أفراح واحتفالات المنافي.. “بين الصخب وضرب الهم بالفرح”
قراءة تأملية في “مفارقات” الفرح السوداني خارج الوطن
د.محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
المتابع لما ينتشر في مواقع التواصل الاجتماعي، أو يمعن النظر في تفاصيل حياة السودانيين في عواصم اللجوء، لا بد أن تعتريه دهشة ثقيلة: مظاهر ومشاهد فرح عالٍ، ضحكات مفتوحة، تجمعات تبدو مكتملة البهجة، كأنها تحدث في بلدٍ آمن لا في ظل وطنٍ منكوب، يتقاسم الخسارة صباح مساء.. فرحٌ يبلغ أحياناً حدّاً مربكاً، يتجاوز المعقول، إذا ما قيس بوجع السودان المفتوح على الحرب والتشظي والفقد.
وبلا استئذان تقفز وتنهض الأسئلة هنا بدون مقدمات:
كيف يتماهى هذا الصخب مع أنين البلد وحزنه؟
وكيف تتجاور الأغاني والرقص والاحتفالات مع صور النزوح والدمار؟
في النظرة الأولية السريعة، يبدو المشهد منفصلاً عن سياقه الأخلاقي، وكأن الفرح، في صورته الزائدة والصاخبة، يقف على الضفة الأخرى من المأساة، لا يعنيه ما يجري في الداخل. فالتصورات الراسخة في الوعي الجمعي تقول: إن الأوطان الجريحة تستدعي الصمت، أو على الأقل تخفيف الضجيج، لا الاحتفاء (بحياة غائبة من أصلها).
ومن هذه الوجهة وتلك النظرة، يسهل الحكم على هذه الأفراح وتوصيفها بأنها نوع من التطبيع مع الكارثة، أو هروباً وجدانياً من مواجهة الألم. غير أن هذا الحكم، على وجاهته الظاهرة، لا يكتمل دون التمهل قليلاً.
فالفرح في المنفى لا يولد دائماً من الخفة (واللامبالاة)، بل كثيراً ما يخرج من رحم (الهم الثقيل). فهو ليس نسياناً بقدر ما هو محاولة لتأجيل الانكسار، حيث إن معظم السودانيين لم يغادروا وطنهم اختياراً، بل خرجوا منه اقتلاعاً، حاملين معهم الخوف، والحنين، وشعوراً خفياً بالذنب تجاه من بقوا خلفهم يواجهون المصير وحدهم. في مثل هذا الوضع، يكون من الممكن أو الواقع توصيف الفرح – حتى حين يبدو صاخباً- ـبأنه (ضربٌ للهم بالفرح) ليس من باب (الانتصار) عليه، بل للتعايش من خلال خلق وموالفة (هدنة قصيرة) معه.
ثمّة زاوية أخرى، أكثر عمقاً، تتصل بطبيعة السودانيين أنفسهم. فالسوداني، في جوهره، كائنٌ مجبول على التجمّع (والوقفات)، بعد انتهاء اللقاءات، فنحن لا نغادر باب المسجد عقب الصلاة مباشرة، بل نقف، نتبادل السلام والأخبار ونستطلع أحوال الغائبين من بين الحضور، ونمدّ الحديث كأننا نتمسّك باللحظة. وبعد انتهاء (الدافوري)، لا تنتهي المباراة بانتهاء اللعب، بل تبدأ بعدها وقفة طويلة، ضحك، تعليقات، واستعادة للأهداف التي كادت تكون، وتنسيق وترتيب اللقاءات القادمة.
وحتى عند خشم باب البيت، نقف لتقديم و(وداع) الضيوف. يطول الوداع، ويتحوّل الباب إلى مساحة لقاء لا فراق. وبعد (الطلوع) من السينما نقف لنحكي الفيلم لبعضنا البعض، فتكتمل المشاهد فلا تضيع لقطة سقطت عن المتابعة. وبعد (الخروج) من الإستاد عقب انتهاء المباراة نقف لنحلل ونحكي مجريات وأحداث المباراة، وكذلك عقب المحاضرات والندوات (ننتظر) لنتناقش فيما لم يتم تقديمه وطرحه في الندوة.
هذه التفاصيل الصغيرة ليست عادات عابرة، بل (طقوس أمن وأمان). ففي رؤية الوجوه المألوفة، وفي الوقوف معاً بلا سبب محدد، يتحقق شعور خفي بالطمأنينة، بأن العالم ما زال قابلاً للاحتمال. وحين يُنتزع السوداني من سياقه الطبيعي، وتُبعثر جماعته، تصبح المناسبات، أيّاً كان اسمها أو سببها، فرصة لإعادة إنتاج هذه الطقوس. فالفرح هنا لا يكون غاية في ذاته، بل وسيلة لاستحضار الجماعة، وللشعور بالقرب الذي يولّد حدّاً أدنى من الأمان.
بهذا المعنى، تقترب أفراح المنافي من أحوال الصوفي في التعبّد، حيث لا يكون الفرح نقيضاً للحزن، بل طريقاً لتجاوزه. حيث يتحوّل الجسد إلى وسيلة مقاومة، والتجمّع إلى طقس، والضحك إلى ذكرٍ دنيوي يحمي الروح من الانهيار. فالصوفي لا يفرح لأنه غافل عن الألم، بل لأنه يبحث عن معنى أعلى يحول بينه وبين السقوط.
لا يعني ذلك أن كل فرح في المنفى بريء، ولا أن كل صخب مُعفىً من المساءلة. فحين يتحوّل الفرح إلى استعراض، أو إلى قطيعة وجدانية مع الداخل، أو إلى نسيان متعمّد للمأساة، فإنه يفقد روحه ويستحق النقد. غير أن اختزال هذه الظاهرة في خانة اللامبالاة وحدها يفوّت فهم تعقيدها الإنساني والثقافي.
لعل السؤال الأصدق، إذن، لا يكون: لماذا يفرح السودانيون في زمن الحزن؟ بل: كيف يحاولون، عبر التجمّع والضحك والوقوف الطويل بعد اللقاء، أن يتأكدوا فقط.. أنهم ما زالوا معاً؟
وفي زمنٍ كهذا، قد يكون هذا الشعور البسيط؛ أن نرى بعضنا البعض، أحد أشكال النجاة القليلة المتبقية.