السودان.. الأمل المفقود أم الصفقة المنتظرة؟

الولايات المتحدة والرباعية: تأجيل الحل.. أم إدارة الأزمة؟

السودان.. الأمل المفقود أم الصفقة المنتظرة؟

 

بقلم: نهلة فاروق أبو عيسى

 

السودان والرباعية: الأمل المفقود أم الصفقة المنتظرة؟

تتجسد الآلية الرباعية الدولية في التوازن بين خلق الأمل عند الشعب السوداني الذي أصبح يريد بأي شكل الخلاص من الفقر والذل والتهجير.. وبين الغموض الإستراتيجي الذي يغلف الآلية الرباعية وتحركاتها، وهذا هو جوهر القضية.

لنفتتح النقاش حول الرباعية بطرح سؤال مهم: ما السبب وراء التأخير في تنفيذ أو تطبيق ما نصّت عليه الرباعية؟ منذ إطلاق الرباعية كخارطة طرق لإيقاف الحرب في سبتمبر 2025 قُطعت وعود كثيرة وحددت تواريخ متعددة لحل أكبر كارثة إنسانية، ومع ذلك وبرغم حجم الكارثة لم يُطبق أي من هذه الوعود حتى الآن، ولم تلتزم الإدارة الأمريكية بأي من هذه التواريخ! فهل يعتبر هذا الوضع طبيعيًا بالنسبة للإدارة الأمريكية وهي المعروفة بدقة التخطيط والتنفيذ؟.

إن التطورات تجاه الرباعية وأسلوب تناولها من قبل الإدارة الأمريكية يعيد للأذهان الانطباع الأول حول الدور الذي سيلعبه دونالد ترمب تجاه ملف السودان، عند انتخابه للمرة الثانية.. وكان هناك شبه اتفاق بين المتابعين بأنه سيدير الملف بعقلية تجارية بحتة تتفق وتوجهاته وطبيعة شخصيته. وفي ظل التحركات بالرباعية يعود هذا المنظور ليؤكد لنا أن إدارة الملف السوداني بالرغم من تغليب الجوانب الإنسانية.. يظل صفقة تقاس بمقدار المنفعة التي تحققها الولايات المتحدة وحلفاؤها في الرباعية، دون أن يكون البعد الإنساني أو العدالة أو السلام المقومات الأساسية لتحريكه، كما يدعون.

على الرغم مما تحمله الرباعية من بنود أو وعود براقة، إلا أن تنفيذها جاء مرتبكاً ومربكاً وخضع لمصالح الدول المشاركة على حساب السودان، حيث سيطرت المصالح والأطماع الخارجية على ملف في غاية الدموية، بينما استمرت الأزمات الخطيرة في التصاعد دون استجابة فعّالة. وتباين أداء ومواقف دول الرباعية بشكل واضح، خاصة مع تضارب مواقف الولايات المتحدة بين الإعلان والسياسات الفعلية، مما أدى إلى تفاقم الأزمة واستمرار المعاناة وسقوط المزيد من الضحايا وصعوبة الحلول مع كل يوم يمر، فأصبحت دول الرباعية مسؤولة accountable عن كل ما يحدث في السودان.

وبين تمسكنا بسيادة السودان والخوف من خسارته كوطن، وبقائه، وإنقاذ، وجوده.. أصبحنا مجبرين على تقبل التدخل الخارجي كحل.. في ظل الظروف الداخلية والإقليمية والدولية التي تحيط بنا.. وفي ظل ذلك لا مفر من الصفقة الأمريكية المنتظرة؛ فهي جزء من طموحات الإدارة الأمريكية وأحلام ترمب الواهمة بإيقاف الحروب العالمية من جهة، وبين تحقيق خططه الاستثمارية والإستراتيجية من جهة أخرى.. وكل ذلك يُطرح تحت لافتة إنقاذ السودانيين وتحرير البلاد من قبضة طرفي النزاع. ولكن: متى؟ هذا هو السؤال. ويبقى توقيت التحركات المتعلقة بأكبر أزمة إنسانية غارقًا في الغموض؛ فلم تأتِ ساعة الصفر، وما يزال الفارق بين الأقوال والأفعال واضحاً.

 

الرباعية وأزمة السودان: بين شعارات الإنسانية وحسابات المصالح

وبالنظر للتشابكات والمعطيات الحالية يبدو أن هناك خطة موازية للرباعية لم تعلن.. بنودها مرتبطة بالتوقيت الإستراتيجي لتنزيل الرباعية على أرض الواقع. وفي تقديري أن ذلك مرتبط بأمور لا نعلمها، وعلى رأسها التاريخ الملائم the threshold breaking point، لحظة الانهيار الحاسمة، للشعب السوداني بما في ذلك أطراف الحرب.

النهج الأمريكي في التعاطي مع الملف السوداني هو أكبر تجلٍّ وتجسيد manifestation لمنظومة تحكُّم القوى العظمى فيمن تنظر لهم كـ”عاملين لديها” Subordinates أو من يمكن التحكم فيهم، وقد ظهر ذلك جلياً في عهد الرئيس ترمب، فأصبح الغموض الإستراتيجي وعدم الالتزام بالزمن والتوقيتات غير الحقيقية هما عنوان السياسة تجاه الحرب السودانية. وبتحكم حلفاء الرباعية وتشابكاتهم ودون الضغط القوي من جانب الولايات المتحدة وبشكل جاد على تغليب أولويات السودان الوطنية بدلاً عن أولويات دول الرباعية، أصبحت الرباعية، وخاصة نتائجها، في علم الغيب.

وتظل المفارقة الكبرى هي حديث السيد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، باستمرار عن الجوانب الإنسانية الملحة وضرورة إنقاذ المدنيين بسرعة ومحاسبة الجناة، وتشديده على الفورية utmost urgency.. وبين الواقع الفعلي نحو التنفيذ.. الذي يؤكد فجوة كبيرة بين تصريحاته والتطبيق مما يحرك العديد من علامات الاستفهام حول مصداقيته.

في رأي المتواضع إن هذا التأخير ليس صدفة أو ضعفاً مهنيتً، أو انشغالاً بملفات أخرى.. بل تأخير مقصود يمنح القوى الدولية مساحة واسعة لإدارة المشهد عندما تحين اللحظة المناسبة لهم، وليس لأهل السودان.. تاركين الأطراف السودانية حائرة بين الانتظار والتكهنات وتكوين مشهد هش ومتغير.

وما هو مفصلي أيضاً هو ارتباك وغموض الرباعية وتأخرها من ناحية كحل شامل، والتقدم المرحلي بها خاصة فيما يتعلق بالهدنة.. فبالرغم من الاتفاق على أن الهدنة تمثل حجر الأساس والمنطلق لبقية المراحل، يُلاحَظ استمرار تأخر الولايات المتحدة وحلفائها في وضع حد حاسم للعدائيات كمرحلة أولى.. ليظل هناك انفصام واضح بين الإلحاح الذي تعكسه الخطابات حول إنقاذ الوضع الإنساني غير المسبوق، وبين بدء الخطوات الحقيقية وإنقاذ الناس من براثن الحرب.

 

حين يغلب الغموض على الأمل: الرباعية في مواجهة مأساة السودان

الرباعية حل التفّ حوله الكثير من السودانيين بحكم بنوده الواضحة، والتي في مجملها تمثل متطلبات ثورة ديسمبر المجيدة. لكن علينا أن ننتبه أيضاً لجوانب قصورها. فهي مبادرة أصبحت فعلا ًمقلقة تضع الحلول، وأيضاً العراقيل، بسبب عدم التطرق لقضايا مفصلية وتعريفات مهمة، أو توفير العوامل والمحركات السياسية المساعدة لخارطة الطريق.. ووضعت الرباعية بين أيادي دول عقَّدت مشهد الحل بدل تفعيله. فعلى سبيل المثال أن الولايات المتحدة وحلفاءها يربطون نجاح الرباعية بحل سوداني، بدون توضيح أو شرح المقصود من ذلك.. أو ما المقصود بـ”المصالحة الوطنية” وغيرها من المصطلحات؟. فهل الولايات المتحدة تضع الحلول والعراقيل وأيضاً الغموض، كسبًا للزمن؟.

أعتقد أن الرباعية لا تزال تواجه مشكلات واضحة في التنفيذ والشفافية،.إذ تتباطأ في الوفاء بالتزاماتها ضمن إطار زمني يتناسب مع حجم آثار الحرب الكارثية والوضع الإنساني والعسكري ورغبة السودانيين في إنهاء النزاع. ويبدو أن هذا الغموض متعمد، بهدف دفع الشعب السوداني والبلد وحكامها نحو مرحلة من الانهيار، ليتم تنفيذ الإجراءات على أرض متهالكة وشعب ضعيف وأطراف حرب استنزفت قواهم.

وفي ظل كل هذه التعقيدات جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.. وازداد الغموض حول السودان ومستقبله، وتكاثرت التأويلات حول هل تسارع هذه الحرب ضد التطرف الإيراني والإمكانيات الإيرانية في وضع حد للإسلاميين في السودان وإيقاف الحرب؟، أم ستساعد الحرب الإيرانية على وضع قضية السودان في آخر قائمة الأولويات؟.

السؤال النهائي: هل الرباعية مجرد أداة للضغط لتحقيق أهداف معينة، أم أنها فرصة حقيقية لتحقيق السلام في السودان؟ الوقت وحده سيكشف عن الإجابة.

في كل الأحوال، الذكاء السياسي في ظل الحرب بالسودان وكل المعطيات الدولية والإقليمية يتطلب قبول الرباعية والترحيب بها من كل القوى السياسية والمدنية بأشكالها، مع ضرورة اليقظة والانتباه المستمر vigilance حول نواقص الرباعية وتحدياتها، وتأمين القوى السياسية استعدادها لمواجهة التحديات عند تنفيذ الرباعية ورفع مستوى الـthreshold والقدرة على الضغط على حلفائها لترجيح كفة الأولويات الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *