مسؤولية الرباعية.. ومسؤوليتنا الوطنية

أفق بعيد

فيصل محمد صالح

مسؤولية الرباعية.. ومسؤوليتنا الوطنية

 

لا يزال الجدال مستمراً حول مبادرة الرباعية الدولية، بين القبول والرفض، وما إذا كانت قادرة على وقف الحرب وتقديم حل للمشكلة السودانية المزمنة. لكن كثيراً ما يدخل النقاش في نقاط حدية ونهائية، بين من يتحمس لها باعتبارها الحل النهائي الناجع، وبين من يشتغل على أسطوانة التدخل الدولي الإمبريالي الصهيوني وضرورة الاعتماد على الحل الداخلي.

بعض الذين يتحدثون عن الدور الدولي انتقائيين وانتهازيين ومنافقين، لأنهم لا يملكون بديلاً وطنياً من ناحية، ولأنهم والغون في علاقات ومواقف مرتبطة بدول من الإقليم والعالم، ويتحركون وفق تحالف معها ومع مصالحها. شاهدت أحد قيادات الإدارة الأهلية المرتبطة بالحكومة يلعن التدخل الدولي والاستعمار ثم يعلن أنه سيقود مظاهرات شعبية تطلب من الحكومة إعطاء قاعدة عسكرية بحرية لروسيا، كأن السيد بوتين قادم من ديار دار جعل أو بطون البجا. هذا الموقف ليس ضد الدور الدولي في حل المشكلة السودانية وإيقاف الحرب، لكنه ضد دول لمصلحة دول أخرى.

من المؤسف القول إن كل مشاكل السودان وحروبه السابقة لم تتوقف إلا عبر وساطة دولية وإقليمية، هذا أمر مؤسف، وقد يكون مخجلاً، لكنه حقيقة واقعة. وأطراف الحرب والنزاع الحالي ليست لديهم رغبة أو قدرة على الجلوس على مائدة وطنية للحوار في ظل الإصرار على نفي الآخر وعدم الاعتراف به. وبالتالي، في هذا الإطار فإن مبادرة الرباعية تمثل مدخلاً جيداً ومناسباً لوقف الحرب وبدء عملية الحوار السياسي.

قلت مدخلاً جيداً، وأنا أقصد هذا، فهي قدمت خارطة طريق معقولة ومنطقية، لكنها تحتاج لكثير من التفاصيل. لن تحمل الرباعية الدولية ما يأمل فيه ويتمناه السودانيون من قفل باب الحروب وبناء دولة مدنية ديمقراطية، فهذا الجزء يخص السودانيين وحدهم، ودول العالم ليست منشغلة به، وليس من أولوياتها. ستعمل الرباعية كوحدة إطفاء الحرائق، مهمتها مكافحة النار المشتعلة وإطفاؤها.، وفي هذا..”كَتَّر خيرها”. أما ضمانات عدم اشتعال النار مرة أخرى، بما يتطلب ربما تعديلات المبنى وتجديد التوصيلات المائية والكهربائة وتأمين المداخل والمخارج…إلخ، فهذا ليس اختصاصها.

نعلم الأساس الذي تقوم عليه السياسة الأمريكية الجديدة القائمة على تبادل المصالح ” Transactional Approach”، ولا بأس في ذلك. المصالح الأمريكية تريد استقرار وتأمين منطقة البحر الأحمر وإبعاد النفوذ الروسي والإيراني، وترى في الحرب في السودان مهدداً لكل الإقليم المضطرب أصلاً، ونحن لدينا مصلحة في إيقاف الحرب وتحقيق الاستقرار في المنطقة.

وإذا افترضنا أن الولايات المتحدة ليست مهتمة بالضرورة ببناء الدولة السودانية لما بعد الحرب، على أسس جديدة مدنية ديمقراطية تعترف بالتنوع وتجعله أساساً لنموذج الحكم، فهل يسقط هذا الموقف مسؤليتنا الوطنية في المُضيِّ بهذا المشروع للأمام؟

بالتأكيد لا. لذلك فإن منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والإعلام والناشطين، في كل مجال، عليهم أن يلتقطوا بداية الخيط من الرباعية، يثمنون جهودها لوقف الحرب، ثم يكملون ما عليهم من مهام انطلاقاً من نفس خارطة الطريق.. فهذا فرض عين وليس فرض كفاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *