الحرب ضد المواطن: كيف تحوّلت إلى قمع للثوار؟

الحرب ضد المواطن: كيف تحوّلت إلى قمع للثوار؟

شيماء تاج السر، المحامية

 

منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، تحوّل ساحات القتال من معارك بين جيشين إلى حرب شاملة ضد المواطن المدني الأعزل. لم تعد الخطوط الأمامية تقتصر على الثكنات العسكرية أو المناطق الإستراتيجية، بل امتدت إلى البيوت والأسواق والمستشفيات. ولكن هناك معركة موازية، أقل ضجيجاً لكنها أخطر على المدى البعيد، تُشنّ خلف الواجهة القانونية: حرب النظام ضد ذكرى ثورة ديسمبر وآمالها، باستخدام أدوات القضاء والقانون لتجريم الناشطين وتحويلهم من ضحايا إلى متّهمين.

 

جروح مفتوحة وانتهاكات منهجية

لقد شاهد العالم، عبر شاشات الهواتف والنشرات الإخبارية المحدودة، مآسيَ إنسانية تكاد تفوق الخيال. قتل خارج إطار القانون، اغتصابات جماعية تستهدف النساء والأطفال كتكتيك حربي، إصابات بالآلاف، اعتقالات تعسفية، اختفاءً قسرياً، سرقةً ونهباً ممنهجاً للمنازل والمتاجر، حصارَ مدن كاملة وقطعَ الغذاء والدواء عنها، وتهجيراً قسرياً لملايين السودانيين داخل وخارج البلاد. كلا طرفي النزاع؛ الدعم السريع والجيش، يمارس هذه الانتهاكات وفق ما تتيحه أسلحته ومناطق سيطرته، في مشهد يختزل مأساة إنسانية كبرى.

وفي خضم هذا الدمار، يصرخ الضحايا ويطالبون بالعدالة. الجميع يتحدث، بحق، عن هذه الانتهاكات، ولن يسكت الضمير العالمي والمحلي حتى تتوقف الحرب ويمثل الجناة أمام القضاء. ولكن هناك صوت آخر يحاول أن يعلو فوق صوت المعاناة، ليس صوت منقذ، بل صوت اتهام.

 

وحدة مكافحة الإرهاب: سيف القانون ضد ضحايا الحرب

نسلط في هذا المقال الضوء على الحملة المنظمة التي تشنها كتائب ظل النظام البائد، بمختلف مسمياتها مثل “وحدة مكافحة الإرهاب” و”الخلية الأمنية” وغيرها من المسميات، وهي أجهزة أمنية تابعة للنظام – تعمل بكل قوتها ضد ناشطي وثوار ثورة ديسمبر المجيدة. في الوقت الذي يفترض أن تكرس فيه جميع مؤسسات الدولة جهودها لإنقاذ المواطنين وإطفاء نار الحرب، نجد هذه الوحدة تعتقل الناشطين وتلفق لهم تهمًا جسيمة تُختزل تحت مادتين في القانون الجنائي: المادة 50 الخاصة “بتقويض النظام الدستوري”، والمادة 51 الخاصة “بإثارة الحرب ضد الدولة”.

ولفهم خطورة ما يحدث، يجب أولاً قراءة نصوص هاتين المادتين:

المادة 50 – تقويض النظام الدستوري: “من يرتكب أي فعل بقصد تقويض النظام الدستوري للبلاد، أو بقصد تعريض استقلالها أو وحدتها للخطر، يعاقب بالإعدام أو السجن لمدة أقل مع جواز مصادرة جميع أمواله.”

المادة 51 – إثارة الحرب ضد الدولة: “يعد مرتكب جريمة إثارة الحرب ضد الدولة ويعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة أقل مع جواز مصادرة جميع أمواله من: أ/ يثير الحرب ضد الدولة عسكرياً بجمع الأفراد أو تدريبهم، أو جمع السلاح أو العتاد، أو يشرع في ذلك، أو يحرض الجاني على ذلك أو يؤيده بأي وجه. أو: ب/ يعمل بالخدمة العسكرية أو المدنية لأي دولة في حالة حرب مع السودان، أو يباشر معها أو مع وكلائها أي أعمال تجارية أو معاملات أخرى. أو: ج/ يقوم في داخل السودان دون إذن من الدولة بجمع الجند وتجهيزهم لغزو دولة أجنبية، أو يقوم بعمل عدائي ضد دولة أجنبية يكون من شأنه أن يعرض البلاد لخطر الحرب. أو: د/ يخرب أو يتلف أو يعطل أي أسلحة أو مؤن أو مهمات أو سفن أو طائرات أو وسائل نقل أو اتصالات أو مبانٍ عامة أو أدوات للمرافق العامة كالكهرباء أو الماء أو غيرها بقصد الإضرار بمركز البلاد الحربي.”

 

فجوة ساحقة بين التهمة والواقع

أي قارئ لهاتين المادتين سيدرك فوراً ثقل العقوبة: الإعدام، السجن المؤبد، مصادرة الأموال. هذه عقوبات موجهة ضد أخطر أنواع الجرائم على أمن الدولة وسيادتها. لا بد أن المتهم بها هو شخص ذو نفوذ هائل، وقدرات لوجستية وعسكرية، يستطيع حشد الأفراد والسلاح أو تعطيل مرافق حيوية للدولة. صورة المجرم هنا هي صورة زعيم مليشيا، أو عميل لدولة معادية، أو مخطط لانقلاب عسكري.

ثم يأتي السؤال المحير، بل المهين للعقل والمنطق: كيف توجَّه هذه التهم نفسها لمواطن سوداني عادي؟ كيف توجَّه لناشط سلمي كان يحلم بالتغيير السلمي؟ كيف توجه لشاب أو فتاة نزحا من بيتهما بسبب القذائف، وهربا من منطقة لأخرى باحثين عن لقمة عيش أو دواء لمريض، يعيشان على المساعدات الإنسانية الهزيلة، ويختبئان من رصاص الطرفين؟.

من أين لهذا المواطن “المكتوي بنار الحرب”، المنهك جسدياً ونفسياً، بالقدرة المادية أو النفوذية على “تقويض النظام الدستوري” الذي انهار أساساً تحت عجلات التاتشرات وقذائف المسيرات؟ كيف له وهو يفرّ بدفتر ملاحظاته وهاتفه المحمول – إن بقي مشحوناً – أن “يُثير الحرب” بينما هو ضحيتها الأولى؟

الجواب بسيط ومؤلم في الوقت ذاته: هذه ليست تهمًا قانونية بقدر ما هي أدوات ترهيب. الهدف ليس محاكمة ناشط على جريمة ارتكبها، بل إسكات صوت وأفكار تمثل خطراً أكبر من أي سلاح: خطر الذكرى، خطر المطالبة بالحرية والعدالة، خطر الإصرار على أن شهداء ديسمبر لم يموتوا سدى.

 

تهديد الذاكرة وتجريم الأمل

ما يحدث هو عملية منهجية لتجريم الثورة والثوار. إنه إعلان واضح أن النظام، بكل أذرعه المتصارعة أحياناً والمتكاتفة أحياناً أخرى ضد الشعب، لا يزال يرى في مطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية تهديداً وجودياً. الحرب العسكرية على الأرض تهدف إلى ترسيخ وقائع جديدة بالقوة، بينما “الحرب القانونية” تهدف إلى محو الذاكرة الجماعية وإعادة كتابة التاريخ، حيث يصبح المطالب بحقوقه إرهابياً، والمتحدث باسم شعبه خائناً.

إن تلفيق هذه التهم الخطيرة لمواطنين عزل هو ضربة قاضية لمصداقية المؤسسات القضائية والأمنية. فبدلاً من أن تكون هذه المؤسسات ملاذاً للمواطن وحامية له من بطش الحرب، نراها تتحول إلى سيف مسلط على رقاب من تبقى لديهم الشجاعة للكلام. لقد تخلت عن واجبها الأساسي في حفظ الأمن وحماية المواطن والوطن، واتجهت بقسوة نحو تشريع القمع.

 

التاريخ لا ينسى

لكن هناك حقيقة راسخة، تعرفها كل الأنظمة القمعية وتخشاها: التاريخ لا ينسى. لا ينسى شهداء ديسمبر الذين خرجوا يطلبون حياة كريمة. لا ينسى بطش النظام السابق، ولا ينسى استمرار آلة القمع اليوم بأسماء ومسميات جديدة، ولن ينسى أسماء الناشطين الذين وُجِّهت لهم هذه التهم الباطلة، وسيسجلها كشهادات على شجاعتهم وكرامتهم.

الحرب على الأرض ستتوقف يوماً ما، وسيندمل الجرح النازف. لكن الحرب على العقول والذاكرة هي معركة أطول وأعمق. التحدي الحقيقي ليس فقط إيقاف القتال، بل هو بناء سودان جديد لا تُستخدم فيه مواد القانون كأسلحة لإسكات الأحرار، بل كدرع لحماية الحقوق وكرامة كل مواطن. سودان يليق بدماء شهداء ديسمبر وأحلامهم، حيث يكون القانون عادلاً والحياة آمنة، ويصبح “المواطن” هو الغاية وليس أبداً وسيلة أو هدفاً في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.

إن صمود السودانيين اليوم في وجه الحرب والتهجير، وصمود ناشطيهم في وجه تهم الإعدام الباطلة، هو استمرار حي لروح ثورة ديسمبر. وهي الروح التي تؤكد، رغم كل الدماء والدموع، أن مستقبل السودان سيكتبه أبناؤه الأحرار، وليس أولئك الذين يحملون سيوف القمع والقانون معاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *