التعايش السلمي.. خيارنا من أجل بلادنا
بروفيسور/ نعمات الزبير

لعل من أهم التحديات التي تواجهنا كمجتمع سوداني هو كيفية التعامل والتعايش مع الاختلاف الثقافي والديني والعرقي والقبلي والطبقي والمجتمعي والسياسي. ومع تزايد وتيرة التحريض وخطاب الكراهية، تحت مبررات دينية وعرقية ومجتمعية وقبلية وسياسية، أصبح موضوع إدارة التنوع من خلال صناعة التعايش السلمي داخل المجتمع الواحد أو بين المجتمعات الإنسانية أمراً في غاية الأهمية، ليس فقط لأصحاب القرار السياسي، بل لأفراد المجتمع كافة.
ومن هذا المنطلق أصبح مفهوم التعايش السلمي أحد المفاهيم المحورية لإدارة تنوعنا بشكل سليم، وتحويله الى طاقة دفع لتعزيز التماسك وتحقيق السلام بيننا، لأن التعايش ضرورة مطلقة لتسوية علاقاتنا ببعض، وتقبلنا لبعض، وتحويل الاختلافات بيننا إلى تعايش ونموذج إيجابي يحتذى به في العالم. إذ إن البديل للتعايش هو بالضرورة الإقصاء والإلغاء، وما يترتب عليهما من عنف وفوضى وعنف مضاد. يجب إدراك أن العيش المشترك بيننا كقيمة عليا من قيم الحياة، لابد أن تكون نابعة من اعتقاد وإيمان مشترك بين كل الأطراف التي تريد أن تتعايش مع بعضها رغم اختلافها.
وفي غياب هذا الاستعداد السلمي لهذا المجتمع أو الكيان سيكون البديل هو الكراهية والعنف والإقصاء، لأن فكرة التعايش لا تقبل الفراغ، فإما أن يكون التعايش هو الطريقة المعبرة عن الاستقرار والسلم، وإما أن يحل العنف الرمزي والمادي وما يترتب عليهما.
وحتى يتسنى لمبدأ التعايش أن يتحقق على أرض الواقع، فإن هناك منظومة من الشروط والقيم المصاحبة له لابد أن تكون حاضرة وداعمة له، منها المعرفة والإدراك كشرط أول ضروري لكي تتفهم المجتمعات الاختلافات والخلافات والتباينات فيما بينها.
الشرط الثاني هو النظام والقوانين التي تحكم طبيعة التعايش. ومن أهم القيم الداعمة لمبدأ التعايش السلمي هي قيمة الحوار، لأن الحوار هو عنوان التعايش والتعبير الأسمى للنشاط الفكري في مسيرة المجتمع. والعلاقة بين الحوار والتعايش السلمي علاقة شرطية؛ يقتضي وجود أحدهما وجود الآخر ضرورةً.
ومبدأ التعايش لم يعد مجرد ترف فكري يقتصر على المثقفين والسياسيين فحسب، بل هو ضرورة لحماية مستقبل مجتمعنا من أخطار دعوات الكراهية والعنف والإقصاء على أسس دينية أو مذهبية أو عرقية أو جهوية وقبلية. وهذا يستوجب استنهاض قدرات مجتمعنا السوداني وتوحيد جهوده لتعزيز مسار التعايش كقيمة إنسانية جامعة تكفل حماية التنوع والمواطنة، وتعزز الحوار والتعاون.
على هذا الأساس هناك أهمية للعمل على إدراج قيمة التعايش السلمي وتقبل الآخر في مناهجنا التعليمية والتربوية.. وفي وسائل الإعلام والأسرة ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى تصل الفكرة إلى الجميع، وأصبح لزاماً على دولتنا ومجتمعنا أن يسعيا لترسيخ فكرة التعايش وثقافة التعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد، وتشرع من النظم ما يقوم على حمايتها، إذ إن فقدان هذه القيم سيقود الدولة إلى حالة من عدم الاستقرار، ومخاطر عديدة تتعلق بالأمن والسلم المجتمعي.
وأي عاقل ومدرك لمصالح أبناء شعبه يعمل على أن يرسخ في أذهان المواطنين قيم الحوار والتسامح وتقبل الآخر، وباتت الحكومات الرشيدة تتخذ من الضمانات والوسائل ما يكفل المساواة بين أبناء الشعب بدون تحيز أو عنصرية.. والدين الإسلامي سباق في هذا المضمار الحضاري، وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم أسساً متينة وراسخة للسلام في المجتمع وضمان حقوق المواطنة، وصدرت أول وثيقة حضارية مدنية “وثيقة المدينة” تحدد حقوق المواطنين وواجباتهم بغض النظر عن دينهم وجنسهم وانتمائهم.. وما زالت “وثيقة المدينة” إلى اليوم دستوراً يمكن تدريسه والاستفادة منه.
يجب علينا أيضاً محاربة خطاب العنصرية والنظرة الاستعلائية، والعمل على ترسيخ أهمية فكرة التعايش السلمي، لأنها تعزز كل قيم المساواة وجهود السلام، وكذلك لكي تتيح فرصة للتقدم والتطور والازدهار للجميع. والتسامح يساعد على تحقيق السلام الاجتماعي، والتعايش السلمي يصون المجتمع لتحقيق الحياة الآمنة ويمثل أساس السلم الاجتماعي لأي مجتمع ينشد أو يهدف إلى إبعاده عن النزاعات الصراعات.
التسامح ضرورة بين الأفراد والجماعات والأديان، والأهم في هذا السياق هو ضرورة تعليم الأجيال الجديدة التسامح مع الغير وتقبل الآخر بدون شروط، أو إجباره وإلزامه بمعتقد أو فكرة، وضرورة التقارب بين الثقافات والتفاعل بين الحضارات ونبذ العنصرية والنظرة الاستعلائية والجهوية بين أفراد المجتمع الواحد.
يحتاج مجتمعنا بعد انتهاء الحرب والرجوع إلى الوطن، وإن طال الزمن والسفر، ليس إلى إعادة البناء والإعمار للبلد فقط، وإنما يحتاج إلى إعادة وبناء وإعمار الإنسان السوداني في كثير من النواحي، ورفع الوعي إلى أقصى درجة لمحاربة وإعادة صياغة كثير من المفاهيم، المعتقدات، والأفكار السالبة التي تقود إلى تفكك مجتمعنا وانهيار قيمه، ومعالجة كل المشاكل والتحديات التي خلفتها الحرب. من المهم العيش بسلام مع الآخرين وتقبلهم واحترامهم واحترام حقوقهم وحرياتهم واختياراتهم حتى نصل لمجتمع متعافٍ ومتقدم ومسالم وقادر على النهوض من جديد.