السودان و اليمن… الانزلاق المريع إلى فخ “اليمننة”
بقلم/ نجلاء نورين
تتشكل في الأفق السوداني اليوم ملامح مروعة تعيد إنتاج المأساة اليمنية بوجوهٍ سودانية ولاعبين إقليميين متكررين؛ حيث لم تعد الحرب الدائرة مجرد صدام عسكري عابر بين طموحات جنرالين يتنازعان السيادة على الركام، بل تحولت إلى عملية تفكيك ممنهج لعُرى الدولة ومؤسساتها العريقة، فيما بات يُعرف بظاهرة “اليمننة” التي تلتهم الأخضر واليابس وتذر الرماد في عيون الحالمين بالاستقرار.
إن التشابه بين المشهدين اليمني والسوداني يتجاوز حدود الصدفة التاريخية العارضة، ليبدأ من تفتُّت مراكز القوى وتعدد السلطات التي تفرض سطوتها بقوة السلاح فوق جغرافيا ممزقة، وينتهي بتحويل الأوطان إلى ساحات تجارب مفتوحة للأسلحة والأجندات العابرة للحدود، في مشهد جنائزي يشي بضياع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة لصالح كيانات هجينة تقتات على الفوضى والاستقطاب وتستمد بقاءها من دماء الأبرياء.
وكما انقسمت الأرض اليمنية بين سلطة أمر واقع في الشمال، وحكومة شرعية ومجلس انتقالي في الجنوب والشرق، يغرق السودان اليوم في ثنائية عسكرية دموية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. وهو انقسام تجاوز حدود السيطرة الميدانية المباشرة ليخلق واقعاً إدارياً مشوهاً؛ حيث تسيطر كل جهة على رقعة من الأرض محولةً الوطن إلى إقطاعيات منعزلة تديرها البنادق لا القوانين، وتسودها ثقافة “أمراء الحرب” الذين يستمدون شرعيتهم من فوهة البندقية لا من توافق وطني أو شرعية دستورية مستحقة.
إن الغياب القسري لمركزية الدولة في الخرطوم وكردفان ودارفور والجزيرة، وتكرار ذات السيناريو الذي شهدته صنعاء وتعز وعدن، يؤسس لصراع استنزافي طويل الأمد، لا ينتهي بانتصار حاسم لطرف على الآخر، بل ينتهي بإنهاك المجتمع وتفتيت النسيج الاجتماعي وتحويل السيادة إلى مجرد مصطلح بروتوكولي يفتقر لأي فاعلية على الأرض، مما يجعل من استعادة هيبة الدولة معركة شاقة قد تستغرق أجيالاً.
وفي عمق هذا التفتت البنيوي، يبرز التدخل الإقليمي كخيط غير مرئي يحرك دفة الصراع ويطيل أمد الاستنزاف، فالأطراف الفاعلة في المنطقة، والتي تركت بصماتها بوضوح في الملف اليمني، تعيد اليوم رسم استراتيجياتها في السودان وفق رؤى متباينة تعكس تضارب المصالح الجيوسياسية الضيقة. تتجه بوصلة القوى الإقليمية نحو استراتيجيات متنافرة؛ فبينما يهرع البعض إلى رعاية الميليشيات والتشكيلات العسكرية الموازية، طمعاً في انتزاع موطئ قدم عند الموانئ الحيوية والممرات البحرية التي تمسك بزمام التجارة العالمية، نجد أطرافاً أخرى تلوذ بالدفاع عن كيان الدولة التقليدية وتتشبث بهياكلها المتآكلة، ليس إيماناً بقدسية الدولة أو محبةً في مؤسساتها، بل تذرعاً بضرورة كبح الانهيار الشامل الذي قد يفيض بشرره خارج الحدود، ويقوض دعائم الاستقرار الإقليمي الذي لا تحركه سوى لغة المصالح البراغماتية الصرفة التي لا تعرف العواطف ولا تلتفت لمعاناة الشعوب.
إن هذا التباين الإقليمي ليس نابعاً من الحرص على الانتقال الديمقراطي أو الاستقرار المجتمعي، بل هو رغبة محمومة في تأمين أمن البحر الأحمر الذي يمثل شريان الحياة لمشاريع اقتصادية كبرى، مما حول السودان إلى “ساحة بريد مفتوحة”، تُرسل عبرها القوى الكبرى والإقليمية رسائل نفوذها المشفرة، مع فارق جوهري يكمن في أن السودان يمثل العمق الاستراتيجي للقارة الإفريقية، مما يجعل اشتعاله إيذاناً بانهيار حزام الأمن القومي العربي والإفريقي في آن واحد، وفتح أبواب الجحيم على منطقة تعاني أصلاً من الهشاشة السياسية المزمنة. وما يجعل الحالة السودانية أكثر استعصاءً وخطورة من نظيرتها اليمنية هو طبيعة التدخل العسكري؛ فبينما اتسم الصراع اليمني بوضوح الجبهات والتدخل المباشر الذي سمح بوجود ضغوط دولية وقنوات تفاوضية واضحة المعالم، نجد أن التدخل في السودان يكتسي طابعاً مستتراً يعتمد على الدعم اللوجستي والسياسي الخفي الذي يغذي آلة الحرب دون تحمل تبعاتها الأخلاقية أو القانونية. هذا التستر المتعمد يجعل الضغط الدولي لإنهاء الحرب ضرباً من العبث الدبلوماسي، حيث يتعامل المجتمع الدولي مع “أشباح فاعلة” تدعم الأطراف المتصارعة من وراء ستار، مما يفرغ المسارات التفاوضية من محتواها الحقيقي ويحولها إلى مجرد منصات لالتقاط الصور وتبادل الاتهامات الجوفاء.
إن استمرار القتال في السودان يبدو خياراً أقل تكلفة للقوى المحركة من التوصل إلى سلام دائم يتطلب تنازلات سياسية واقتصادية كبرى، وهو ذات المطب التاريخي الذي سقط فيه اليمن لسنوات تحت وطأة حالة “اللاحرب واللاسلم” التي تقتل ببطء وتدمر المستقبل بشكل منهجي ومدروس.
علاوة على ذلك، يتسم الصراع السوداني بأنه ذو أبعاد أيديولوجية عميقة تذكرنا بالمرارات التي رسمت ملامح الصراع اليمني، حيث تبرز محاولات قوى الإسلام السياسي في السودان لاستعادة السلطة عبر استخدام مطية الجيش، مما يحول الحرب من نزاع تقني على السلطة إلى صدام وجودي بين حلفاء الأمس الذين يقتسمون اليوم مرارة الهزيمة فوق أنقاض وطن يئن تحت وطأة الجراح. هذا المزيج الانتحاري من العقيدة والعسكرة يجعل الحلول السياسية هشة للغاية، حيث لا تُبنى الاتفاقات على مبادئ وطنية أو رؤى فكرية موحدة، بل على محاصصات عسكرية ومقايضات نفوذ قابلة للانهيار مع أول رصاصة طائشة أو تغيير طفيف في موازين القوى الميدانية.
ويضاف إلى هذا التعقيد الجوار الإفريقي المتفجر؛ حيث تتشابك خيوط اللعبة مع قوى جوار عديدة، من ليبيا إلى تشاد وإثيوبيا، وصولاً إلى التغلغل الروسي عبر المجموعات المسلحة العابرة للحدود، مما يجعل السودان بؤرة انفجار قد تتجاوز شظاياها الحدود الوطنية لتشعل منطقة الساحل والصحراء بأكملها، محولةً الإقليم إلى مسرح للفوضى الشاملة التي لا يمكن التنبؤ بنهاياتها الكارثية.
إن التحذير من تحول السودان إلى دولة فاشلة لم يعد مجرد تنبؤات سوداوية، بل هو واقع سوسيولوجي واقتصادي يتبلور يومياً مع انهيار المنظومة الصحية والتعليمية وتوقف عجلة الإنتاج القومي ونهب المقدرات العامة. ففي اليمن، رأينا كيف أدى انهيار مؤسسات الدولة إلى أكبر أزمة إنسانية في العصر الحديث، واليوم يكرر السودان ذات المشهد بمعدلات نزوح هي الأعلى عالمياً، حيث يتحول المواطن إلى رهينة للجوع والمرض.
إن “اليمننة” في جوهرها ليست مجرد حرب أهلية، بل هي صيرورة تدميرية تهدف إلى تحويل الوطن من كيان سياسي فاعل إلى مساحة جغرافية للاستقطاب الدولي، حيث تصبح المنشآت الحيوية أهدافاً عسكرية مشروعاً في “قانون الغاب”. إن الفرق الجوهري الذي لا يزال يمنح بصيصاً من الأمل يكمن في أن السودان لا يزال يمتلك بقايا مؤسسات بيروقراطية عريقة وطبقة مدنية حية ومستنيرة يمكن الرهان عليها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن هذا الوقت ينفد بسرعة مذهلة، والمسافة بين السيادة والانهيار الكامل تضيق يوماً بعد يوم تحت وطأة القصف والتحشيد المتبادل. إذا استمر السودان في السير على خطى اليمن دون كوابح وطنية حقيقية، فإن العالم لن يقف فقط أمام مأساة إنسانية، بل أمام “ثقب أسود أمني” يبتلع استقرار القارتين الإفريقية والآسيوية ويهدد السلم الدولي بأسره. لقد حان الوقت ليدرك الفاعلون الإقليميون والدوليون أن إحراق السودان لن يترك أحداً في مأمن. فالحرائق الكبرى لا تعترف بالحدود، والجغرافيا لا تكذب في ترابط مصائر الشعوب، والتاريخ لن يرحم أولئك الذين وقفوا متفرجين بينما كانت الدولة السودانية العريقة تنزلق نحو الهاوية المستدامة التي لا قرار لها.