ثورة الوعي…
كيف تحول اعتصام القيادة العامة إلى مدينة فاضلة؟
شيماء تاج السر، المحامية
في أبريل من عام 2019، شهدت القيادة العامة للجيش السوداني بالخرطوم مشهداً تاريخياً غير مسبوق. حيث تحولت محيطاتها إلى ميدان اعتصام واسع جمع شتات السودانيين من كل بقاع الوطن. ذلك الاعتصام الذي أطلق عليه ثوار ديسمبر المجيد (المدينة الفاضلة) لم يكن مجرد تجمع احتجاجي، بل كان ملحمة وطنية فريدة ألَّفت بين قلوب السودانيين جميعاً، وجعلت منهم يداً واحدة ضد النظام البائد؛ نظام الثلاثين من يونيو.
المدينة الفاضلة على أرض الواقع
تمكن الثوار من تحويل ميدان الاعتصام إلى نموذج مصغر للمدينة الفاضلة التي حلم بها الفلاسفة عبر العصور. فقد جمع هذا الميدان بين كل قبائل السودان في مودة ورحمة وسلام وتسامح وانسجام تام. لم يعد هناك فرق بين جنس أو منطقة أو لون. فالجميع أصبحوا سواسية تحت راية الحرية والعدالة.
أصبح هذا الميدان مكاناً للتعرف على السودان الوطن مترامي الأطراف. كان السودانيون من شماله وجنوبه وشرقه وغربه يتعرفون على بعضهم البعض لأول مرة، ليس من خلال الصور النمطية أو الأحكام المسبقة، بل من خلال اللقاء المباشر والحوار الصادق.
ثورة وعي وإبداع تنظيمي
ما يميز اعتصام القيادة العامة أنه كان ثورة وعي بالدرجة الأولى. استطاع الثوار خلال فترة قصيرة أن ينشئوا تنظيماً ذاتياً متكاملاً، فظهرت في الميدان العيادات العلاجية التي تقدم الخدمات الطبية المجانية، والإذاعة التي تنقل أخبار الثورة وتوعية الثوار، والمسارح الثقافية التي أصبحت منابر للتعبير الفني والسياسي.
كما احتوى الميدان على مكان مخصَّص لفاقدي السند، حيث كانت تقدم لهم جلسات تعليمية، بالإضافة إلى تقديم الأطعمة لهم. وهذا يعكس روح التكافل الاجتماعي العالية التي تميز بها المعتصمون.
تكايا الطعام والماء رمز الكرم السوداني
انتشرت في الميدان تكايا الطعام والماء التي يطعم منها كل من أتى إلى الميدان دون دفع مال. وهنا لابد أن أذكر خيمة (ميارم وادي هور) وصاحبات المندولة، هؤلاء السيدات العظيمات اللاتي كنّ كثيراً ما يطعمن الثوار، إنهن نموذج للمرأة السودانية المناضلة التي كانت في طليعة الثورة.
لم تقتصر التكايا على تقديم الطعام فقط، بل كانت تعبيراً عن كرم الضيافة السوداني الأصيل حيث كان الجميع يتسابقون لتقديم ما لديهم للآخرين دون انتظار مقابل أو شكر.
الخيام المهنية.. تنظيم ثوري احترافي
تميز الميدان بوجود العديد من الخيام المهنية التي لعبت أدواراً محورية في تنظيم الثورة وإدارتها، فكانت هناك خيمة الصحفيين التي طالما قدم منها الصحفيون أخباراً ومواضيع ثورية ساهمت في نقل صوت الثوار إلى العالم الخارجي وكشف انتهاكات النظام البائد.
أما خيمة المحامين فكانت تستقبل شكاوى الثوار وتقوم بالتحضير للدعاوى من هناك، مما وفر حماية قانونية للمعتصمين وواجهت انتهاكات السلطة. هذا التخصص في العمل الثوري يعكس نضجاً سياسياً وتنظيمياً عالياً.
روح ثورية تتجلى في الهتافات
تميز الميدان بروح ثورية فريدة. فمن غير المألوف أن يدخل أي شخص إلى الميدان ويخرج دونما يسمع هتافات الثورة ويترنم بها. أصبحت الهتافات جزءاً لا يتجزأ من نسيج الاعتصام تعبر عن آمال الثوار وتطلعاتهم وتحدياتهم.
حرية سلام وعدالة.. مدنية خيار الشعب
كان هذا الهتاف الأكثر حضوراً في الميدان وهو يعبر عن المطالب الأساسية للثورة السودانية الحرية من القمع والاستبداد السلام الذي طال انتظاره في مناطق النزاع العدالة الاجتماعية والاقتصادية، الدولة المدنية التي تحترم حقوق الإنسان وإرادة الشعب مصدر السلطات. هذا الهتاف لم يكن مجرد كلمات تردد، بل كان وما زال أمل كل الثوار أن تتحقق الحرية والعدالة والسلام.
ياخوانا الشاي.. الشاي بجاي.. شاي مش عادي بموية صحة ومعاه كيكة
بهذه البساطة والعفوية كان ينادي بعض الثوار داعين من هم داخل الميدان لشرب الشاي بكل حب. هذا الهتاف يحول لحظات الراحة البسيطة إلى طقس ثوري يجمع الناس ويؤلف بينهم. الشاي في الميدان لم يكن مجرد مشروب، بل كان وسيلة للتواصل والتضامن.
عندك خُتْ.. ما عندك شيل
هذا الهتاف يعكس أعمق معاني التضامن والتكافل في الميدان. كان يُستخدم عند القيام بجمع الاشتراكات لتجهيزات اليوم التالي للتكايا. الجمال في هذا الهتاف أنه برغم أن القصد منه هو جمع التبرعات، أنه كان يقدِّم للأشخاص خيار العطاء فقط، في حال ما عندك لم يكن هناك إحراج أو إلزام، بل كانت روح المشاركة الطوعية هي السائدة.
ارفع يدك فوووق والتفتيش بالذوق
في مشهد يعكس انضباط الثورة وأخلاقها العالية يرفع المارة أيديهم فوق رؤوسهم بكل ثقة عند الاقتراب من المتاريس المنتشرة بين الخيام، أو عند مداخل الميدان. هنا لا مكان للفظاظة أو العنف، فالتفتيش يتم بالذوق، حيث يحرس هذه المتاريس ثوار وكنداكات مدربون على حسن الاستقبال والتأمين بروح من المحبة والتآخي.. كل مارٍ يُفتَّش بلطف وثقة، ليس خوفاً من سلطة قمعية بل إيماناً من الجميع بأن هذا الإجراء يحمي الظهر ويصون النضال، مما يجعل عملية التأمين أكثر سلاسة ويُعمّق الشعور بالمسؤولية الجماعية.
ما تمشوا تخلّونا بالليل بجازفونا
هذا الهتاف يخلِّد ذكرى التروس؛ أولئك الأشخاص المكلفين بحراسة الميدان لحماية المعتصمين. كانوا يرددون هذا الهتاف يحذرون من المخاطر ويطلبون الدعم، هتاف يعكس الوعي بالمخاطر التي كانت تحيط بالمعتصمين من العسكر والمليشيات، ويظهر التضامن في مواجهة التهديدات. هذا الهتاف ترسخ في نفوس الشعب السوداني خاصة بعد فض اعتصام القيادة العامة الذي خلد شهداءنا الأكارم، إنه يبين مدى تقدم نظرة هؤلاء الثوار للمخاطر وللعسكر، ويظهر ضرورة الحشد للتأمين.
كل ذلك يجعلنا نقولها بكل ثقةٍ وإيمان، نقولها صريحةً وواضحة: الثورة مستمرة، والمجد والخلود لشهداء الثورة الكرام. هم من أوقدوا الشعلة الأولى بدمائهم الزكية، ومضوا إلى الخلود تاركين لنا وصية النضال وعهد البناء، لن نُبدِّل ولن نتراجع.. لأن دماء الشهداء ليست نهاية الطريق، بل بداية كل طريق نحو الحرية والكرامة. فكل يومٍ نعيشه على مبادئ الثورة هو انتصار جديد لروح من رحلوا، وإثباتٌ أن الأمة التي تنتفض لا تنكسر.
المدينة الفاضلة نموذج للدولة المنشودة
ما تحقق في ميدان الاعتصام لم يكن مجرد رد فعل على ظلم النظام، بل كان بناءً إيجابياً لدولة بديلة. في ذلك الميدان رأى السودانيون نموذجاً مصغراً للدولة التي يحلمون بها؛ دولة تحترم حقوق الإنسان، دولة تقوم على التعددية والمشاركة، دولة تحمي الضعفاء وتوفر الخدمات للجميع، دولة القانون التي لا تميز بين مواطن وآخر.
الميدان علم السودانيين أن التغيير ليس فقط إسقاط نظام، بل هو بناء علاقات إنسانية جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والتضامن والكرامة.
التحديات والصمود
رغم كل هذا الجمال والتنظيم كان الميدان يعيش تحت تهديد دائم: القوات النظامية والمليشيات كانت تحاصر المعتصمين، والاستخبارات كانت تعمل ليل نهار لتفكيك هذا التجمع الفريد، لكن الثوار صمدوا مستلهمين روح التضامن التي خلقوها.
وفي النهاية تم فض الاعتصام في 3 يونيو 2019 في مشهد دموي هز ضمير العالم، لكن ما تحقق في الميدان لم يمت، بل انتقل إلى وجدان الأمة السودانية. شهداء القيادة العامة سيبقون في الذاكرة، وروح الاعتصام ستظل حية في كل من شارك فيه أو حتى سمع عنه.
ثورة ديسمبر المجيد واعتصام القيادة العامة أثبتا للعالم أن السودانيين قادرون على بناء دولتهم بأيديهم، قادرون على خلق نموذج مجتمعي قائم على الحب والتسامح والتكافل. لقد كان الميدان مدرسة في الديمقراطية المباشرة، حيث تعلم السودانيون كيف يديرون شؤونهم بأنفسهم، وكيف يحلون خلافاتهم بالحوار، وكيف يقدمون المصلحة العامة على المصالح الخاصة.
الثورة دي ثورة وعي
وعي بأن الحرية ليست هبة تمنح بل حق ينتزع، وعي بأن الوحدة الوطنية ليست شعارات ترفع بل ممارسة يومية في التضامن والعطاء، وعي بأن المستقبل يبنيه أولئك الذين يؤمنون بقدرتهم على التغيير.
رحم الله شهداء القيادة العامة، وأدام في قلوب السودانيين روح ديسمبر المجيدة، عسى أن يروا قريباً تحقيق حلم الحرية والسلام والعدالة في وطن يسع الجميع.
وبذات العزيمة؛ عزيمة ديسمبر وصلابة أبريل، سنطفئ نيران الحرب. وبذات العزيمة والروح الثورية التي صنعت المجد لن يرجع الثوار عن المبادئ ولا عن إعمار الوطن. الشعب أقوى والردة مستحيلة. إنها لحظة فارقة تُثبت فيها الإرادة أنها أصلب من كل آلة حرب، وأن الدماء التي روت التربة لن تذهب هباءً بل ستثمر وطنًا يليق بتضحيات الأحرار.
الثورة مستمرة.