مغالطات امتحانات الشهادة بمناطق سيطرة تأسيس.. عطب البوصلة الأخلاقية

مغالطات امتحانات الشهادة بمناطق سيطرة تأسيس.. عطب البوصلة الأخلاقية

إبراهيم حمودة
ناقد وصحفي

أثارت خطوة حكومة تأسيس بتنظيم امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرتها الكثير من المخاوف، ليس على مستقبل التلاميذ والطلاب، ولكن على مستقبل الحكم في السودان ومخافة انفصال المناطق التي تسيطر عليها تأسيس.
أتحدث هنا عن ثلاثة ملايين طفل، بحسب الأرقام والتقديرات المتوفرة، والذين حرموا من مواصلة التعليم والانتقال لمراحل أعلى طيلة ثلاث سنوات، بدون أي بارقة أمل في توقف الحرب ومواصلتهم التعليم بشكل نظامي.
المخاوف التي تم التعبير عنها بواسطة الكثير من القوى السياسية ومن “التربويين أنفسهم” تتلخص في أن اجراء امتحانات شهادة سودانية بشكل منفصل يعني عملياً الشروع في انفصال جزء من البلاد. هذه فرضية قد تصدق وقد تكذب، لأن الانفصال عملياً لا يتسبب فيه محض إجراء فني وتعليمي تربوي يتعلق بقياس قدرة الطلاب والتلاميذ على استيعاب المواد الدراسية التي حصلوا عليها، ولكن تتسبب فيه القوى العسكرية المتقاتلة والقوى السياسية التي تسعى لخلق أبقار مقدسة “وحدة السودان” ورهن حق إنساني ودستوري وقانوني باحتمالية سياسية قد تحدث أو لا.
حينما “انفصل”، والأصوب استقل، جنوب السودان لم تكن هنالك إجراءات لعقد امتحانات شهادة منفصلة، بل تم الأمر على مشهد ومرأى ومسمع كامل القوى السياسية وكل أطياف الشعب السوداني، ولم يحرك أحد ساكناً. ما يعني أن التخوف من انفصال آخر ليس من قبيل الحكمة المتأخرة، ولكن له دوافعه السياسية والاقتصادية التي تحرك مثل هذه الوساوس.
كما أسلفت يتعلق الأمر بثلاثة ملايين طفل حسب التقديرات، منهم أطفال بدأوا تعليمهم لسنة أو سنتين ثم حدث انقطاع العملية التعليمية بسبب الحرب لمدة ثلاث سنوات، وقد تستمر الحرب لسنوات أخرى. من يدري؟
الحق في التعليم حق إنساني كفلته المواثيق الدولية والقوانين الداخلية لكل الدول، ولا يمكن رهنه بمساومات سياسية أو نزعات وطنية مشكوك في نقائها للحفاظ على وحدة السودان، لجهة أن العواقب المترتبة على ترك هؤلاء الأطفال لمصيرهم تصل إلى مرحلة الكارثة أو الجريمة الوطنية.
أكتب هذا في هذا الأسبوع الذي صادف اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية الذي أعلنته الأمم المتحدة. فالحرب الحالية يقع جذرها في مظالم تاريخية تتعلق بتوزيع السلطة والثروة والتي يلعب فيها التعليم دوراً حاسماً. والمفارقة أن المناطق التي يحرم أطفالها الآن من مواصلة تعليمهم هي ذات المناطق الجغرافية التي عانت من التهميش الممنهج والحرمان من المشاركة السياسية، لدرجة تحولت فيها الحركات المطلبية في كردفان ودارفور والنيل الأزرق إلى حركات مسلحة حملت السلاح من أجل رد المظالم.

هذا يعني أننا بصدد تجهيز 3 ملايين من المظاليم محدودي التعليم الذين يمكن أن يجنحوا لحمل السلاح مستقبلاً للحاق بركب المنافسة والصعود الاجتماعي المتوفر لأقرانهم، الذين ظل بإمكانهم الجلوس للامتحانات والانتقال بين المراحل الدراسية وصولاً للتعليم الجامعي وفوق الجماعي، الأمر الذي يعني مستقبلاً أفضل، وظائف أفضل، ووضعاً اجتماعياً أفضل، بل وإمكان مشاركة سياسية غير محدود، سواء كانت البلاد تُحكم ديمقراطياً، أم عن طريق طاغية آخر يريد الحفاظ على وحدة السودان على طريقته.
لننظر الآن لما يعنيه حرمان هذه الملايين من مواصلة تعليمهم والجلوس لامتحانات، أياً كان نوعها. الحق في التعليم يشمل أيضاً حتى في البلدان الديمقراطية في الغرب اختيار أولياء الأمور الطريقة والمنهج الذي يدرس به أولادهم. هناك مدارس بعينها لا تعقد أي امتحانات وتقاس قدرة التلميذ من خلال أدائه العام طوال السنة الدراسية وطريقة تنفيذه للواجبات الدراسية. فهل هناك جرم في أن يُعقَد اختبار ما لقياس قدرات تلميذ في أي مكان؟ وكيف أصبح ذلك بقدرة قادر مدخلاً لكارثة سياسية تؤدي للانفصال؟.
تنادي لجنة المعلمين بشكل صادق من أجل إخراج العملية التعليمية من المناخ السياسي والاتفاق على لجنة تعليم مستقلة تمارس صلاحياتها في جميع مناطق السودان، أياً كانت الجهة التي تسيطر عليها، ولكني أعتقد أنها أمنية عزيزة غير واقعية في هذه الظروف، وأن طرفي الحرب اللذين فشلا في عقد هدنة من أجل إنقاذ الجوعى من الموت، لا تهمهم العملية التعليمية في هذا التوقيت.
بعملية حصر بسيطة، فإن الطفل الذي ينقطع ثلاث سنوات عن الدراسة نادراً ما يعود لنفس المستوى الذي كان عليه في السابق، يفقدون مهارات القراءة والكتابة الأساسية ما ينتج عنه فجوة معرفية دائمة، وإنتاج جيل غير قادر على المنافسة عالمياً في عالم يسبقنا في كل الأحوال على جميع الأصعدة. إضافة لهذا تتم عملية انتقال الفقر بين الأجيال، فطفل غير متعلم يساوي أسرة فقيرة.
على صعيد الاقتصاد الكلي يؤدي الأمر لنقص في القوى البشرية ذات المهارات والمعرفة اللازمة، ما يساهم في ضعف الاقتصاد وكفاءته وانخفاض الدخل القومي مستقبلاً، وضعف السوق المحلي مما يعني زيادة البطالة وسيادة نوع من الاقتصاد الهش. فالأطفال غير المتعلمين يتحولون مستقبلاً لقوى بشرية غير مؤهلة تنخرط في الأعمال الهامشية والمؤقتة.
على الصعيد الاجتماعي والأمني، حرمان ثلاثة ملايين طفل من التعليم يمثل مدخلاً لارتفاع الجريمة والعنف، انتشار العصابات، وسهولة التجنيد في الحركات المسلحة. وتشير الدراسات إلى أن حرمان الأطفال من التعليم يؤدي لضعف الانتماء وضعف القيم المدنية، وهشاشة الهوية الوطنية “المعدومة عندنا أصلاً”. وكل هذا يصب في تهديد الاستقرار السياسي في المستقبل، ما يعني أننا مشغولون الآن بصنع القنابل الموقوتة لمستقبل بلدنا تحت ذريعة الحفاظ على وحدة السودان.
المغالطة القائمة الآن في أن تعقد امتحانات في مناطق سيطرة تأسيس طابعها سياسي ولا علاقة له بالأطفال أنفسهم، وإلا قولوا لي أين أطفال كاودا والمناطق المحررة تحت سيطرة الحركة الشعبية؟ هل سمع أحد عنهم شيئاً وعن امتحاناتهم طوال العقود الماضية؟. الحل الآن أن نبحث عن حل إنساني بدلاً عن مفردة “ممنوع” الدوغمائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *