السودان.. كيف أعاد اقتصاد الحرب تشكيل الدولة عبر شبكات الذهب والسلاح والمخدرات؟
وليد عنبوور
تتبدى في الفضاء الجيوسياسي السوداني المعاصر، وتحديداً منذ انفجار التناقضات العسكرية الكبرى في أبريل 2023 وصولاً إلى مآلات المشهد المعقد في الربع الأول من عام 2026، ظاهرة إعادة تشكيل عميقة وجذرية لبنية الدولة. تتجاوز هذه الظاهرة الصراع المسلح التقليدي على السلطة المركزية لتستقر في طور تأسيس بنية اقتصادية وأمنية موازية للدولة تعمل من داخل أجهزتها السيادية وتعيد صياغتها عبر منظومات شبكية معقدة. تمتد هذه المنظومات جغرافياً ووظيفياً من مناطق التعدين الأهلي في أقاصي الشمالية والنيل الأزرق والشرق وصولاً إلى الموانئ والمطارات والممرات الحدودية، في إطار شهد تلاحم الذهب بوصفه مورد التمويل الإستراتيجي الرئيسي مع السلاح كأداة للسيطرة المطلقة والمخدرات كعنصر سيولة نقدية عابر للشبكات غير الرسمية وقادر على تغذية منظومة مالية سوداء لا تخضع لرقابة المصارف التقليدية أو شروط الشفافية الدولية.
تشير معطيات التحليل الإستراتيجي الراديكالي والإفادات الميدانية المتقاطعة إلى أن الحرب أفضت إلى عملية إعادة توزيع شاملة للوظائف السيادية داخل شبكات تتسم بالمرونة العالية والتكيف الهيكلي مع الأزمات. تتشكل حالياً كارتيلات حرب جديدة تعمل بالتوازي مع الكارتيلات التقليدية الناشئة خلال العقود السابقة، تزامناً مع دخول فاعلين جدد من خلفيات عسكرية وتجارية ومحلية يتم استخدام غطاء لافتة (المقاومة الشعبية) وشعارات (حرب الكرامة) كواجهة سياسية وآيديولوجية لتمرير مصالح كارتيلات اقتصاد الحرب، وتوفير الغطاء الشعبي لعمليات السيطرة على الموارد. أدى ذلك إلى إعادة هندسة سوق القوة والثروة، وخروج قطاع الذهب من دائرة النشاط الاقتصادي ليتحول إلى محور مركزي في اقتصاد الحرب تتداخل فيه مسارات الإنتاج والتجميع والتصدير مع قنوات غير رسمية تتيح تدوير العائدات الضخمة داخل منظومة مالية غير شفافة ترتبط عضوياً بتمويل العمليات المسلحة المستمرة وشبكات الحماية المحلية العابرة للولاءات الوطنية.
تتجلى خطورة هذا التحول البنيوي في تزايد المؤشرات على عمل مسارات تهريب السلاح والمخدرات ضمن منظومة لوجستية متقاطعة مع البنية الاقتصادية للذهب، معتمدةً على شبكات وسيطة محلية وإقليمية وعلى نقاط عبور برية وبحرية تتغير وظيفتها الحركية تبعاً لتوازنات السيطرة الميدانية. تبرز منطقة الساحل السوداني على البحر الأحمر كأهم العُقَد الإستراتيجية والجيوسياسية في هذه المنظومة، ففيها تتقاطع الموانئ والممرات البحرية الدولية مع شبكات النقل الداخلية، وضمنها تعمل ترتيبات أمنية هجينة تسمح بمرونة عالية في حركة التدفقات المالية والعينية، في ظل ضعف القدرة المؤسسية على الرقابة وتعدد مراكز القرار العسكري المتصارعة على الهيمنة.
تعكس الهجمات النوعية والمكثفة التي طالت منشآت إستراتيجية في مدينة بورتسودان خلال شهر مايو من عام 2025 بما في ذلك المواقع الحساسة، المرتبطة بالمخازن اللوجستية ومستودعات الوقود في محيط مطار المدينة، تحولاً جوهرياً في طبيعة العمليات العسكرية ونوعية الأدوات المستخدمة. ورغم أن بعض هذه الهجمات يُنسب في الخطاب الرسمي إلى قدرات الفاعلين المحليين، تشير بعض القراءات غير المؤكدة إلى احتمال وجود بصمات تقنية متقدمة قد ترتبط بجهات خارجية دون أن يرقى ذلك إلى مستوى الدليل القاطع على تدخل مباشر.
إن هذا التحول يعيد إلى الأذهان إستراتيجية “الردع الخشن” التي مورست تاريخياً في شرق السودان لتعطيل هذه المسارات. فكما كشفت واقعة ضرب العربة “السوناتا” في بورتسودان عام 2011، وكذلك حادثة “اغتيال نويصر” عن اختراق تقني دولي عالي المستوى لتعطيل سلاسل إمداد السلاح، تشير هذه المعطيات إلى تحول العنف لأداة دولية فاعلة لإعادة رسم سلاسل القيمة وفرض واقع جيوسياسي جديد يربط الداخل السوداني بالفضاءات الإقليمية مسرِّعاً من تلاشي الحدود الفاصلة بين الدولة واللا-دولة لصالح منظومة هجينة تتوزع فيها السلطة الفعلية بين مراكز متعددة تعمل وفق منطق النفوذ المالي والقدرة التقنية على التحكم في الموارد.
يتسع التحليل ليشمل دور القوى الإقليمية والمحلية في تحويل السودان إلى معبر رئيسي لمنظومات الجريمة المنظمة العابرة للحدود في ظل اندماج المصالح الاقتصادية الضيقة مع الأهداف الإستراتيجية الكبرى للمجموعات المسلحة التي ترى في استمرار اقتصاد الحرب ضمانة وحيدة لبقائها السياسي والمادي. صار الذهب السوداني رهينة في أيدي شبكات معقدة تقوم بصهره وتصديره عبر قنوات تلتف على القوانين الدولية لتوفير التمويل اللازم لشراء التكنولوجيا العسكرية المتقدمة في واقع يفسر استمرار أمد الحرب رغم الضغوط الدبلوماسية. فالاقتصاد الموازي يمتلك القدرة على تدمير محاولات الإصلاح والعودة للمسار الديمقراطي والمؤسسي.
يمثل تداخل تجارة السلاح مع تدفقات المخدرات الاصطناعية تهديداً وجودياً للبنية الاجتماعية السودانية وتُستخدم هذه المواد كوسيلة للسيطرة على المقاتلين وتوفير سيولة نقدية سريعة للمجموعات الميدانية مما يخلق دائرة مفرغة من العنف والتمويل الذاتي تصعّب استعادة احتكار العنف الشرعي. تؤدي هذه الدوامة الاقتصادية إلى إضعاف الطبقة الوسطى لصالح فئات طفيلية تعيش على صفقات السلاح والتهريب الدولي تحت مظلة الفوضى التي ترعاها قوى داخلية وخارجية تترصد في ضعف السودان مكسباً جيوسياسياً بعيد المدى.
يمر الفضاء الجيوتاريخي للسودان بمرحلة المخاض العنيف التي تعيد تعريف معنى المواطنة في ظل تحول الدولة من راعٍ للحقوق إلى فاعل في سوق الموارد، ومقايضة الأمن بالولاء للشبكات العابرة للحدود. يظهر دور القوى الدولية التي نفذت ضربات مايو 2025 كلاعب يحاول فرض قواعد جديدة للاشتباك تهدف إلى حماية الممرات المائية الدولية من خطر اندماج شبكات الحرب السودانية مع المنظومات الإجرامية العالمية مهدداً السيادة السودانية بوضعها في مهب الريح، ومحولاً استعادة الدولة لمشروع يتطلب تفكيك الشبكات المالية المعقدة قبل أي تسوية سياسية فوقية.
وفي ضوء هذه التحولات البنيوية والواقع المعقد ندعو المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والكيانات السياسية الوطنية إلى تبني موقف حاسم يتجاوز لغة الإدانة نحو خطوات إجرائية ملموسة تتمثل في:
- فتح تحقيق دولي مستقل ومحايد للتقصي حول مسارات الذهب السوداني وسلاسل توريده وتصديره، مع التركيز الصارم على كشف مخاطر استخدامه كأداة مالية مباشرة لتمويل العمليات المسلحة.
- تعزيز آليات تتبع سلسلة الإمداد لضمان التزام الأسواق الإقليمية والدولية بمعايير الشفافية، ومنع تسرب الذهب إلى المنظومات المصرفية قاطعاً الشريان المالي لكارتيلات الحرب.
- توسيع نطاق الرقابة الدولية الاستخباراتية على شبكات تهريب السلاح والمخدرات العابرة للحدود في مسرح البحر الأحمر والقرن الأفريقي لتعطيل المسارات اللوجستية التي تعيد إنتاج العنف.
- دعم برامج مكافحة غسل الأموال المرتبطة باقتصاد الحرب بما يشمل تتبع الأنشطة التجارية المشبوهة والتعدين غير الرسمي الذي يوفر غطاءً مالياً للشبكات الإجرامية.
- إنشاء آلية دولية خاصة ودائمة لمراقبة اقتصاد الحرب تتعامل مع الوضع في السودان بوصفه نظاماً اقتصادياً هيكلياً موازياً يتطلب اشتباكاً تقنياً وقانونياً مستمراً.
إن استمرار هذا النمط من الإدارة الاقتصادية يؤسس لواقع دائم من اللا-استقرار تصبح فيه الحرب هي الحالة الطبيعية والمنطق الوحيد للبقاء، مما يستدعي رؤية معرفية وإرادة سياسية دولية جديدة تفهم السودان كديناميكيات متصارعة من المصالح والتدفقات المادية، وتتطلب مواجهة شاملة تدمج بين العمل العسكري والرقابة المالية الصارمة، وإعادة بناء الوعي الوطني بعيداً عن كارتيلات الدم والنهب المنظم التي استباحت السيادة والتراب السوداني.