أمي مدرسة الحب والحياة

مارس… عيد الأم

أمي مدرسة الحب والحياة

شيماء بت فتحية بت فاطمة، المحامية

 

في زحمة الحياة وضجيج الأيام تبقى الأم تلك النسمة الدافئة التي تهب علينا بالحنان، وذلك النبع الذي لا ينضب من العطاء والتضحية. إنها القبلة الأولى التي تخطو بنا نحو الحياة، واليد الحنون التي تمتد لتمسح دموعنا في لحظات الضعف، والصدر الدافئ الذي يحتوينا حين تضيق بنا الدنيا. إن الحديث عن عظمة الأمهات هو حديث عن أسمى معاني الوجود الإنساني، فهنّ من يصنعن الأجيال، ويربين الرجال، وهنّ عماد المجتمع وسر نهضته.

الأم ليست مجرد إنسان يلد ويربي، بل هي مدرسة متكاملة يُمكن للمرء أن يتعلم فيها كل شيء؛ فيها نتعلم أول كلماتنا، وبها نخطو أولى خطواتنا، ومن حنانها نستمد قوتنا، ومن تضحياتها نستلهم معنى العطاء بلا حدود. كم من أم سهرت الليالي لترعى طفلها المريض، وكم من أم حرمت نفسها لتعطي أبناءها، وكم من أم وقفت كالجدار الصلب أمام صعوبات الحياة لتحمي فلذات أكبادها. إنها تلك البطلة الهادئة التي لا تبحث عن الأضواء، بل تعمل في صمت لتبني مستقبلاً مشرقاً لأبنائها.

الأم هي الوطن الصغير الذي يحمله كل منا في داخله أينما حل وارتحل. حبها هو الملاذ الآمن الذي نلوذ به كلما اشتدت بنا الخطوب، ودعاؤها هو النور الذي يضيء لنا الطرق المظلمة. في عينيها نرى الدنيا جميلة، وفي حضنها نشعر بالأمان، وفي قلبها نجد مساحة لا تضيق بنا مهما أخطأنا أو تعثرنا. إنها تلك النعمة العظيمة التي لا يشعر بقيمتها إلا من حُرم منها، أو من ابتعد عنها وعاش يتجرع مرارة البعد والشوق.

أمهاتنا الغاليات اللواتي احتضنَّ جراح الوطن في صدورهن، وسهرن على حلم العودة رغم القهر والمنافي، لكُنَّ منا كل التقدير والاعتزاز.

في يوم الأم ننحني إجلالاً لصبركنَّ اللامتناهي، وأياديكُنَّ التي تزرع الحياة وسط الركام، وقلوبكنَّ التي تسع العالم رغم ما ألمَّ بها من فقد وخوف. سلاماً لكنَّ أينما كنتنَّ.. في الخيام أو المخيمات، أو على دروب النزوح، سلاماً لبلادنا التي تلد من رحم معاناتكنَّ كل يوم أملًا.

أمي، فتحية النور سعيد..

وإذا كان الكلام عن الأمهات عموماً يملأ الدنيا شعراً ونثراً فإن الحديث عن أمي فتحية النور سعيد له نكهة خاصة ومذاق مختلف. إنها تلك المرأة العظيمة التي جمعت في شخصها كل معاني الكرم والحنان والعطاء. أمي هي من غرست فيّ معنى الحياة الحقيقية، ليس فقط بأنها أنجبتني إلى هذه الدنيا، بل بأنها علمتني كيف أعيشها بكرامة وإنسانية.

أمي، يا من علمتني حب الوطن قبل أن أعرف معنى الحدود، وغرستِ في أعماقي الانتماء لهذه الأرض الطيبة، كنتِ دائماً تقولين لنا الوطن مثل الأم لا يعوض ولا يُستبدل، وعلمتني حب الأهل وصلة الرحم. أمي، كنت أرى كيف تمدين يد العون للجميع دون تردد، وكيف تجمعين شمل العائلة في المناسبات والأفراح، وكيف تزرعين المحبة بين الجميع.

علمتني أيضاً كيف أحب الناس وأتعامل معهم بأخلاق عالية. كنتِ تقولين لي دائماً الناس معادن خيرهم من أحسن معاملتهم، وكنت أرى في تعاملك مع الجيران والأصدقاء وحتى الغرباء أرقى صور الإنسانية. ابتسامتك لا تفارق وجهك، وكلامك العذب يترك أثراً طيباً في نفوس كل من يسمعك.

أما عن حب النجاح والعمل فأنتِ المدرسة الأولى في ذلك يا أمي، علمتني أن النجاح لا يأتي من فراغ، بل هو ثمرة تعب وجد واجتهاد. كنتِ دائماً تشجعينني على المثابرة وعدم الاستسلام، وأنت من تذكرين لي كثيراً أنه “من طلب العلا سهر الليالي”. كنتِ تقفين إلى جانبي في كل خطواتي، وتفاخرين بي حين أنجح.

أمي، أنت من علمتني كيف أكون أنا في عالم يحاول فيه الجميع أن يفرضوا علينا شخصياتهم وأفكارهم. كنتِ أنتِ من يهمس في أذني “كوني نفسك ولا تكوني نسخة من أحد”، وأن لا أجعل المجتمع يغيِّر من مبادئي. كنتِ تزرعين فيّ الثقة بقدراتي وإمكانياتي، وتشجعينني على التعبير عن رأيي وأفكاري. بفضل الله ثم بكِ أنا اليوم من أنا، بشخصيتي المستقلة وطموحي الكبير وحبي للحياة والناس.

لا يمكن أن أنسى دورك العظيم إلى جانب أبي. كنتما معاً كالجسد الواحد تتعاونان لتمهيد الطريق أمامي وأمام إخوتي وأخواتي. كنتِ نعم السند والعون له؛ تشاركينه الأفراح والأتراح، وتقفين إلى جانبه في شدائد الحياة، معاً صنعتما منزلنا الدافئ، ومعاً مهدتما لنا الطريق منيراً لنمشي عليه بخطى ثابتة واثقة، وهذا ما جعل مني شخصية متزنة.

أمي، كم من صباح استيقظتِ مبكراً لتحضِري لنا الطعام قبل ذهابنا إلى المدارس والجامعات، وكم من مساء انتظرتِ عودتنا بفارغ الصبر لتطمئني علينا. أنتِ يا من كنتِ ولا تزالين القلب النابض لهذه العائلة، والنور الذي يضيء دروبنا لكلٍّ منا.

 

كل الحب والامتنان…

كلمات الشكر والعرفان تعجز عن التعبير عن مدى حبي وامتناني لكِ يا أمي، كل الحب الذي في الكون لا يفي ولو جزءاً يسيراً من جميلك علينا، أنتِ تستحقين منا كل الوفاء والإخلاص والتضحية كما ضحيتِ من أجلنا سنين طويلة.

في عيد الأم هذا أقول لك: أنتِ أعظم هدية من الله لي ولإخوتي، أنتِ نبع الحنان الذي لا ينضب، ومصدر القوة الذي لا يضعف، أنتِ البسمة التي تشرق في وجوهنا كل صباح، والدعوة الصادقة التي ترافقنا في كل خطواتنا.

 

الله يخليك لينا…

أسأل الله العلي القدير أن يمد في عمرك، وأن يلبسك ثوب الصحة والعافية، وأن يبقيك لنا ذخراً وسنداً. اللهم احفظ لي أمي واجعلها من السعيدات في الدنيا والآخرة، اللهم ارزقنا برها ورضاها، واجعلنا قرة عين لها في الدنيا والآخرة.

كل عام وأنتِ بخير يا أغلى الناس، كل عام وأنتِ نور بيتنا وسعادتنا، كل عام وأنتِ أمي الحبيبة فتحية النور سعيد”، تلك المرأة العظيمة التي تستحق منا كل الحب والاحترام والتقدير، دمتِ لنا تاجاً على الرؤوس ونبع حنان لا ينضب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *