إبراهيم حمودة
ناقد وصحفي
يطالع المرء بكثير من الطرب الخطط المطروحة من قبل الأكاديميين وعلماء الاقتصاد والسياسية فيما يتعلق بمستقبل السودان كبلد ومستقبل الحكم فيه وكيفية تنظيم وقيادة عملية التغيير والتحول نحو الديمقراطية.
هي خطط كبيرة تحتاج لكثير من الوقفات لفهمها وفهم كيفية عمل المؤسسات المناط بها إدارة مثل هذه العملية الكبيرة في بلد فقد تقريباً كل تقاليد إدارة الصراع السلمي في فضاء معافى ومفتوح. بل وفقد النسيج البشري الحامل للوعي الجمعي بضرورة المشاركة الاجتماعية والسياسية من أجل المضيِّ قدُماً لمستقبل أفضل نستحقه.
دعونا نعمل “زووم إن” ونأخذ عينة لمتوسط مواطن سوداني تخصه هذه التغييرات ومنوط به المشاركة فيها، باعتبار أن المشاركة حق أصيل وعامل حاسم من عوامل تثبيت التجربة ونجاحها. ولننظر من خلال تقريب هذا النموذج من منظار “الطاقة” باعتبارها العامل الحاسم في تحقيق التنمية الزراعية والصناعية والعمرانية. والتي أوضحها البروفيسور المتقاعد Vaclav Smil، الأستاذ بجامعة منيتوبا بكندا، في كتابه القيم “How The World Really Works” سياحة في ماضي البشرية وحاضرها والمستقبل.
نعود لنموذج متوسط سوداني فقير في سهول السافنا الفقيرة بكردفان، حيث لا يكاد يجد المرء جرعة ماء في الصيف، أو في شرق السودان حيث يعيش أحدهم جل يومه على القهوة دون طعام يذكر. يقول العلم إن رجلا يزن 70 كيلو جراماً يستهلك من الطاقة وهو نائم طوال الوقت دون أي حركة، ما يساوي 7 ميغا يول، أو ما يساوي 1650 كيلو كالوري من السعرات الحرارية، فقط كي يقوم الجسم بالحفاظ على الوظائف الحيوية عاملة.
بناءً على هذا المثال يمكن تخيل الطاقة التي يستهلكها الشخص وهو في حالة حركة، وإذا شارك في الإنتاج بشكل عضلي.
يقول التاريخ فيما يتعلق بتطور الزراعة من الحراثة بقوة الإنسان العضلية، حيث كانت الأسرة بكاملها تشارك في هذه العملية من أجل توفير الطعام لهم ولحيواناتهم، إن 40% من الإنتاج من الحبوب الغذائية بأنواعها كانت تذهب لغذاء الإنسان والحيوان أثناء عملية الحراثة والحصاد، ما يتبقى يمكن تقسيمه بين البيع في السوق والاحتفاظ بمؤنة تكفي لبقية العام قبل أن يحل موسم الحصاد التالي.
بدخول الآلة مجال الإنتاج الزراعة تغيرت المعادلة، ولكن سؤال الطاقة ظل مُلحّاً وحاضراً. قبل أيام وجّه مزارعو حلفا الجديدة نداء استغاثة بسبب غلاء أسعار الوقود والمدخلات الأخرى التي تجعل من العملية الإنتاجية خاسرة حتى قبل أن تبدأ.
تقول الحسابات التي أجريت بشكل مفصل حول تكلفة الطعام، وتحديداً رغيف الخبز أو الدقيق بأن نصف كيلو من الدقيق يكلف منذ لحظة زراعته ورعايته إلى درسه وطحنه من أجل إعداد الخبز حولي 80 ملي ليتر من الديزل أو الجازولين.
لا أعرف الكثير في الاقتصاد ولا أجيد الحساب، ولكن التقديرات العامة تقول أن توفير الخبز بأسعار الطاقة الجارية المتحولة عندنا يكلف الكثير من المال بسبب أسعار الطاقة والمدخلات الأخرى مثل السماد والمبيدات المقاومة للطفيليات الزراعية.
وتجئ الحرب الحالية في منطقة مضيق هرمز لتعيد للأذهان حرب 1973 حين تم استخدام النفط للمرة الأولى كسلاح، وتضاعف سعر البرميل لأكثر من عشرة أضعاف. النتيجة كانت عجز كل الدول الأفريقية التي كانت خارجة لتوها من الحقبة الاستعمارية وبدأت في عمليات التنمية، عن دفع أثمان الطاقة، الأمر الذي أدى لإجهاض عمليات التنمية الوليدة وتوقفها أو تعثُّرها لعقود طويلة في هذه الدول.
يحتاج السودان بالتأكيد لمؤسسات تؤدي عملها، وإلى سلطات على مختلف المستويات تجد الاعتراف والقبول ضمن عقد اجتماعي تقوم فيه الدولة بمسئوليتها تجاه حماية المواطنين وصيانة كرامتهم وتوفير مقومات العيش الكريم.
مقارنة ببلدان أخرى يعتبر حتى قطاع الزراعة الآلية لدينا قليل الإنتاجية إذا نظرنا للساعات المنفقة في عملية الإنتاج. وهو أمر حاسم في تحديد مستوى الدخل بالنسبة للأفراد المشاركين في الإنتاج، وفي مداخيل قطاع الزراعة على المستوى القومي. إنتاج كيلو من القمح في البلدان المتقدمة يحتاج إلى دقيقة ونصف من العمل البشري في حساب المحصلة النهائية، وهي أرقام نحن بعيدون عنها كل البعد.
الأمر لا يتعلق هنا بالسرعة أو ارتفاع الإنتاجية حصراً، بقدر ما يتعلق بالقوى البشرية التي تظل عاملة بنشاط الزراعة. في هولندا أكثر الدول الزراعية المتقدمة في أوروبا الغربية لا يساوي عدد المزارعين أكثر من 4% من عدد السكان. أين تذهب البقية؟ هم يتفرغون للعمل في وظائف أخرى في القطاع التقني والصناعي وقطاع الخدمات الممعن في التضخم، حتى زعم البعض أن اقتصاد الخدمات سيهزم الأنشطة الصناعية التي أصبح لا داعي لها، وصار بالفعل تتم إعادة توطينها في بلدان أخرى ذات أيدٍ عاملة رخيصة في آسيا وأفريقيا.
يصير للمجتمعات قوتها وللشرائح الاجتماعية وزنها وتأثيرها السياسي بقدر تحسن وضعها الاقتصادي. الفرد الذي لا يحصل على الطاقة اللازمة لمعيشته هو ذاتٌ هشة يمكن شراء ولائها السياسي مثل عملية شراء الأصوات بأكياس الأرز والسكر في بلدان أخرى في جوارنا.
ولإعادة بناء مجتمعات متماسكة وتعطي للممارسة السياسية معناها الحقيقي يجب في رأيي الانشغال بالأسئلة الأولية المتعلقة بالطاقة وبأعمدة الحضارة البشرية: الحديد، البلاستيك، الإسمنت. وكلها صناعات ذات استهلاك عظيم للطاقة السودان لا يملكها للأسف. إضافة بالطبع للأسمدة المصنعة. إذ لا يمكننا استخدام التربة إلى ما لا نهاية والمحافظة على الإنتاجية وزيادتها دون سماد.
في عالم اليوم يحسب التطور وإمكاناته في بلد ما بمتوسط مقدار الطاقة المتاحة للفرد الواحد، وهي محصلة إنتاج طعامه وشرابه وحركته وتنقله وهواياته ورفاهية سكنه من استخدام للتدفئة والبريد. بمثل هذه الحسابات لا يأتي السودان في مؤخرة القائمة فحسب، بل أشك في أنه يوجد ضمن هذه القائمة أصلاً.