ثم الحرب الحالية.

 

نهاية مرحلة

القرار الدولي لا يعني بالضرورة نهاية الحركة الإسلامية فوراً، لكنه يعني نهاية مرحلة تاريخية.

مرحلة كانت فيها الحركة قادرة على العمل في ثلاثة مستويات في الوقت نفسه:

  • كتنظيم أيديولوجي
  • كشبكة مصالح اقتصادية
  • كقوة داخل الدولة

أما الآن، فإن هذه المستويات بدأت تنفصل عن بعضها.

فالدولة تحاول التكيف مع الواقع الدولي،

والتنظيم يحاول الدفاع عن نفسه،

والشبكات الإعلامية تحاول الحفاظ على مصادر رزقها.

 

السودان بين الدولة والتنظيم

المشكلة الأعمق التي يكشفها الجدل الحالي هي السؤال القديم الذي لم يُحسم منذ استقلال السودان: هل الدولة ملك للمجتمع، أم أداة بيد تنظيم سياسي؟

الحركة الإسلامية طوال عقود تعاملت مع الدولة باعتبارها امتداداً للتنظيم.

لكن حين تبدأ الدولة نفسها في الابتعاد عنها تحت ضغط الواقع الدولي، يظهر التوتر بوضوح.

وهنا يصبح الغضب الإعلامي مفهوماً:

فهو ليس دفاعاً عن السيادة كما يُقال،

بل تعبير عن خوف من فقدان النفوذ.

 

ما بعد التصنيف

المستقبل القريب سيحدد إن كان هذا القرار مجرد محطة عابرة في سياق الحرب، أم بداية تفكك أوسع لمعسكر الإسلاميين. لكن المؤكد أن معادلة السلطة في السودان تتغير.

فالمرحلة القادمة لن تُحسم بالشعارات أو المقالات الغاضبة، بل بميزان أكثر قسوة:

ميزان القانون الدولي،

والاقتصاد،

ومدى قدرة أي قوة سياسية على الاندماج في دولة طبيعية لا تُدار بعقلية التنظيم.

وعند تلك النقطة تحديداً، سيتضح إن كان معسكر «الكيزان» قادراً على التحول إلى فاعل سياسي طبيعي..

أم أنه سيدخل، كما دخلت قبله حركات أيديولوجية كثيرة في التاريخ:

مرحلة الانكماش والانقسام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *