الإنسانية العارية بين رصاص النزاعات وصمت القانون

الإنسانية العارية بين رصاص النزاعات وصمت القانون

 المتطوعون يدفعون الثمن

شيماء تاج السر، المحامية

في الخامس عشر من أبريل 2023، انفجر السودان في نزاع مسلح طاحن، وانهارت مؤسسات الدولة واحدة تلو الأخرى، مُخلِّفةً ملايين المدنيين في مواجهة الموت جوعاً ومرضاً وقصفاً. وسط هذا الدمار، ومع تقيُّد حركة المنظمات الدولية الكبرى أو انسحابها، لم ينتظر السودانيون نداءات الاستغاثة العالمية؛ بل نهضوا من بين الركام. تحوّلت البيوت إلى عيادات، والسيارات المدنية إلى سيارات إسعاف، ووسائل التواصل الاجتماعي إلى غرف عمليات. شباب وشابات، أطباء وممرضون ومهندسون ومواطنون عاديون، تحولوا إلى جيش من الجنود المجهولين حاملين راية الإنسانية في مواجهة الهاوية. لكن شهادتهم البطولية تُكتب بمداد من الدم والمعاناة. فقبل أيام قليلة، وأثناء سير قافلة مساعدات إنسانية لبرنامج الأغذية العالمي في ولاية شمال كردفان، استهدفتها طائرة مسيرة، ما أسفر عن مقتل شخص.

 

هذا الحادث ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من الاستهداف، يكشف النقاب عن مأساة مزدوجة مأساة أولئك الذين يضحون بأنفسهم لإنقاذ غيرهم، ثم يجدون أنفسهم في عين العاصفة، دون دروع قانونية أو حماية فعلية. هم ضحايا لرصاص النزاع، وضحايا لصمت القانون وعدم فعاليته على الأرض. قصة السودان ليست فريدة، بل هي نموذج صارخ لأزمة عالمية، أزمة الحماية القانونية للمتطوعين الإنسانيين في النزاعات المسلحة، تلك الظاهرة التاريخية التي تحولت في القرن الحادي والعشرين إلى حاجة ملحة ونداء عاجل لضمير العالم.

 

 الظاهرة من نبض القلب إلى ساحة المعركة

لم يكن التطوع الإنساني في زمن الحرب وليد اللحظة. جذوره تمتد إلى التاريخ الإنساني الطويل، حيث كانت القبائل تقدم العون للجرحى والنساء والأطفال في الحروب القديمة. في العصر الحديث، كانت مبادرة هنري دونان بعد معركة سولفرينو عام 1859، التي أدت إلى تأسيس الصليب الأحمر، نابعة من دافع تطوعي إنساني بحتٍ تحول لاحقاً إلى مؤسسة عالمية. في الحربين العالميتين، برزت جهود تطوعية مدنية كبيرة لإنقاذ الضحايا وتقديم الإغاثة.

لكن المشهد اليوم اختلف جذرياً. لقد تحوّل التطوع من عمل مكمِّل ضمن أطر منظمة، إلى خط دفاع أولي وأحياناً وحيد في ظل انهيار الدولة وتقاعس المجتمع الدولي أو عجزه عن الوصول. النزاعات المعاصرة في سوريا واليمن وأوكرانيا والسودان أظهرت نمطاً جديداً: حروب مدن معقدة، وانهياراً للحدود بين الجبهة والخلفية، وتشظّياً للسلطة بين مليشيات متعددة. في هذا الفضاء المشتعل، يولد العمل التطوعي عفواً، كرد فعل غريزي لمجتمع على شفا الهاوية.

من هو المتطوع في هذا السياق المرعب؟ القانون الدولي الإنساني، ممثلاً باتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها الإضافية، يقدم حماية واضحة نسبياً للعاملين في المجال الطبي والجمعيات الإنسانية المعترف بها رسمياً. لكنه يترك في منطقة رمادية خطيرة ذلك الشخص الذي يقرر، بلا توجيه من منظمة كبرى، تحويل منزله إلى ملجأ، أو استخدام سيارته لنقل الجرحى، أو توزيع الطعام الذي جمعه من الجيران على النازحين. إنه المواطن العادي الذي يتحول إلى حارس للإنسانية، بدوافع تتعدد بين الأخلاقي والديني والوطني والمجتمعي، وأحياناً بدافع الضرورة المحضة لا أحد سيفعلها غيرنا.

 

 التضحية في مواجهة النسيان

مهام هؤلاء المتطوعين تجاوزت منذ زمن بعيد فكرة “الإسعافات الأولية”. إنهم اليوم يقيمون مستشفيات ميدانية في أقبية المنازل، وينسقون عمليات إخلاء معقدة تحت القصف، ويديرون شبكات توزيع للمساعدات تتخطى الخطوط الأمامية، ويصلحون أنظمة المياه والكهرباء المنقطعة، بل ويوثقون الانتهاكات باستخدام هواتفهم المحمولة. هم أطباء وممرضون، لكنهم أيضاً سائقون ومنسقون ولوجستيون وعمال إصلاح وداعمون نفسيون، كل ذلك دون تدريب كافٍ في كثير من الأحيان، وباستخدام أدوات بدائية.

لكن هذه الصورة البطولية يقابلها واقع مرير من المخاطر التي تتهدد المتطوعين:

– مخاطر جسدية مباشرة: فهم مستهدَفون، إما لأن أحد الأطراف يعتبر عملهم الإنساني في منطقة معينة تعاوناً مع العدو، أو ببساطة بسبب العشوائية واللامبالاة تجاه الحياة المدنية. سيارات الإسعاف التطوعية تتعرض للقصف، والعيادات المنزلية تتعرض للمداهمة، والمتطوعون يقتلون أو يصابون أثناء أداء مهامهم.

– مخاطر قانونية: يتم اعتقالهم واحتجازهم بتهم غامضة، مثل رفع الاحداثيات، أو التعاون وهو مساعدة الطرف الآخر لمجرد تقديم العلاج لمحتاج من الطرف الآخر. إنهم يعملون في فراغ قانوني. فالقوانين المحلية إما غائبة أو تعتبر عملهم غير مرخص، بينما لا يقدم القانون الدولي حماية واضحة ومحددة لهم.

– مخاطر نفسية: إنهم يعيشون تحت وطأة الصدمات المتكررة، يشاهدون الموت والدمار عن قرب يومياً، ويعالجون جرحى بينما عائلاتهم في خطر، كل ذلك دون أي دعم نفسي يذكر، وسط شعور عميق بالعزلة والتهميش.

–  تحديات لوجستية قاتلة: يعملون وسط نقص فادح في المعدات الطبية والأدوية، وصعوبة التنقل بسبب الحواجز والاشتباكات، وانقطاع وسائل الاتصال، مما يجعل مهمتهم أشبه بمحاولة إخماد حريق هائل بكوب ماء.

 

 السودان النموذج الأكثر قسوة ووضوحاً

تجربة السودان منذ أبريل 2023 ليست مجرد حالة إنسانية صعبة؛ إنها مختبر حي يكشف، بوضوح لا لبس فيه، عن الهوّة السحيقة بين المبادئ القانونية الدولية المجردة والواقع الميداني الدامي. هنا، حيث انهارت المستشفيات وتعطلت السبل، لم تكن المنظمات الدولية هي المنقذ، بل كانت لجان الطوارئ والمبادرات التطوعية التي تشكلت من العدم.

لقد أبدع السودانيون في تنظيم أنفسهم في شبكات تواصل لتنسيق نقل الجرحى، مخابئ آمنة للأدوية، نظام توزيع للمياه والطعام يتحدى الحصار. لقد أثبتوا أن الإرادة الإنسانية يمكنها أن تخلق بدائل عملية في ظل غياب المؤسسات. ولكن، وكتكلفة مأساوية لهذا الإبداع، تحولوا إلى أهداف. القصة التي بدأنا بها عن استهداف قافلة برنامج الأغذية العالمي ليست سوى مثال.

فالقصف طال منازل تحولت إلى عيادات، والاعتقال طال متطوعين أثناء نقلهم جرحى، والنهب طال سيارات الإسعاف والمولدات والأدوية.

تجربة السودان تثبت أمرين حاسمين؛ الأول هو القدرة الهائلة غير المحدودة للمبادرات الطوعية على ملء الفراغ الهائل الذي يتركه انهيار الدولة وتردد المنظومة الدولية. والثاني هو الهشاشة القاتلة التي يعمل في ظلها هؤلاء الحماة. إنهم يعملون دون غطاء قانوني محلي يُذكر، وفي غياب تام لأي شكل من أشكال الحماية العملية التي تتحدث عنها الاتفاقيات الدولية. لذا، فإن السودان يمثل حالة طارئة واختباراً حقيقياً للضمير العالمي. الحديث عن حماية المتطوعين هناك ليس ترفاً فكرياً أو مسألة نظرية للمستقبل، بل هو نداء عاجل للعمل الآن. يجب أن تتحول الدبلوماسية والضغوط الدولية إلى ضمانات فعلية على الأرض، مناطق آمنة، تصاريح واضحة، اعتراف صريح من جميع الأطراف بحصانة المتطوعين. كما يجب أن يكون توثيق الانتهاكات ضدهم جزءاً أساسياً من أي مسار مستقبلي للمحاسبة والعدالة الانتقالية.

نصوص قانونية عاجزة

هل يكفي القانون الدولي الحالي لحماية هؤلاء؟ الإجابة المؤلمة هي: لا. فالإطار القانوني القائم يعاني من ثغرات واسعة:

القانون الدولي الإنساني يركز على حماية أفراد الخدمات الطبية التابعين للقوات المسلحة أو الجمعيات المعترف بها (مثل الصليب الأحمر). مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين موجود، لكنه لا يحدد بوضوح وضع المتطوع المستقل، مما يتركه عرضة لسوء الفهم والاستهداف.

القانون الدولي لحقوق الإنسان يضمن الحق في الحياة والسلامة، لكنه يفقد فاعليته في غياب دولة قادرة على التنفيذ، وهو بالضبط الوضع السائد في معظم النزاعات.

القوانين الوطنية في أفضل الأحوال، لا تتناول وضع المتطوع في النزاع. وفي أسوئها، تعتبر أي عمل غير مرخص من الدولة المنهارة أصلاً عملاً غير قانوني.

هذا الثالوث من القصور يخلق حالة من اللامكانية القانونية للمتطوع، فيتحول من منقذ إلى هدف مشروع.

 

 نحو مستقبل آمن.. مقترحات لمسار حماية حقيقي

حان الوقت لتحويل التضحية الفردية إلى حق جماعي معترف به ومحمي. وهذا يتطلب إطاراً قانونياً شاملاً وجريئاً، يرتكز على مبادئ أساسية: الاعتراف بالمتطوع الإنساني كفئة خاصة، الحياد الإنساني كشرط للحماية بغضِّ النظر عن الموقع، الوصول الآمن إلى المحتاجين، والحصانة من الملاحقة بسبب العمل الإنساني.

لتحقيق ذلك نقترح آليات على مستويات مختلفة:

– على المستوى الدولي: التفاوض على بروتوكول إضافي جديد لاتفاقيات جنيف مخصص لحماية المتطوعين المدنيين في النزاعات، وإنشاء سجل دولي معترف به لهم، وآلية مستقلة لرصد الانتهاكات. يجب أن ترفع القضية إلى مجلس الأمن باعتبار الاعتداء على المتطوعين تهديداً للسلم والأمن الدوليين.

– على المستوى الإقليمي: إبرام اتفاقيات إقليمية للاعتراف المتبادل بحماية المتطوعين، وربما تشكيل قوات مشتركة لحماية الممرات الإنسانية في مناطق النزاع.

–  على المستوى الوطني: إصدار تشريعات وطنية تعترف بحقوق المتطوعين وتوفر لهم وثائق هوية واضحة، مع عقوبات رادعة للاعتداء عليهم.

دور المنظمات الدولية يجب أن تتحول من جهات تعمل لصالح المجتمعات إلى شركاء مع المبادرات المحلية، مع الحفاظ على استقلاليتها، وتقديم الدعم اللوجستي والتدريبي دون شروط تعقيدية، والضغط الدبلوماسي المستمر.

 التحديات والآمال.. طريق شائك نحو العدالة

الطريق نحو هذا الإطار ليس مفروشاً بالورود. هناك تحديات جسيمة في مقدمتها تحديات سياسية مرتبطة برفض أطراف النزاع لأي قيود، وصعوبة تحقيق إجماع دولي في ظل انقسامات سياسية.

وهناك تحديات عملية ذات صلة بصعوبة التمييز بين المتطوع الحقيقي والمقاتل المتخفي، وعدم القدرة على فرض الاحترام للإطار القانوني على الأرض دون وجود إرادة دولية حقيقية.

ومن ثم تحديات ثقافية بسبب الشكوك وعدم الثقة في دوافع المتطوعين داخل المجتمعات المنقسمة نفسها.

لكن هناك أيضاً نماذج نجاح تبعث الأمل. آليات التفاوض المباشر للجنة الدولية للصليب الأحمر، ونماذج الحماية المجتمعية الذاتية التي طورتها مجتمعات في كولومبيا أو الفلبين، وشراكات ناجحة بين منظمات دولية ومبادرات محلية كما حصل في أجزاء من سوريا.

لذا، يجب أن تكون الخطة مرحلية واقعية تبدأ بالتوثيق ونشر الوعي مرحلة قصيرة، ثم تطوير مدونات سلوك وأطر عمل طوعية والتفاوض على اتفاقات محلية مرحلة متوسطة، وصولاً إلى اتفاقيات دولية ملزمة وآليات دائمة مرحلة طويلة.

المتطوعون في ساحات النزاع، كما في السودان، هم تجسيد حي لأعلى قيم الإنسانية والتضامن والتضحية من أجل الغير. إنهم يقدمون دروساً في الشجاعة والأمل بينما العالم يشاهد، أحياناً بإحراج، وأحياناً أخرى بتقاعس لكن إنسانية هؤلاء الأبطال المجهولين يجب ألا تبقى عارية في مواجهة الرصاص وصمت القانون.

حمايتهم ليست منّة أو هبة، بل هي واجب أخلاقي وقانوني على المجتمع الدولي يجب أن نتحول من ثقافة الإشادة بالشهداء وتخليد الذكريات إلى ثقافة حماية الأحياء. مستقبل العمل الإنساني في النزاعات المعقدة لا يعتمد على الشاحنات الضخمة والموازنات الكبيرة فحسب، بل على ذلك الشاب أو تلك المرأة اللذين يخاطران بحياتهما لنقل رغيف خبز أو قنينة دواء. إن الاعتراف بهم وحمايتهم قانونياً هو إعادة تفعيل للإنسانية نفسها، وخطوة حاسمة نحو عالم لا تُترك فيه القيم الإنسانية رهينة لصمت البنادق وتخاذل الضمير.

القرار الآن بين أيدينا؛ إما أن نبقى شهوداً على استهداف الخير، أو أن نكون شركاء فاعلين في حمايته.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *