عودة لجنة التمكين بين الضرورة السياسية والتحفظات المشروعة
د.محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
في خضم اللحظة الحرجة التي تمر بها البلاد، ثار جدل واسع حول استئناف عمل لجنة تفكيك التمكين. وانقسمت الأصوات بين مؤيد يرى فيها أداة من أدوات الثورة التي لا غنى عنها، ومعترض يتحفظ على قانونيتها وتوقيت عودتها. تبدو الحاجة ملحّة لإعادة قراءة المسألة بعيداً عن الاستقطاب الحاد.
ابتداءً، لا خلاف جوهرياً على مبدأ تفكيك التمكين ذاته، فهو أحد المرتكزات الأساسية التي قامت عليها الثورة، بوصفه مساراً يستهدف تفكيك بنية النظام السابق واسترداد الأموال العامة وإنهاء التشوهات التي أصابت مؤسسات الدولة.
لذا من المهم جداً، الاتفاق حول أن أي نقاش جاد يجب أن ينطلق من هذا الاتفاق، لا أن يعيد فتحه.
غير أن الاعتراضات المطروحة من بعض قوى الثورة تظل محل اعتبار، ولا ينبغي التقليل من شأنها متى ما كانت جادة وواعية ولا تحمل نفس وروح (الاستخفاف أو التريقة)، فمسائل الشرعية القانونية، وضمانات عدم التسييس، وضرورة الشفافية، كلها قضايا حقيقية تستحق المعالجة، وهذا لن يتم في هذا الظرف الاستثنائي. كما أن التخوف من توظيف اللجنة في سياق صراع سياسي قائم هو تخوف مشروع، خاصة في ظل التجارب السابقة التي شابها قدر من الجدل. وفي رأيي أن المردود السياسي لهذا الإعلان يفوق بكثير الآثار القانونية المتوقعة.
لكن، مع التسليم بكل ذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تسمح اللحظة الراهنة بتأجيل هذه الأداة، أم أنها تفرض إعادة توظيفها بشكل واعٍ يعظم من المردود السياسي الذي أشرت إليه آنفاً؟.
المعروف والمفهوم، بالضرورة، أن التحديات الحالية لا تقتصر على الصراع العسكري أو السياسي فحسب، بل تمتد إلى بنية الدولة نفسها، التي ما زالت تحمل آثار التمكين.
وفي هذا السياق، فإن استئناف عمل لجنة التفكيك يمكن أن يؤدي دوراً سياسياً مهماً، ليس فقط في تفكيك الشبكات القديمة، بل أيضاً في ممارسة ضغط متوازن على أطراف النزاع، التي كانت في وقت من الأوقات جزءًا من منظومة واحدة (الاثنين كانوا واحد).
أضف إلى ذلك البعد الحيوي المرتبط باسترداد الأموال، خاصة تلك الموجودة خارج البلاد، فهذا المسار لا يمثل فقط مورداً اقتصادياً محتملاً في ظل الأزمة الخانقة، بل يحمل كذلك قيمة رمزية عالية، تعيد الاعتبار لمطلب العدالة والمساءلة، وتبعث برسالة واضحة بأن الإفلات من العقاب لم يعد خياراً ولن يكون مخرجاً.
من هنا، فإن المطلوب ليس رفض عودة اللجنة أو قبولها على إطلاقه، بل الدفع نحو إعادة تفعيلها ضمن إطار أكثر انضباطاً، يراعي التحفظات المشروعة دون أن يعطل الضرورات السياسية في إطار يضمن الشفافية، ويحد من التسييس، ويعزز من قانونية الإجراءات، بما يحفظ النتائج من الطعن ويصون مصداقية المسار.
إن تأجيل أدوات التفكيك إلى حين “اكتمال الظروف المثالية” قد يعني عملياً تعطيل أحد أهم مسارات التغيير، خاصة في واقع لا يعرف الاستقرار الكامل.
لذلك، فإن الطرح الأكثر واقعية هو المضي في هذا المسار، مع فتح الباب لمعالجة أوجه القصور كلما سنحت الفرصة.
في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يتحول الاختلاف حول الوسائل إلى تعطيل للأهداف، فالثورة التي أنجزت التغيير قادرة على تطوير أدواتها، لا التخلي عنها.
ولجنة تفكيك التمكين، رغم كل ما يحيط بها من جدل، تظل واحدة من هذه الأدوات التي يمكن—إن أُحسن توظيفها—أن تسهم في إعادة توجيه المشهد نحو أهدافه الأصلية.