السودان في فك الكماشة
تداعيات التصنيف الإرهابي وازدواجية السلطة بين (الجيش) و(التنظيم)
محمد عبدالله إبراهيم
ناشط مدني، مدافع عن حقوق الإنسان
يشهد المشهد السوداني اليوم تحولاً دراماتيكياً مرشحاً لإعادة رسم مسار الحرب، بل وإعادة تعريف مستقبل الدولة السودانية برمتها. يأتي ذلك في أعقاب قرار الإدارة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية في السودان، إلى جانب واجهاتهما السياسية والعسكرية، كمنظمات إرهابية.
وليس هذا القرار مجرد إجراء قانوني عابر، بل هو زلزال سياسي عنيف يضرب في عمق بنية المؤسسة العسكرية السودانية، ويزيح الستار عن واقع ظل طي الكتمان طويلاً هو وجود “جيش موازٍ” يتحكم في مفاصل الدولة والقرار من وراء الواجهة الرسمية، ويسعى لإعادة تشكيل السلطة وفق منطق خفي، لا يخضع لقواعد الدولة بقدر ما يستجيب لاعتبارات التنظيم.
شكل إدراج السودان ضمن قائمة “الدول الراعية للإرهاب” وهو الإرث الثقيل لسياسات نظام الحركة الإسلامية الذي استولى على السلطة عام 1989 أحد أعقد القيود التي كبلت الدولة لعقود. فلم يكن هذا التصنيف مجرد وَسمٍ سياسي عابر، بل تحول إلى أداة ضغط مركبة أعادت تشكيل موقع السودان في العالم، وفرضت عليه عزلة قاسية ذات كلفة اقتصادية واستراتيجية باهظة.
وتحت وطأة هذا التصنيف، انكمشت فرص الاستثمار، وتبددت آفاق التنمية، وتحول الاقتصاد إلى كيان هش يعيش على حافة الأزمات، عاجزاً عن استعادة توازنه أو الاندماج في النظام المالي الدولي. وحتى حين لاحت بارقة أمل حقيقية للخروج من هذا النفق المظلم، عبر حكومة الثورة بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، والتي توجت جهودها برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بدا وكأن البلاد تقترب أخيراً من استعادة موقعها الطبيعي في المجتمع الدولي، وكأن صفحة ثقيلة من العزلة توشك أن تطوى. غير أن هذا الإنجاز، على ثقله التاريخي، ظل هشاً ومعلقاً على توازنات داخلية مضطربة جعلت من احتمالات الارتداد أمراً قائماً في كل لحظة، يلوح بإعادة البلاد إلى نقطة الصفر.
فالمشهد السياسي ظل معقداً، والبنية الداخلية متصدعة، تفتقر إلى الاستقرار والرؤية الجامعة، فيما لم تحسم بعد معركة تعريف الدولة نفسها.. هل هي دولة انتقال مدني حديث؟، أم امتداد معاد إنتاجه لإرث الهيمنة القديمة بأدوات جديدة؟. وعليه، لم يكن القرار الأمريكي بتصنيف جماعات ذات امتداد إسلامي في السودان كمنظمات إرهابية مجرد تطور عابر في سياق السياسة الدولية، بل جاء كامتداد منطقي لهذا الاضطراب البنيوي، ولحظة انكشاف أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ”انهيار الأقنعة”. ففي أعقابه، تهاوت الحواجز الرمزية بين الرسمي والمستتر، وتفككت ثنائية الظاهر والخفي التي طالما غلَّفت المشهد بضباب مربك. لم يعد الجيش يقرأ بوصفه تجسيداً خالصاً للسيادة الوطنية، بل كفضاء متنازع عليه، تتسلل إلى بنيته قوى تنظيمية تعيد تشكيله من الداخل وفق منطقها الخاص، حيث تختلط حدود الدولة بالتنظيم، وتتآكل وضوحية القرار، ليغدو معلقاً بين ما هو مؤسسي معلن، وما يدار في الظل بعيداً عن أعين الدولة نفسها.
ازدواجية السلطة.. من الدولة إلى “اللا دولة”
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، برزت تساؤلات حول مدى استقلالية قرار القوات المسلحة السودانية، ليس فقط بصفتها صانعاً للقرار العسكري، بل كضامن محتمل لاستقرار الدولة. فالمعضلة لم تكن في صراع على السلطة فحسب، بل في طبيعة هذه السلطة نفسها.. حين تتداخل البنية العسكرية مع بنية تنظيمية أيديولوجية، فإننا لا نكون أمام دولة تقليدية، بل أمام كيان هجين، أو ما يمكن تسميته بـ”لا-دولة”، حيث لا ينتج القرار من مؤسسة واضحة، بل من توازن هش بين مراكز قوى متصارعة. هذا الواقع تجسده ظهور كتائب عقائدية مثل “كتيبة البراء بن مالك” وغيرها من المجموعات التابعة للحركة الإسلامية، والتي أكدت للعالم أن الجيش السوداني لم يعد مؤسسة وطنية صرفة، بل أصبح مخترقاً من ميليشيات تنظيمية تفرض أجندتها السياسية بالقوة. هذه الكتائب، المصنفة هي الأخرى ضمن قوائم الإرهاب، لم تكتفِ بالقتال في الخطوط الأمامية، بل مارست دور “الرقيب التنظيمي” على ضباط وجنود الجيش، مما يجعل أي محاولة للهدنة أو السلام تصطدم برفض قاطع من هذه المجموعات التي ترى في استمرار الحرب وسيلة وحيدة لبقائها.
إن ظهور هذه الكتائب ليس مجرد تفصيل عسكري في مشهد الحرب، بل مؤشر على تحول أعمق.. انتقال العنف من كونه أداة بيد الدولة إلى كونه لغة خاصة لتنظيمات تسعى لفرض رؤيتها داخل المؤسسة العسكرية. فهي لا تحارب خصوم الدولة فحسب، بل تحرس أيضاً “مشروعها وفكرتها”، وتراقب مسارات القرار، لتعيد تعريف الولاء من الدولة إلى العقيدة. وهنا تكمن المفارقة الأخطر.. الدولة التي يُفترَض أن تحتكر استخدام العنف المشروع لضمان سيادتها واستقرارها، صارت اليوم تتقاسمه مع كيانات تنظيمية لا تخضع لقوانينها ولا لمنطقها، بل تفرض عليها أجندتها الخاصة. في هذا السياق، أصبح الجيش، قلب الدولة وناظمها، ساحة صراع بين مؤسسات رسمية من جهة، وقوى خفية وموازية من جهة أخرى، تعمل خارج سلطة القانون، وتتحكم في مسارات القرار العسكري والسياسي بطريقة تقوض الاستقرار وتعمق الانقسامات.
سقوط أقنعة الخداع.. البرهان بين السلطة والقدرة
في الفلسفة السياسية، هناك فرق جوهري بين من “يحكم” ومن “يمتلك القدرة على الحكم”. وهذا الفرق يتجلى بوضوح اليوم في السودان. فقيادة الجيش، وعلى رأسها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تقف في موقع يطرح سؤالاً وجودياً بالغ الأهمية.. هل تمتلك السلطة فعلياً، أم أنها مجرد واجهة لسلطة أعمق تتحرك في الظل، تحدد مسار القرار العسكري والسياسي بعيداً عن أعين الدولة والشعب؟.
لطالما حاول قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، التنصل من أي ارتباط بالإسلاميين، مؤكداً في خطاباته المتكررة أن المؤسسة العسكرية خالية من الانتماءات الحزبية والتنظيمية. إلا أن الوقائع على الأرض والتسريبات الأخيرة جاءت لتقوض هذه السردية بشكل كامل. فقد كشف التسريب الصادم لنائب الرئيس الأسبق، عثمان محمد يوسف كبر، أن صعود البرهان إلى قمة السلطة العسكرية لم يكن نتيجة استقلاله أو كفاءته فقط، بل كان خياراً سياسياً مدعوماً من التنظيم، لضمان استمرار نفوذه وقدرته على التحكم في مؤسسات الدولة من خلف الستار.
هذه الشهادات، إلى جانب تصريحات قيادات بارزة مثل الدكتور أمين حسن عمر، تؤكد أن “الخيط الرفيع” الذي كان يربط قيادة الجيش بتنظيم الإخوان قد انقطع، ليظهر بدلاً منه حبل سري يربط قرارات البرهان بموافقة التنظيم بشكل مباشر. لقد باتت حالة “المراوغة السياسية” التي يمارسها البرهان واضحة للعيان، ولم تعد تنطلي على المجتمع الدولي، خاصة بعد أن أثبتت التسريبات أن القائد العام لا يمتلك القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية، مثل وقف الحرب أو التفاوض على تسوية سياسية، دون الحصول على “الضوء الأخضر” من الغرف المظلمة للتنظيم، مما يكشف هشاشة السلطة العسكرية وازدواجيتها العميقة.
لا سيما أن التسريبات والتصريحات التي ظهرت إلى العلن لم تقدم معلومات جديدة بقدر ما أكدت ما كان يُهمَس به منذ سنوات.. أن القرار الحقيقي لا يكون دائماً في يد من يبدو كصاحب السلطة. في هذا الواقع، تتحول السياسة إلى نوع من “المسرح”؛ تُعرض مواقف رسمية للعامة، بينما تُتَخَذ القرارات الحقيقية بعيداً عن الأنظار، في غرف مغلقة تتحكم فيها مصالح خفية وأجندات تنظيمية تتجاوز سيطرة المؤسسات الرسمية.
هذه الازدواجية لا تقتصر آثارها على تقويض الثقة الداخلية فحسب، بل تمتد لتقويض مصداقية الدولة على المستوى الخارجي أيضاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات مصيرية مثل الحرب أو السلام. فالجهات الدولية والإقليمية لم تعد تتعامل مع مؤسسات الدولة بوصفها صانعاً مستقلاً للقرار، بل تراها محكومة بتوازنات داخلية غير شفافة، ما يضع السودان في موقف هش ويزيد من تعقيد مسارات التفاوض والدبلوماسية.
الجغرافيا الملعونة.. حين يصبح الموقع عبئاً
تزداد خطورة قرار التصنيف الأمريكي في وقت يشهد فيه الإقليم غلياناً غير مسبوق، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى. في هذا السياق، يصبح لجوء الجيش السوداني، تحت ضغط الحركة الإسلامية، إلى تعزيز التعاون العسكري مع طهران أمراً محفوفاً بالمخاطر، يضع البلاد في فوهة المدفع ويعرض مؤسساتها العسكرية لاستهداف مباشر. فالحركة الإسلامية السودانية، المتشاركة مع النظام الإيراني في “الأيديولوجيا الدينية”، تدفع بالبلاد نحو محور منبوذ دولياً، مما يجعل الجيش ليس فقط لاعباً داخلياً ضعيفاً، بل أيضاً ورقة قابلة للاستغلال في صراعات إقليمية أكبر، تزيد من هشاشة الدولة وموقعها على الساحة الدولية.
السودان، بحكم موقعه الإستراتيجي، ليس دولة عادية في معادلات الجغرافيا السياسية؛ فهو نقطة تماس بين عوالم متعددة وفضاء مفتوح لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. وفي ظل الاستقطاب الحاد الراهن، يتحول هذا الموقع من ميزة محتملة إلى عبء قاتل. أي تقارب مع قوى إقليمية مثيرة للجدل، في سياق صراع دولي محتدم، لا يقرأ كخيار سيادي مستقل، بل كاصطفاف ضمن معركة أكبر، تجعل السودان عاجزاً عن تعريف نفسه بنفسه. بدلاً من ذلك، يعاد تعريفه من الخارج.. أحياناً كحليف محتمل، وأحياناً كخصم، وأحياناً كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وفي هذا المسار، لا تمثل العزلة أخطر ما في المشهد، بل فقدان المعنى السياسي للدولة، حين تتحول من فاعل قادر على تحديد مصيره إلى مفعول به، محكوم بتوازنات خارجية تفوق إرادته.
في النهاية، ينعكس هذا التعقيد العميق على أبسط مظاهر حياة المواطنين اليومية. فالأداء الاقتصادي ليس مجرد أرقام وحسابات، بل مرآة تعكس استقرار الدولة ومصداقية مؤسساتها. ومع كل تصنيف دولي، وكل انقسام داخلي، وكل قرار مؤجل، تتآكل هذه البنية الحيوية.. العملة تفقد قيمتها، الخدمات العامة تتدهور، وأفق التنمية يضيق أكثر فأكثر. أما المواطن، الذي لا يعنيه صراع المفاهيم بقدر ما يعنيه خبزه اليومي ومستقبل أسرته، فيجد نفسه رهينة لعبة أكبر منه؛ لعبة تتحكم فيها قوى خارجية وداخلية، لا صوت له فيها، لكنه يجبر على دفع ثمن كل دورة من دوراتها، في شكل فقر ومعاناة ونزوح وانعدام فرص.
المخرج الوحيد.. الواقعية السياسية وعزل المتطرفين
إن الخروج من هذا الواقع المعقد، أو ما يمكن تسميته بـ”فك الكماشة”، يتطلب أولاً إعادة تعريف العلاقة بين مكونات السلطة، وبناء دولة قائمة على مؤسسات مدنية قوية ومستقلة، تفصل بوضوح بين العمل العسكري والسياسي، وتضع حداً لتداخل الأدوار وصراع النفوذ داخل مؤسسات الدولة. كما يستلزم تبني سياسة خارجية متوازنة تعيد للسودان مكانته في المجتمع الدولي، دون الارتهان لأي محور إقليمي أو خارجي، لتستعيد الدولة سيادتها وقدرتها على حماية مصالح شعبها.
أمام هذا الواقع المعقد، لم يعد أمام الفريق أول عبد الفتاح البرهان مجال للمناورة أو ممارسة الخداع. فاستمرار التماهي مع تنظيم مصنف إرهابياً يعني انتحاراً سياسياً وعسكرياً للدولة السودانية، ويهدد بتقويض أي فرصة لإعادة الاستقرار واستعادة السيادة الوطنية. إن الأزمات الكبرى لا تحل بإجراءات تقنية فحسب، بل تتطلب إعادة تعريف الأساس الذي تقوم عليه الدولة نفسها، فالسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل إلى استعادة فكرة الدولة كمؤسسة وطنية فوق الانقسامات الأيديولوجية، قادرة على حماية مصالح شعبها وضمان استقرارها.
ويستلزم ذلك أولاً تفكيك ازدواجية السلطة بين الجيش والتنظيم، ليس كخطوة أمنية فحسب، بل كتحول يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة كمؤسسة مستقلة عن الولاءات التنظيمية والحزبية. كما يتطلب شجاعة سياسية للاعتراف بأن الوضع الحالي ليس توازناً، بل انحداراً بطيئاً نحو التفكك، وأن أي محاولة للمراوغة ستزيد الأزمة تعقيداً.
وعليه، يكمن الحل المنطقي والوحيد في مجموعة إجراءات متكاملة أهمها الاعتراف بالواقع والتوقف عن إنكار وجود الإسلاميين داخل الجيش، والتعامل بجدية مع قرار التصنيف الدولي لتفادي عزلة السودان بالكامل، وعزل الكتائب العقائدية، واتخاذ قرار شجاع بإخراج كتائب البراء بن مالك وواجهات الحركة الإسلامية من صفوف القوات المسلحة، واستعادة مهنية الجيش كمؤسسة وطنية جامعة لكل السودانيين. ويشمل هذا الحل أيضاً وقف الحرب وتحقيق السلام، والإدراك بأن الانتصار العسكري في ظل وجود “جيشين”؛ رسمي وعقائدي، هو وهم، وأن المخرج الحقيقي يكمن في التفاوض الجاد لوقف نزيف الدم، وصولاً إلى تسليم السلطة للمدنيين، وإعادة البلاد إلى مسار التحول الديمقراطي، بما يضمن رفع اسم السودان من قوائم الإرهاب وإعادة إدماجه في المجتمع الدولي.
خاتمة: لحظة ما قبل السقوط.. أو ما قبل النهوض
في النهاية، يقف السودان اليوم أمام اختبار مصيري، لا يحتمل المماطلة أو التأجيل: إما أن ينجح في تفكيك أزماته المركبة وبناء دولة متماسكة قائمة على مؤسسات مدنية قوية وسيادة وطنية حقيقية، أو أن يظل محاصرًا داخل دائرة أزمات متكررة، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل وطن يستنزف على مهل، تحت وطأة الصراعات الداخلية، النفوذ التنظيمي، والتحديات الإقليمية والدولية. وإن التاريخ لن يرحم القادة الذين ضحوا بأوطانهم من أجل بقاء تنظيماتهم. والسودان اليوم بحاجة إلى قائد يمتلك الشجاعة ليقول “لا” لمختطفي الدولة، ويضع مصلحة الشعب فوق ولاءات التنظيم، ليعيد للدولة صورتها كمؤسسة مستقلة وقادرة على حماية سيادتها. الفرصة لا تزال قائمة أمام الفريق أول عبد الفتاح البرهان لتدارك خطورة الموقف، لكن الوقت ينفد بسرعة، والبديل المحتوم هو الانهيار الشامل لكيان الدولة السودانية تحت وطأة التصنيف الإرهابي والحروب الإقليمية بالوكالة. وبين “العقيدة” و”السيادة”، وبين “التنظيم” و”الوطن”، يقف السودان على حافة سؤال وجودي لا يقبل التأجيل، وإجابته هذه المرة لن يكتبها الخارج وحده، بل أولئك الذين يملكون الشجاعة لمواجهة الواقع داخلياً، وإعادة الدولة إلى مسارها الطبيعي، حيث تكون مصلحة الشعب فوق أي اعتبارات تنظيمية أو أيديولوجية.