6 أبريل: الوعي الذي نجا.. وسيبني

6 أبريل: الوعي الذي نجا.. وسيبني

 

أماني أبوسليم

 

موكب 6 أبريل كان الأكبر في مسار ثورة ديسمبر. كان اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء. ليس لأنه كان الأكبر عدداً فقط، بل لأنه كان ذروة الوعي الجماهيري.

في تلك اللحظة، اقتنع عدد كافٍ من الناس أن السلطة لم تعُدْ تُخيف، وأن التغيير ممكن، وأن البقاء في الشارع أقل كلفة من الصمت. وهذا هو التحول الأخطر على أي نظام.

الحشد في 6 أبريل أسقط رأس النظام. لكنه لم يُسقطه كاملاً، ولم يبنِ بديلاً. وهذه ليست خصوصية سودانية، بل فجوة تتكرر في معظم الثورات. فجوة مكلفة، تُحسب بالأرواح، وبضياع الفرص، وبالتأخر في بناء الدولة التي خرج الناس من أجلها. الثورة امتلكت الوعي الذي يُسقط، لكنها لم تمتلك الأدوات التي تبني وتحمي.

 

الاعتصام: حين يصبح الوعي واقعاً

ما تلا 6 أبريل لم يكن مجرد استمرار للاحتجاج، بل انتقالاً إلى مستوى آخر. في ميدان الاعتصام، تحوّل الوعي إلى تجربة معاشة. الحرية، السلام، العدالة لم تعد شعارات، بل ممارسات يومية، ونموذجاً مصغراً للوطن الممكن.

وهذا تحديداً ما أرعب السلطة: ليس الهتاف.. بل تحقق الحلم على الأرض.

 

الصدمة.. التي لم تُنهِ الوعي

قبل الحرب، كانت جريمة فضّ الاعتصام. كان الهدف واضحاً، إعادة الخوف، كسر العزيمة، تعميق الإحباط. ولوهلة، بدا أن الضربة نجحت. لكن ما حدث بعد ذلك كشف شيئاً أعمق. في 30 يونيو، خرجت الجماهير مرة أخرى. ليس بدافع الحشد فقط، بل بدافع وعي لم يتراجع. الصدمة لم تُنهِ الثورة، بل أعادت تعريفها.

 

الحرب: تغيير قسري في الأولويات

ثم أشعلوا الحرب، لتنهي الثورة وتُشتت شروطها. ما حدث لم يكن تراجعاً اختيارياً، بل تحولاً قسرياً، من إسقاط النظام إلى البحث عن الأمان، ومن الهتاف في الشارع إلى النجاة من الحرب. هذا ليس ضعفاً، بل واقع يُعيد ترتيب كل شيء. المكسب الذي بقي رغم كل ذلك، أن هناك ما لم يُهزم: الوعي.

لم يعد من السهل تمرير نفس الروايات. لم يعد “المنقذ” مقنعاً كما كان. عدد كبير من السودانيين أصبح يرى كيف يُصنع الصراع، من يستفيد من الفوضى، كيف تُسرق الثورات بعد انتصارها. هذا الوعي ليس انتصاراً كاملاً، لكنه المكسب الذي يمكن أن يقود لما بعد ذلك.

وهو الآن في حالة سكون.

 

السكون: وعي أم عجز؟

ليس كل سكون أو صمت قوة. أحياناً هو تعب، وأحياناً خوف، وأحياناً فقدان اتجاه. لكن في لحظات معينة، يمكن أن يكون الصمت مرحلة إدراك، إعادة تقييم، فهم أعمق، وبداية بطيئة لإعادة البناء.

الفرق ليس في السكون نفسه، بل في ما يحدث داخله.

 

هل يمكن أن ينخفض الوعي؟

الوعي لا يختفي، لكنه قد يتشوش تحت ضغط الحرب، أو ينكفئ بفعل الخوف، أو يُعاد تشكيله عبر الدعاية. لكن هناك حد لا يُكسر بسهولة. الشعوب نادراً ما تعود إلى الجهل الكامل بعد أن ترى الحقيقة. ما يمكن أن يحدث هو: فقدان الثقة، الإحباط، إعادة تعريف الأولويات،

لكن ليس العودة إلى التسليم كما قبل الثورة.

 

تراجع أم تراكم؟

ما نراه اليوم هو الاثنان معاً: على السطح: تراجع في الفعل. في العمق: تراكم في الإدراك، الناس تفهم أكثر طبيعة الصراع، تعقيدات السلطة، حدود الشعارات، لكنها أقل قدرة على التحرك. ربما هي الآن في حالة مراقبة، أو مقارنة، أو بناء قناعة أعمق.

ثورة ديسمبر كانت تعبيراً عن ارتفاع غير مسبوق في وعي الجماهير. وكان موكب 6 أبريل ذروة هذا الوعي. هذا الوعي لم يتراجع، لكنه دخل حالة كمون. قد تتشتت الجماهير، وقد تعيد ترتيب أولوياتها، لكن الوعي، حين يصل إلى هذا الحد لا يعود إلى الخلف، بل يُبنى عليه.

السؤال الحقيقي ليس: هل انتهت الثورة؟

بل:

ماذا سيُبنى داخل هذا السكون؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *