ثورة ديسمبر وحرب ما بعد الحرب
السودان بين الفعل الجماهيري واختطاف السردية
وضاح شرف الدين
لم تكن ثورة ديسمبر 2018 لحظة انفجار غضبٍ عابر، ولا مجرد هبّة شارع ضد الجوع والمهانة وانسداد الأفق. كانت، في معناها الأعمق، لحظة استرداد للفعل نفسه. ذلك أن السلطة في السودان لم تكن تكتفي بقمع الناس في الشارع، بل كانت تعمل، على مدى عقود، على تجفيف القدرة على الفعل الجماعي: تفكيك النقابات، إضعاف الأحزاب، تدجين الإعلام، وتوسيع الإحساس بأن كل فرد معزول، وأن الخوف شأن خاص لا يمكن تحويله إلى قوة عامة. في مثل هذا السياق، تصبح الثورة فعلًا أعمق من التظاهر؛ تصبح استعادة المجتمع لقدرته على أن يرى نفسه، وأن ينظم نفسه، وأن يقول: نحن هنا، ولسنا مجرد أفراد متناثرين تحت سقف القهر.
من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي فهم الدور الذي لعبته الوسائط الرقمية، وخصوصًا فيسبوك، في ديسمبر. المنصة لم تكن مجرد ساحة كلام أو نشر أخبار. تحولت، عمليًا، إلى بنية تنظيمية بديلة في بلد كانت الدولة تحاصر فيه السياسة وتغلق منافذ الاجتماع العام. عبرها أُعلنت المواكب، وحددت المسارات، وتداولت البيانات، وانتشر البث الحي، وجرى توثيق القمع لحظة بلحظة. وقد رصدت رويترز في يناير 2019 أن السلطات السودانية قيّدت الوصول إلى منصات اجتماعية كانت تُستخدم لتنظيم الاحتجاجات وبثها، وأن النشطاء لجأوا إلى الـVPN لمواصلة التنسيق والتوثيق. هذا وحده يكشف أن السلطة نفسها كانت تدرك أن الخطر لم يعد في المنشور بوصفه رأيًا، بل في المنصة بوصفها جهاز تعبئة اجتماعية.
ولذلك فإن العبارة الكسولة التي تقول إن ديسمبر كانت “ثورة فيسبوك” تُخطئ مرتين. تخطئ لأنها تُهوّن من البنية الاجتماعية والسياسية التي أنتجت الثورة: الإفقار، والإذلال، وانسداد الحياة العامة، والتراكم الطويل للغضب. وتخطئ أيضًا لأنها توحي بأن التقنية هي التي صنعت الفعل، بينما الحقيقة أن المجتمع هو الذي حوّل الأداة إلى فعل. السودانيون لم يسقطوا النظام لأنهم امتلكوا تطبيقًا؛ أسقطوا رأسه لأنهم امتلكوا إرادة جماعية، ثم استخدموا ما توفر لهم من أدوات لتحويل هذه الإرادة إلى تنظيم وتزامن وذاكرة. المنصة هنا لم تُنتج المعنى، لكنها سمحت للمعنى بأن يتكثف ويظهر ويتحرك.
هذا هو المعنى الأعمق لعبقرية ديسمبر: أنها لم تنتظر شروط العمل المثالية. المعارضة يومها لم تكن في كامل عافيتها. كانت منهَكة، مطارَدة، مخترَقة، موزَّعة بين الداخل والمنافي. لكن تحت هذا الإنهاك كله بقي شيء حي: القدرة على الابتكار السياسي تحت الضغط. ففي بلدٍ تسيطر فيه الدولة على الإعلام التقليدي، وتضيق على التنظيم، صار الهاتف منبرًا، والصفحة موعدًا، والبث الحي شهادة، والمنشور جسرًا بين مدينة وأخرى. هكذا استعاد المجتمع بعضًا من فضائه العام من داخل جيب المواطن نفسه. وهذا ليس تفصيلًا تقنيًا؛ إنه حدث سياسي وأخلاقي كامل.
لكن التحدي اليوم لم يعد هو نفسه. فالعالم الرقمي الذي خدم ديسمبر لم يعد مجرد فضاء يمكن للناس أن يقتحموه ليكسروا الحجب. الحرب الأخيرة بدلت طبيعة الميدان كله. فمع اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يدخل السودان فقط طور الدمار المادي والتهجير والانهيار المؤسسي، بل دخل أيضًا طورًا أكثر تعقيدًا في المجال المعلوماتي: طور الحرب على الوعي. تقرير حديث لمؤسسة طومسون يصف التلاعب المعلوماتي في السودان بأنه لم يعد أثرًا جانبيًا للحرب، بل جزءًا من إستراتيجيتها، وأن الروايات الكاذبة وخطاب الكراهية والحملات المنسقة باتت تؤثر في المدنيين، والعمل الإنساني، وفرص السلام نفسها.
وهنا تظهر المفارقة السودانية القاسية. الأداة التي ساعدت الناس يومًا على كسر العزلة، صارت في زمن الحرب ساحة مفتوحة للخلط بين الحقيقة وتزويرها، وبين الشهادة والدعاية، وبين الوقائع والتلفيق. فالانهيار الذي أصاب الإعلام المستقل، واتساع الاعتماد على المنصات المفتوحة والمجموعات المغلقة ومقاطع الفيديو المتداولة، خلق بيئة مثالية لاستحواذ السردية عبر السرعة لا عبر الصدق، وعبر التكرار لا عبر الدليل. وقد أشار تقرير “سودان: الحرية على الإنترنت 2024” إلى أن أطرافًا محلية عديدة تنشر التضليل في السودان، من بينها القوات المسلحة، الدعم السريع، جهاز المخابرات، الإسلاميون، والأطراف المناهضة للحكم المدني، وأن السرديات المضللة استُخدمت قبل الحرب لتوليد الدعم لانقلاب 2021، وتبييض سمعة جهات ذات سجل سيئ، وتثبيط المشاركة في الاحتجاجات، وتشويه خصوم الحكم العسكري.
هذه النقطة بالغة الأهمية، لأنها تكسر الوهم القائل إن حرب التضليل وُلدت مع الرصاصة الأولى. الحقيقة أن الطريق إلى الحرب كان محفوفًا أصلًا بحرب سردية سبقتها ومهدت لها. منذ ما قبل اندلاع القتال، كانت المنصات تُستخدم لتهيئة الرأي العام ضد التحول المدني، ولبناء بيئة رمادية يختلط فيها الخصم السياسي بالخائن، والاحتجاج بالفوضى، والمطالبة بالديمقراطية بالمؤامرة. وحين جاءت الحرب، لم تبدأ شبكات الدعاية من الصفر؛ كانت لها ذاكرة، وخبرة، وشبكات، وأسلوب في احتلال الفضاء الرقمي. ولهذا يصح القول إن من اشتغلوا طويلًا على تخريب المجال المدني قبل الحرب، انتقلوا أثناء الحرب إلى مستوى أخطر: تخريب تفسير الحرب نفسها، والسعي إلى احتكار معناها وتوزيع الاتهام بما يخدم مواقعهم.
وتعطينا رويترز مثالًا مبكرًا كاشفًا على ذلك. ففي أكتوبر 2021، قبل الحرب الحالية ولكن بعد الانقلاب على المسار المدني، ذكرت أن فيسبوك أغلق شبكتين كبيرتين من الحسابات غير الأصيلة تستهدف المستخدمين السودانيين: إحداهما مرتبطة بالدعم السريع، والأخرى ضمت أشخاصًا قال باحثون، استأجرتهم الحكومة المدنية، إنهم من أنصار البشير يدفعون باتجاه استيلاء عسكري على السلطة.
الأهم من ذلك أن التقرير نفسه وصف المعركة على الرأي العام بأنها كانت تحتدم على الإنترنت. هذه الواقعة لا تقول فقط إن الفضاء الرقمي كان مخترَقًا؛ تقول إن الصراع على السودان كان يجري، منذ وقت مبكر، عبر شبكات منظمة تسعى إلى تشكيل وعي الناس، لا إلى مجرد التعليق على الأحداث.
ومع الحرب، صار هذا النمط أكثر وحشية وتعقيدًا. تقرير طومسون لعام 2026 يقول إن حملات الكراهية والروايات الكاذبة سبقت في بعض الحالات عنفًا ميدانيًا، وإن حملات تصف مدنيين أو جماعات بأنهم “متعاونون” أو “خونة” أعقبها استهداف خطير على الأرض. كما يشير التقرير إلى استخدام شبكات منسقة، وتكتيكات خاصة بكل منصة، بل وإلى استخدام محتوى مولَّد بالذكاء الاصطناعي في بعض الحالات لزيادة الوصول والتأثير. نحن هنا لسنا أمام شائعة طائشة، بل أمام بنية حرب موازية: تُحضّر الضحية رمزيًا قبل استباحتها جسديًا، وتعيد ترتيب الإدراك العام قبل أن يعاد ترتيب الأرض بالقوة.
والأخطر أن هذه البيئة لا تُنتج فقط الأكاذيب، بل تُنتج أيضًا الشك في كل شيء. أي أنها لا تكتفي بترويج رواية مزورة، بل تفسد قابلية الناس لتصديق الرواية الصحيحة أيضًا. حين يصبح كل شيء محل اتهام، وكل فيديو مشكوكًا فيه، وكل شهادة قابلة للتشويه، ينهار أحد أهم شروط الفعل الجماعي: الثقة الدنيا التي تسمح للناس أن يعرفوا ما الذي يحدث لهم ومن الذي يفعله. هنا بالضبط تتقدم السلطة الجديدة، أو شبكات أمراء الحرب، خطوة إضافية: فهي لا تمنعك من الكلام فقط، بل تجعل كلامك يغرق في سيل من الضوضاء المنظمة. وهذا شكل أحدث من الاستبداد؛ أقل فجاجة من الرقابة التقليدية، لكنه أشد فتكًا بالمعنى.
ولذلك فإن السؤال عن مستقبل الحركة الجماهيرية بعد الحرب لا يمكن أن يُجاب عنه بالحنين إلى ديسمبر وحدها. لن يكفي أن نعيد إنتاج الصفحة التي تعلن موكبًا، أو البث الحي الذي ينقل هتافًا، كما لو أن الزمن لم يتغير. فالمعركة القادمة ستكون على مستويين في آن: مستوى الشارع، ومستوى الوعي الذي يسبق الشارع. إذا كانت ديسمبر قد علمتنا كيف نهزم القمع باسترداد الفعل، فإن ما بعد الحرب يفرض علينا مهمة أشق: كيف نحمي الفعل من أن يُختطف رقميًا، ويُعاد تفسيره، ويُدار من وراء ظهره، ويُغرق في طوفان من الأكاذيب المصنوعة؟
هذا يعني أن أي حركة جماهيرية جادة في السودان القادم ستحتاج إلى ما هو أكثر من الشجاعة. ستحتاج إلى بنية ثقة. إلى قنوات موثوقة، وآليات تحقق، وأرشيفات مدنية، وتدريب رقمي، ووعي صارم بأن الخبر العاجل ليس دائمًا خبرًا صحيحًا، وأن الانفعال المفيد تعبويًا قد يكون مدمرًا سياسيًا إن كان مبنيًا على تضليل. وسيكون على المجتمع المدني أن يتعلم من درس الحرب أن الدفاع عن الحقيقة ليس ترفًا أخلاقيًا، بل جزء من الدفاع عن المجتمع نفسه. لأن الكذبة في زمن الخراب ليست مجرد معلومة خاطئة؛ قد تكون مقدمة لقتل، أو تشريد، أو نزع شرعية، أو تحريض على جماعة، أو تخريب أي فرصة لبناء مجال عام سليم.
في هذا السياق، تبدو المعركة المقبلة في السودان أعمق من مجرد صراع على السلطة. إنها صراع على من يملك تعريف الواقع نفسه. من يملك الرواية الأولى؟ من يحدد من بدأ، ومن يبرئ، ومن يلصق التهمة، ومن يحول الجريمة إلى التباس؟ هذه الأسئلة ليست هامشًا إعلاميًا؛ إنها في صميم السياسة بعد الحرب. لأن المجتمع الذي يفقد القدرة على تثبيت ذاكرته وتسمية ما جرى بأسمائه الصحيحة، يصبح قابلاً لأن يُحكم مرة أخرى بالوصاية، ولو بلغة جديدة وبأدوات رقمية أكثر أناقة.
لهذا كله، فإن المعنى الحقيقي لديسمبر اليوم ليس فقط أنها أسقطت طاغية، بل أنها أثبتت أن المجتمع السوداني قادر، حتى تحت المطاردة، على اختراع أداته واسترداد قدرته على الفعل. أما معنى ما بعد الحرب، فسيكون في اختبار أشد قسوة: هل يستطيع هذا المجتمع أن ينتقل من استرداد الفعل إلى استرداد الحقيقة أيضًا؟ هل يستطيع أن يحمي المجال العام من شبكات الفساد، وأمراء الحرب، والفلول، وكل من تعلموا استخدام المنصات لا لتوسيع الحرية، بل لإشعال الالتباس واحتلال السردية وتوزيع الذنب على غير مستحقيه؟ إذا نجح في ذلك، فلن تكون ديسمبر مجرد ذكرى بطولة، بل بداية تقليد جديد في السياسة السودانية: تقليد يعرف أن الثورة لا يكفيها الهتاف، وأن الحرية لا يحرسها النزول وحده، وأن المجال العام، في عصر الحرب الرقمية، يحتاج إلى شجاعة الشارع وانضباط الوعي معًا.