أزمة التعليم في السودان
حرب تسرق مستقبل جيل كامل
شيماء تاج السر، المحامية
في الوقت الذي تحتفي فيه الأمم المتحدة باليوم الدولي للتعليم 24 يناير تحت شعار “قوة الشباب في المشاركة في ابتكار التعليم”، يقدم الواقع في السودان صورةً قاتمةً تتناقض تناقضاً صارخاً مع هذا الأمل. فبينما يدعو العالم إلى تمكين الشباب ودمجهم في صياغة مستقبل التعليم، يجد ملايين الأطفال السودانيين أنفسهم خارج المدرسة، محرومين من أبسط حقوقهم، ضحايا لصراع اندلع في الخامس عشر من أبريل 2023، ولا يزال يدمر البلاد.
في هذا اليوم الدولي، لا مكان للابتكار أو المشاركة، بل هناك صرخة استغاثة تطلقها الأمم المتحدة ومنظمة اليونيسف لإنقاذ ما تبقى من نظام تعليمي منهار، وتحذير من ضياع جيل بأكمله، مما يهدد مستقبل البلاد بأسره.
جحيم الحرب وأرقام مفزعة
بعد أكثر من ألف يوم على اندلاع الصراع، يكشف تقرير مفصل لمنظمة اليونيسف، عبر المتحدثة باسمها في السودان إيفا هيندز، عن حجم الكارثة التعليمية غير المسبوقة. الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي وجوه لأطفال حُرموا من أحلامهم:
8 ملايين طفل: هذا هو العدد الإجمالي للأطفال غير الملتحقين بالمدارس حالياً، وهو رقم يمثل تقريباً جميع الأطفال في سن الدراسة. إنه جيل كامل على حافة الأمية والضياع.
5 ملايين طفل نازح: اضطروا لترك منازلهم ومدنهم، ومع كل خطوة في رحلة النزوح القاسية، تُقطع صلتهم بمدرستهم ومعلميهم وكتبهم، لتبقى ذكريات التعليم حنيناً لماضٍ لن يعود بسهولة.
6,400 مدرسة مغلقة تماماً: هذه المباني، التي من المفترض أن تضج بحياة الأطفال وأصوات التعلم، تقف صامتةً، مهجورة، أو مدمرة.
11% من المدارس: لم تعد تؤدي وظيفتها الأساسية، فقد تحولت إلى ملاجئ عاجلة لعائلات نازحة، أو تُستخدم لأغراض غير تعليمية، في ظل ظروف إنسانية مأساوية.
مدرسة واحدة من كل ثلاث مدارس أصبحت غير صالحة للاستخدام، إما بسبب الدمار الكامل أو الأضرار الجسيمة الناجمة عن القصف والاشتباكات.
هذه الأرقام، كما تؤكد هيندز، تعكس “انهياراً غير مسبوق في البنية التحتية والمنظومة التعليمية”. لقد تجاوزت الأزمة مفهوم “الحرمان من التعليم” إلى مفهوم “سرقة المستقبل” بشكل منهجي.
تأثيرات متعددة الأوجه
تداعيات هذا الانهيار لا تقتصر على عدم الذهاب إلى المدرسة. فالأطفال خارج المدرسة في بيئة حرب يصبحون أكثر عرضة للمخاطر الجسيمة كالتجنيد في الجماعات المسلحة، والاستغلال الجنسي، والعمل القسري، والزواج المبكر للفتيات. كما أن الحرمان من بيئة المدرسة الآمنة يحرمهم من الدعم النفسي والاجتماعي الذي يحتاجونه للتكيف مع صدمات الحرب والتهجير. التعليم لا يوفر المعرفة فحسب، بل يوفر الحماية، وهو حاجز دفاعي مهم ضد انتهاكات الحرب، وهذا الحاجز قد سُحب من أمام ملايين الأطفال.
نداء اليونيسف والتحديات
في ظل هذه الكارثة، وجهت اليونيسف نداءً عاجلاً لقادة العالم. تطالب المتحدثة باسم المنظمة بتوفير “تمويل وضمان مرور ووصول المساعدات”، محذرة: “لا يمكننا أن ندير ظهرنا لهذه المأساة”. لكن التحديات جسيمة: كيف تصل المواد التعليمية إلى مناطق تشتعل فيها الاشتباكات؟ كيف يُعاد تأهيل مدارس أصبحت أطلالاً؟ كيف تُدرب وتوفر الحماية للمعلمين والمعلمات الذين هم أنفسهم نازحون أو مستهدفون؟ وكيف تُقدم التعليم في مخيمات النزوح المكتظة، حيث تنازع أولوية الطعام والمأوى أولوية التعلم؟ إنها معادلة بالغة التعقيد في بلد أصبحت فيه المنظومة التعليمية، كغيرها من المنظومات، رهينة للصراع وانهيار الاقتصاد.
وراء كل رقم من هذه الأرقام المفزعة، قصة إنسانية تذرف الدمع صمتاً.
المستقبل المجهول والحلول العاجلة
يحذر الخبراء من أن عواقب ضياع جيل كامل من التعليم ستكون طويلة الأمد وكارثية على السودان. فبدون تعليم، سيكون إعادة بناء البلاد، بعد أن تضع الحرب أوزارها، مهمة شبه مستحيلة. كيف سيبني السودان مهندسوه وأطباؤه ومعلموه وقادته المستقبليون؟ كيف سينهض مجتمع يعاني نصف سكانه من الأمية والجهل؟ الخطر لا يهدد الأطفال اليوم فقط، بل يهدد استقرار وازدهار السودان لعقود قادمة.
إن الحلول، رغم صعوبتها، يجب أن تبدأ الآن:
– وقف إطلاق النار الدائم هو الشرط الأساسي لأي إصلاح. لا يمكن إعادة فتح المدارس تحت وطأة القصف.
– تمويل عاجل ومرن: كما طالبت اليونيسف، لدعم التعليم في الطوارئ، بما في ذلك توفير مواد التعلم الذاتي، وبناء فصول مؤقتة في مخيمات النزوح، وتدريب المعلمين المتطوعين.
– حماية المدارس: يجب اعتبار المدارس مناطق محايدة وآمنة، والضغط على جميع أطراف النزاع لاحترام القانون الدولي الإنساني الذي يحمي المؤسسات التعليمية.
– البدائل الإبداعية: استغلال التكنولوجيا المتاحة (مثل الراديو، التطبيقات البسيطة على الهواتف إن وجدت) لتقديم دروس، وبرامج التعلم السريع للأطفال الذين فاتتهم سنوات.
– الدعم النفسي: دمج الدعم النفسي والاجتماعي في أي برنامج تعليمي طارئ، لمساعدة الأطفال على تجاوز الصدمات.
في اليوم الدولي للتعليم، يتحول شعار “قوة الشباب في المشاركة في ابتكار التعليم” في السودان إلى صرخة استغاثة: “أنقذوا قوة الشباب من الضياع”. قادة العالم مدعوون ليس فقط للاستماع إلى تحذيرات اليونيسف، بل للتحرك الفعلي والسريع. كل يوم يمر دون تعليم هو يوم يُسرق من عمر جيل، ويحفر في جدار مستقبل السودان شرخاً أعمق. أطفال السودان لا يحتاجون إلى شعارات في الأيام الدولية، بل يحتاجون إلى قرار سياسي يوقف الحرب، وإلى دعم ملموس يعيد لهم حقهم المسلوب في التعلم والأمل.
الوقت ينفد، والكارثة تتعمق. الضمير الإنساني والتعليمي العالمي على المحك.
الحق في التعليم في القانون الدولي
يُعد الحق في التعليم من الحقوق الأساسية المعترف بها عالمياً، وهو محمي بمجموعة متشابكة من القواعد في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
- القانون الدولي لحقوق الإنسان
هذا الجانب ينطبق في أوقات السلم، وهو الإطار العام الذي يلزم الدول بضمان التعليم لجميع الأفراد.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) – المادة 26:
- تنص على أن “لكل شخص الحق في التعليم”.
- يجب أن يكون التعليم مجانياً على الأقل في المرحلتين الابتدائية والأساسية.
- يجب أن يكون التعليم الابتدائي إلزامياً.
- يجب أن يستهدف التعليم التنمية الكاملة للشخصية وتعزيز احترام حقوق الإنسان.
العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966) – المادة 13:
- هي الصك الأكثر تفصيلاً لهذا الحق.
- تعترف بـ”حق كل فرد في التعليم”.
- تلتزم الدول بـ”ضمان مجانية التعليم الإلزامي للجميع” على الأقل في المرحلة الابتدائية.
- تشجع التعليم الثانوي (بمختلف أشكاله) وجعله متاحاً للجميع، وتعمل على إتاحة التعليم العالي على أساس القدرات.
- تؤكد على أهمية الحرية الأكاديمية للأساتذة والطلاب.
اتفاقية حقوق الطفل (1989) – المادة 28:
- تعترف بحق الطفل في التعليم.
- تلزم الدول باتخاذ التدابير لجعل التعليم الابتدائي إلزامياً ومجانياً للجميع.
- تشجع تطوير أشكال مختلفة للتعليم الثانوي وتكفل إتاحته لكل طفل.
- تدعو لاتخاذ إجراءات لتشجيع الحضور المنتظم في المدارس وتقليل معدلات التسرب.
اتفاقية اليونسكو لمكافحة التمييز في مجال التعليم (1960):
- تهدف إلى القضاء على أي تمييز في التعليم وتشجع تكافؤ الفرص.
يُصنف الحق في التعليم كحق من “الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، ما يعني أن على الدول أن تعمل على تحقيقه “تدريجياً” حسب مواردها. لكن هناك عناصر أساسية فورية، مثل:
- عدم التمييز في الوصول إلى التعليم.
- ضمان الحد الأدنى من التعليم الأساسي للجميع.
- حرية الأهل في اختيار نوع تعليم أطفالهم.
- في القانون الدولي الإنساني (قانون النزاعات المسلحة)
يُطبق هذا القانون أثناء النزاعات المسلحة (دولية أو غير دولية)، ويُحدد واجبات أطراف النزاع لحماية المدنيين والممتلكات المدنية، بما فيها المؤسسات التعليمية.
اتفاقيات جنيف الأربع (1949) والبروتوكولان الإضافيان (1977) :
- الحماية العامة للمدنيين: بما أن الطلاب والمعلمين مدنيون، فهم يتمتعون بالحماية العامة من الهجمات والأعمال العدائية (الاتفاقية الرابعة، البروتوكول الإضافي الأول).
- حماية ممتلكات المدنيين: تُعتبر المدارس والجامعات ومؤسسات التعليم الأخرى من الممتلكات المدنية (المادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول). ويحظر مهاجمتها ما لم تتحول إلى “هدف عسكري” (أي تُستخدم بشكل فعلي في المساعدة العسكرية).
- حظر الهجمات العشوائية: يُحظر شن هجمات لا تميز بين الأهداف العسكرية والممتلكات المدنية، مثل قصف منطقة سكنية تضم مدارس بشكل عشوائي.
- البروتوكول الإضافي الثاني (للنزاعات غير الدولية): يؤكد على حماية المدنيين والممتلكات المدنية، وينطبق هذا على المؤسسات التعليمية.
- القانون الدولي الإنساني العرفي:
تنص القاعدة 38 من دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر حول القانون الإنساني العرفي على أنه: “يجب على أطراف النزاع احترام المؤسسات المخصصة للتعليم”. كما تنص القاعدة 134 على أن “يجب احترام الحرية الأكاديمي”.
التحديات والتطبيقات العملية
– الاستخدام العسكري للمدارس: عندما تستخدم القوات المسلحة مدرسة كقاعدة أو ثكنة أو مخزن للذخيرة، تفقد حصانتها كممتلك مدني وتصبح هدفاً عسكرياً مشروعاً، مما يعرض حياة الطلاب للخطر. هناك مبادرة عالمية تسمى “إعلان المدارس الآمنة” (2015) تهدف لتقييد هذا الاستخدام وحماية التعليم أثناء النزاعات. وقعت عليه العديد من الدول.
– التعليم في الطوارئ: يُشتق من هذه القواعد واجب أطراف النزاع والمجتمع الدولي في تيسير استمرار التعليم حتى في ظل النزوح والطوارئ، كجزء من توفير الاحتياجات الإنسانية الأساسية وحماية الأطفال.
– المساءلة: يمكن أن تشكل الهجمات المتعمدة على المدارس أو الطلاب جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
حالة السودان (كمثال تطبيقي):
الأرقام الصادمة التي ذكرتها اليونيسف (إغلاق 6,400 مدرسة، استخدام 11% منها كملاجئ أو لأغراض عسكرية، تدمير ثلث المدارس) تشير إلى انتهاكات جسيمة لكل من:
- القانون الدولي الإنساني: من خلال الهجمات على البنية التحتية المدنية (المدارس) وحرمان الأطفال المدنيين من التعليم.
- القانون الدولي لحقوق الإنسان: من خلال حرمان ملايين الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم.
الحق في التعليم هو حق غير قابل للتصرف:
- في السلم: تلتزم الدول بضمانه وتطويره تدريجياً دون تمييز.
- في الحرب: تلتزم أطراف النزاع بحماية المؤسسات التعليمية والطلاب والمعلمين، وضمان استمرار التعليم قدر الإمكان كوسيلة لحماية جيل كامل من الضياع.
الأزمة في السودان، كما في كثير من بؤر الصراع، تُظهر الفجوة الواسعة بين النصوص القانونية والواقع الميداني، مما يدعو إلى آليات أقوى للمساءلة والضغط لتحويل هذه الحقوق من حبر على ورق إلى واقع ملموس يحمي مستقبل الشعوب.